Monday, August 4, 2014

أميركا في ذكرى الاستقلال: مكابرة، ارتباك، وتصدع في بنى مؤسسات الدولة

أميركا في ذكرى الاستقلال:
مكابرة، ارتباك، وتصدع في بنى مؤسسات الدولة
          يشب الفرد الاميركي منذ نعومة اظفاره متشبعا بنموذجية واستثنائية نظام بلاده السياسي ويزج به باتجاه انه النظام الامثل والافضل في العالم مرجعيته نصوص الدستور وفصل السلطات فيما بينها، من ناحية، وبين السلطة الدينية، بل لما يتميز عن نظام اسلافه في الامبراطورية البريطانية؛ واحتكاره الميزات والخصوصيات والتحكم بمقدرات الشعوب البشرية.
          في ذكرى احتفال الولايات المتحدة "باستقلالها" عن اصولها الامبراطورية وزهوها بنص دستوري يعطي مواطنيها الحق في اسقاط الحكومة التي تنتهك حرياتهم، برزت حديثا مؤشرات تدل على تصدع آليات الحكم والاجهزة المتعددة وتوارث التوازنات فيما بينها، بالتوازي مع تنامي مشاعر جماعية ضد استغلال الحكومة لنفوذها للحد من الحريات المدنية المصانة بدلا من تعزيزها وحمايتها. مؤشرات استطلاعات الرأي، التي ابتكرتها القوى النافذة في السلطة لتشريع تدخلها في الوقت الانسب لخدمة مصالحها، تشير مؤخرا بوتيرة ثابتة الى حالة الاحباط العامة من القادة والمؤسسات السياسية، وانحراف مؤسسة المحكمة العليا عن رسالتها في الانتصار لاولوية النصوص الدستورية على الممارسات المُخِلّة بالتوازن والاصطفاف الى جانب فريق ضد آخر، مما استدعى قوى كيرة وشرائح متضررة الى الاحتجاج والتظاهر باستمرار ضد توجهاتها المقيدة للحريات.
          في الجانب التقني البحت، اصدرت المحكمة العليا قرارات اربعة متتالية، الاسبوع الماضي، ارضيتها المشتركة ان ادارة الرئيس اوباما "تجاوزت نطاق صلاحياتها الدستورية" وقوضت مساحة الحرية، ليس صونا لنصوص الدستور كما تفترض مهمتها ومبرر وجودها، بل اصطفافا لجانب القوى المناهضة لسياسات الادارة الداخلية، ابرزها برنامج الرعاية الصحية الشامل – اوباما كير، ومصالح الشركات والمصالح الاقتصادية الضخمة. ايضا، عززت قرارات المحكمة العليا جنوح القوى الاجتماعية المحافظة  توجيه غضبها واحباطها السياسي نحو ما تصر على تسميته "الهجرة غير الشرعية" لمواطني دول اميركا الوسطى واللاتينية الى الاراضي الاميركية، واحتجاز الناجين من عذاب الرحلة، صغارا وكبارا من الجنسين، في معسكرات اعتقال لاذلالهم قبل اعادتهم قسرا الى المناطق الحدودية المشتركة مع المكسيك. بالمقابل، سارع الرئيس اوباما، في ذكرى الاستقلال، الى ترويج "تاريخ البلاد الغني كدولة مكونة من المهاجرين تمتثل لسلطة القانون .." التي تشكل احدى ثوابت الخطاب الرسمي الاميركي، داخليا وعالميا.
          الاحتجاجات الشعبية تدل على تنامي الشرخ الاجتماعي، بجذوره السياسية والاقتصادية، مما يستدعي التساؤل ان كان المجتمع الاميركي على ابواب انشقاق اوسع وتصاعد موجات الاحتجاج. المرجح الاكبر ان المشهد الاميركي مقبل على تنامي وتيرة الاحتجاجات والتظاهرات يعززها تفاقم الفروقات الاجتماعية والاقتصادية وتراجع مساحة الحريات وتنامي المعارضة للمتضررين من سطوة الأجهزة الأمنية التي لا زالت اسرار تدخلاتها في صغائر الحياة اليومية للمواطنين تتوارد باضطراد. اوضاع وصفها استاذ القانون في جامعة هارفارد، لورنس لَسيغ، بالقول "يعتقد الاميركيون من كافة انتماءات الطيف السياسي ان النظام السياسي الاميركي محطم ومعطل. ما ينوف عن 90% منا (كمواطنين) يرجح جذر الفشل الى دور المال الطاغي على السياسة" والسياسيين. واضاف محرضا المواطنين على التحرك ان مراكز القوى في "واشنطن معطوبة ولن تبادر لاصلاح نفسها – يتعين على المواطنين القيام باتخاذ مبادرات" لوضح حد لفساد رأس المال والسياسيين.
          تنوعت المساهمات والتحقيقات الساعية لاماطة اللثام عن آليات نظام الحكم الاميركي، قلة منها لامست جوهر النظام وتركيبته والغوص في القوانين الاجتماعية والتاريخية الناظمة، ولجأ الجزء الاكبر منها الى اطلاق الاحكام الجاهزة والمعلبة طمعا في التغني بمحاسن النظام مقارة بالنظم الاخرى، لا سيما في عدد من الدول النامية ومن ضمنها الدول العربية، في حين تنعدم ارضية المقارنة العلمية بين نظم معظمها جيء به لتأدية وظيفة او جملة وظائف محددة خدمة للنظام السائد ومفاضلة النمط الغربي والاميركي تحديدا.         
          بجرعة واقعية وموضوعية تدعمهما دقة السرد والتحليل سنسلط الضوء للتعرف النقدي على كنه الآليات والعلاقات الناظمة بين المواطنين الاميركيين والسلطة السياسية وتقديمه للجمهور بمقاربات واقعية  لما اضحى ملموس لديه من اتضاح الشرخ الفاصل بين الدعاية والواقع.
سلطات حكومية محدودة، فصل بين السلطات وسيادة مشتركة
          تركيبة النظام الاميركي تقف على دعامة "فصل" السلطات عن بعضها وتعزيز مبدأ الحكم بالتوافق والشراكة بين المكونات الثلاث: التنفيذية (الرئاسة)؛ والتشريعية (الكونغرس بمجلسيه)؛ والقضاء (ممثلا بالمحكمة العليا)، درءا لاحتكار السلطة من قبل احداهن على حساب الاخريتين. مسألة السيادة "الوطنية والقومية" هي ايضا مسألة مشتركة بين الحكومة المركزية وسلطات الولايات المحلية والشعب، تم التوصل الى صيغتها بعد صراع التجربة والخطأ استمر لنحو 15 عاما قبل رسوّ الاختيار على الصيغة الراهنة.
          صيغة الحكم الاولى اضحت تعرف بمجلس "الكونغرس القارّي" الذي التأم يوم 5 أيلول 1774 وانتخب "بيتون راندولف" رئيسا له الذي بات الرئيس الاول للاتحاد الاميركي. ورغم اضطلاعه بالسياسة الخارجية وصلاحيات شن الحروب، الا ان سلطته الحقيقية كانت محدودة الطابع نظرا لطبيعة تكوين المجلس كاطار جامع "لدول (ولايات) سيادية" تحد من سلطاته الا اذ توصلت الى اجماع فيما بينها.
          مع نشوب الحروب وامتدادها في تلك الفترة اثبتت صيغة "الكونغرس القارّي" عن قصورها وعمق مواطن ضعفها، مما استدعى "المسؤولين" استبدالها بنظام يحتكم الى اعلان مواد كونفدرالية، الذي رسم حدود السلطات المتاحة في ايدي الحكومة المركزية، مقابل اقراره بمبدأ السيادة التامة للولايات المحلية على اراضيها؛ واستمر العمل بتلك الصيغة نحو عقد من الزمن، 1779 الى 1788.
          عقب اكتشاف مواطن ضعف بنيوية في تلك الصيغة تم التوصل الى طرح مشروع دستور، الذي بعد المصادقة عليه اضحى دستورا معتمدا لغاية الزمن الراهن. بيد ان ذلك لم يبدد مخاوف الولايات المحلية من تمركز السلطات الحقيقية بيد الحكومة الفيدرالية، الى ان تم التوصل الى وضع بعض الكوابح القانونية في النص، والتي بمجموعها ارست ارضية التوترات وتعارض الصلاحيات التي نشهدها حاليا بين السلطات المركزية والمحلية.
          من بين تلك الكوابح تم اضافة بند على الدستور يقر بسيادة المواطنين / المحكومين مقارنة مع الصيغ السابقة التي ارست مبدأ السيادة لسلطات الولايات المحلية، عززها فقرة افتتاحية الدستور التي تنص على "نحن افراد الشعب الاميركي ..،" اثارت جدلا في مراكز القوى اذ اعتبرت بانها تقوض نطاق نفوذها. للدلالة قال احد "الاباء المؤسسين،" باتريك هنري، تندرا بتلك الافتتاحية "ماذا تعني نحن الشعب في الديباجة؟ الصيغة التي نحن بصددها هي اتحاد كونفدرالي بين الولايات؛" شاطره الرئيس المقبل للبلاد، صموئيل آدامز، قائلا "اجد نفسي امام عثرة منذ البداية. نحن عبارة عن اتحاد كونفدرالي بين ولايات."
          وعليه، ارسيت قواعد النظام السياسي على اركان توافقية بين سلطات توزعت على عدة هيئات على خلفية الاعتقاد السائد آنذاك بانها الصيغة الامثل لحماية حقوق الشعب والولايات، مع الاخذ بالاعتبار انه لا يشكل صيغة كفؤة وفعالة لنظام الحكم، بل يحجم نفوذ السلطات المركزية من مراكمة سلطات اخرى.
بالنظر الى صيغة التوازنات المنشودة بين السلطات المختلفة نجد التالي:
الحكومة الفيدرالية تستمد سلطاتها من الدستور:
الرئيس يطبق القوانين الناظمة ويمارس السياسة الخارجية الى جانب موقعه كقائد اعلى للقوات المسلحة؛
مجلس النواب يتحكم باقرار الميزانيات ومنوط به التقدم بميزانية مقترحة وفرض الضرائب؛
مجلس الشيوخ الذي يعد الممثل الاول للولايات اضحى يمارس دوره كمجلس تشريعي اعلى صلاحياته تتضمن اقرار القوانين والمصادقة عليها؛
المحكمة العليا وظيفتها تقتصر على اضفاء التفسير الدستوري على القرارات والاجراءات والتيقن من امتثالها لنصوصه.
سلطة الولايات المحلية منصوص عليها دستوريا عززتها مادتي التعديل العاشرة والحادية عشر.
صلاحيات الشعب:
          تشمل الصلاحيات الفردية ممارسة حق الانتخابات لاختيار ممثليهم في مستويات الحكم المختلفة: قوميا ومحليا ومناطقيا، ورد ذكرها نصا صريحا بالدستور واعلان حقوق المواطنين (مواد التعديل الدستورية 1 الى 10)، تشمل حريات العبادة والتجمهر والتعبير واقتناء الاسلحة، وتحرم ايواء الجنود (الهاربين) ابان زمن السلم، والحصانة ضد التفتيش الشخصي، وحقوق المتهمين لاجراءات محاكمة عادلة بحضور وكيل قانوني ومحاكمة امام هيئة محلفين، وحظر العقوبات المفرطة، والاقرار بأن كافة الصلاحيات الاخرى غير المنصوص عليها لصالح الحكومة الفيدرالية او مجالس الولايات المحلية هي ملك الشعب.
          تجدر الاشارة الى ان اعلان الاستقلال ونصوص الدستور الاميركي بهما اقرار ان "السيادة هي بيد الشعب في نهاية المطاف .. وان الحكومات تستمد سلطاتها من موافقة المحكومين .. واينما نجد ان نظام الحكم  اصبح يهدد الغايات المقصودة، فمن حق الشعب النهوض لتغييره او ازاحته، وتنصيب حكومة جديدة."
اعيدت المصادقة على هذا النص من قبل المحكمة العليا عام 2008 اثناء البت في قضية مرفوعة ضد السلطات المحلية في واشنطن العاصمة، اذ اكدت العليا على "حق الشعب اقتناء السلاح كاحد عناصر الدستور الهامة بحكم انه اوفر قدرة لمقاومة الاستبداد." نظريا، توفر النصوص الحقوقية للشعب الاميركي التمتع بصلاحيات غير متوفرة في عدد من الدول والنظم الاخرى، ويتم استحداث وادخال النص في الخطاب اليومي كوسيلة تذكر الاميركيين "بتفوق" نظامهم السياسي ودلالة على فشل المساعي المتتالية للهيئات الحكومية الحد من انتشار السلاح الفردي في المواطنين الاميركيين.
في هذا السياق، تنبغي الاشارة الى سعي الحكومة المركزية، وخاصة السلطة التنفيذية ممثلة بالرئاسة، بثبات واصرار على تركيز السلطات بيدها، ومضت قدما دون استشارة السلطة التشريعية، بل حاولت الاستيلاء على صلاحيات تخص الحكومات المحلية حصرا، الى جانب جهودها لتقييد مجال الحريات العامة. الامر الذي اثار غضب قواعد شعبية متعددة.
الرئيس اوباما في مواجهة المحكمة العليا
تلجأ السلطات التنفيذية، المركزية والمحلية في الولايات، الاحتكام للمحكة العليا للبت في مسألة استقواء السلطة المركزية وتعديها على صلاحيات الآخرين، اتساقا مع نصوص الدستور المركزي. يشار الى ان تسليم الحزب الديموقراطي بسطوة اليمين واقطابه من المحافظين الجدد على السلطة التشريعية، ابان فترة الرئيس جورج بوش الابن بشكل خاص، اخل بمعادلة التوازن المرجوة وادى لاحقا الى اصدار العليا عدد من القوانين بعيدة المدى المناهضة للرئيس اوباما وحزبه، على الرغم من دعمه وترشيحه لقاضيين من اعضائها خلال ولايته الرئاسية. ومنذ مطلع عام 2009، تعرضت ادارة الرئيس اوباما الى ما لا يقل عن عشرين قرار هزيمة على ايدي العليا، وفقا لما ذكره السيناتور عن تيار حزب الشاي، تيد كروز.
وقال كروز "ان صافي خسارة الرئيس اوباما من معدل قرارات العليا بالاجماع هو ضعف المعدل تقريبا لما تكبده سلفه الرئيس بوش وما يعادل 25% مما لحق بالرئيس الاسبق بيل كلينتون."
امتدادا لهذا السياق، اصدرت المحكمة العليا قرارا بالاجماع، 9 مقابل 0، اعتبرت ان الرئيس اوباما تجاوز حدود صلاحياته الدستورية عند لجوئه لتعيين ثلاثة مسؤولين خلال فترة اجازة الكونغرس ليتفادى خضوعه للابتزاز السياسي. اهمية القرار تكمن ايضا في تأييده لحق مجلس الشيوخ الدستوري التصويت على مرشحين لمناصب حكومية رفيعة.
واتبعت قرارها بصدمة اخرى للحكومة والاجهزة الأمنية اذ صوتت بالاجماع ايضا على قرار يحد من صلاحيات الحكومة واجهزتها تفتيش الهواتف الشخصية دون توفر امر قضائي مسبق يسمح بذلك نصاً، وفشل ادارة الرئيس اوباما انقاذ مشروعها للسطو على صلاحيات اضافية تقيد الحريات الفردية.  واستندت المحكمة الى نص مادة التعديل الدستوري الرابعة التي تحصن المواطنين من تلك الممارسات – التفتيش دون اجازة قضائية.
كما قضت المحكمة العليا ببطلان جهود الادارة الاميركية الزام العمال بعضوية نقابتهم وتسديد رسوم العضوية عند اعتراضهم على توجهاتها السياسية؛ وقضت ايضا بحق المواطنين المناوئين للاجهاض التجمهر والاحتجاج على مقربة من المستوصفات الطبية التي يتم الاجهاض تحت سقفها بذريعة التمتع بحرية الرأي.
 ومن بين القرارات المثيرة للجدل صادقت المحكمة العليا على حق الشركات والمؤسسات الخاصة برفض ضم وسائل منع الحمل كجزء من برنامج الرعاية الصحية، كما ينص عليه "اوباما كير،" بدافع انها تتناقض مع المعتقدات الدينية لاصحاب تلك المصالح.
في المسائل الداخلية الصرفة، اصطفت العليا بقراراتها الى جانب السلطات المحلية في الولايات تعزيزا لسيادتها على قراراتها عند تعارضها مع القرارات المركزية، مما اعاد عقارب الساعة الى الوراء بضعة عقود في مسألة صلاحيات الدولة المركزية لتطبيق بعض مواد قانون التصويت، مثلا، واقرت بمعارضته للنصوص الدستورية.
انحسار هيبة الحكومة المركزية
تسارع وتيرة قرارات المحكمة العليا ومناهضتها لتوجهات الادارة الاميركية الراهنة قوّض مقام ووقار الاداء الحكومي والحق اضرارا جمة بسمعة الرئيس اوباما تحديدا، مما اسهم في انخفاض معدلات شعبيته في استطلاعات الرأي التي اجريت مؤخرا واعتبره احدها "اسوأ رئيس اميركي على مدى 70 عاما."
وتتالت الاخبار السيئة تباعا للرئيس اوباما مع اصدار يومية "انفستر بيزنس ديلي" نتائج استطلاع اشرفت عليه يفيد بأن 59% من الاميركيين يحملون الرئيس اوباما مسؤولية أزمة تفاقم "الهجرة غير الشرعية" للاراضي الاميركية؛ و 56% يحملونه مسؤولية تدهور الاوضاع الأمنية في العراق نتيجة قراره بالانسحاب؛ و 65% منهم يعتقدون ان ادارته تجهد لاخفاء الممارسات والتدابير الخاطئة التي اقدمت عليها مصلحة الضرائب باستهدافها منظمات سياسية مناوئة لها في الرأي.
امعانا في احراج الرئيس اوباما والاداء الحكومي العام، اصدر معهد غالوب الشهير نتائج استطلاعات للرأي منتصف الاسبوع  مشيرة الى ان 79% من الشعب الاميركي اعربوا عن اعتقادهم بأن الفساد يستشري في عموم الاجهزة الحكومية، مسجلا ارتفاعا بنحو 20 نقطة عن ذات الاراء المستطلعة عام 2006، مما يحيل الولايات الى احتلال مرتبة مرتفعة بين الدول المشهورة بالفساد. بالمقارنة، افادت الاستطلاعات ان نسبة المؤيدين للرئيس لم تتعدى 29%، بينما بلغت 36% في مطلع ولاية الرئيس اوباما. اما الكونغرس فلم يحظى الا على نسبة 7% من الرضى الشعبي، بينما حصدت المحكمة العليا نسبة 30% من الرضى، هي الاعلى من بين كافة المؤسسات الرسمية.
ترافقت نتائج الاستطلاعات مع انخفاض نسبة الاميركين الذين يقرون بمركزية بلادهم في مجال الحريات الفردية المتاحة بين الشعوب الاخرى، وانخفض معدل الزهو بالامتيازات بينهم الى نسبة 79% عام 2013 مقارنة مع 91% عام 2006 وفق احصائيات معهد غالوب سالف الذكر.
تداعيات الانحسار على المشهد الاميركي
النظرة الموضوعية لما يمور تحت سطح التحولات الاميركية تؤشر على هشاشة النسيج الاجتماعي بمعدلات مقلقة تفوق توقعات الكثيرين. تتمثل عوارضها في: انخفاض حاد في معدلات مستوى المعيشة؛ تنامي القلق من تقلص مساحة الحريات؛ فضلا عن تصاعد معدلات الاحساس الشعبي بفساد الاجهزة الحكومية التي تتآكل مكانتها باضطراد.
في هذا السياق لا بد من الاشارة الى تصاعد موجة الاحتجاجات سيما التي شهدتها ولاية كاليفورنيا حديثا باقدام نحو 200 مواطن على التعرض باجسادهم لمنع سير ثلاث حافلات كانت تنقل "مهاجرين غير شرعيين" والالقاء بهم على الجانب الآخر من الحدود المشتركة مع المكسيك، تعبيرا عن مشاعر الاحباط التي تنتاب الطبقة الوسطى في المجتمع من الاولويات المقلوبة للشريحة السياسية؛ مذكرا بحادثة مربي البقر "بندي" في ولاية نيفادا وتصدي مسلحين من مؤيديه الى ممثلين الحكومة المركزية؛ فضلا عن توالي معلومات تفيد بتشكيل ميليشيات خاصة من سكان الولايات الجنوبية، تكساس واريزونا، تجوب المناطق الحدودية المشتركة بحثا عن الموجات البشرية من"المهاجرين غير الشرعيين."
تصدع النسيج الاجتماعي، كما تدل التجارب التاريخية، لا يوقف تدهوره الا خطوات وتدابير تراجعية تبادر اليها الحكومات المركزية؛ اما تجاهل الامر فسيؤدي الى تصاعد الاحتجاجات وانزلاق الاوضاع من سيء الى اسوأ – كما دلت تجربة القيصر الروسي نيقولاس الثاني وغيره.
السؤال الذي يتبادر الى الذهن هو هل سيقدم الرئيس اوباما بالابتعاد عن بعض الممارسات التي حصدت توبيخا له من قبل المحكمة العليا وانهيار معدلات شعبيته بين المواطنين؛ الاجابة بالنفي هي الاكثر ترجيحا سيما وانه اعلن عن نيته الاقدام على تعديل قانون الهجرة من جانب احادي، بموازاة تدابير اخرى وعد بها مع ادراكه بعدم تقبل الشعب لها. الأمر الذي سوف يؤدي الى تغذية مسببات الاحتجاج.
من العسير الجزم بالمدى المرئي الذي يمكن الرئيس اوباما الذهاب به، بيد ان الثابت هو عقم المضي في المسار الراهن دون المجازفة بتداعيات سلبية تدهم البنية الحكومية والمجتمع بشكل عام.

Thursday, July 24, 2014

عندما يهزّ التكفير الوجدان المسيحي اللبناني ميشال أبو نجم النهار 24 تموز 2014

http://static.annahar.com/interface/arabic/images/logo.png

عندما يهزّ التكفير الوجدان المسيحي اللبناني

النهار  24 تموز 2014

كان من الصعب على الوجدان المسيحي اللبناني الشعبي أن يتقبَّل فكرة ظهور خطر وجودي وداهم هو الإرهاب التكفيري، يتقدَّم على ما يعتبره الأخطار التقليدية والتاريخية.
أفصل بين "الشعبي" و"السياسي" لأن دوافع القوى المسيحية اللبنانية التي تجاهلت الخطر التكفيري مرتبطة بمصلحة سياسية تقتضي نفي خطر التشدد والتكفير والتخفيف من وطأته أولاً، وثانياً وبعد بروزه، تبريره بتحميل مسؤولية إيقاظه للنفوذ الإيراني في المشرق والنظام السوري و"حزب الله"، وفي أقصى الأحوال المساواة بين ما عرف بمفهومي "داعش" و"حالش"، في قراءة اختزالية وسطحية ومشوِّهة لظهور التكفير في التاريخ الإسلامي وانتشاره.
جوهر القصيد هنا ليس سلوك تلك القوى والشخصيات السياسية، بل محاولة فهم الأسباب التي تجعل وجوهاً عامة مسيحية ومواطنين عاديين مستقلين يطرحون أسئلة من نوع "شو يعني تكفيري"، أو "هلقد خطرين وللا في تضخيم..."، "ما سوريا هيي اللي خلقتن"... وغيرها الكثير التي سمعناها ونسمعها كل يوم. هذه الأسئلة تعبِّر عن الصدمة التي تلقاها الوجدان المسيحي اللبناني التقليدي بعدما ظهر خطر مختلف عن تلك المخاطر التي واجهها منذ تأسيس الإختراع المسيحي، لبنان الكبير، عام 1920. ما عزِّز الصدمة أنَّ الخطر المستجدّ مجهول الملامح، ضبابي، عناصره متشابكة، لا صورة واضحة له، كما هي صور الأخطار التقليدية.

الأسس التقليدية للوجدان المسيحي
كان لبنان الكبير الإبن الشرعي للمسيحية السياسية والمارونية تحديداً، وواجه منذ نشأته أزمة شرعية بين مكوناته، وأزمة عدم اعتراف مع محيطه العربي من البوابة السورية، فضلاً عن الخطر الإسرائيلي. فكان هاجس المسيحيين حماية وطنهم من الإبتلاع والضم ومحاولة استخدامه ورقة في الصراعات الإقليمية وتنفيسها فيه، ومن أي محاولة لتغيير نموذجه ككيان للحرية والعيش بمساواة ومشاركة الطوائف في النظام السياسي من دون تحديد لدين الدولة، والحفاظ على استقراره.
لذلك كان الخطر بالنسبة للوجدان المسيحي، ذلك الذي يهز استقرار الكيان وهدوءه: مصر الناصرية، الأنظمة السورية المتعاقبة، الصراع الإسرائيلي العربي، المنظمات الفلسطينية المسلحة، ولاحقاً إيران الخمينية المتشددة و"حزب الله". وقد حفرت مواجهة هذه المخاطر عميقاً في وجدان مسيحيي لبنان، وخاصة مع النظام السوري لأنها كانت الأقسى. من جهة أخرى، كانت التطورات والمخاطر تدور في ظل نظام إقليمي محدد نشأ بعد سقوط الامبراطورية العثمانية سمي بـ"سايكس – بيكو"، عماده الدول "القُطرية" المحكومة من أنظمة بنت شرعيتها على الفكرة القومية.
تلك المخاطر كانت ذات طبيعة جيواستراتيجية، وثانياً نابعة من دول وأنظمة واضحة صورتها ومصالحها وقيادتها.

زلزال انهيار المشرق وتنامي التكفير

ما بين تلك المخاطر التقليدية والخطر التكفيري المستجد، تختلف ثلاثة عناصر: طبيعة الخطر ومنشأه، صورته، النظام الإقليمي المستولد في كنفه.
تنامت الحالة التفكيرية بعد هزيمة 1967 وحرب أفغانستان، وفي لبنان ظهرت في الثمانينات ولم تكن إيران الأصولية بعيدة عن دعمها، مع حركة التوحيد في طرابلس وغيرها، وصولاً إلى تنظيمات عين الحلوة. وبعد التسعينات بدأنا نسمع بمحاولة تفجير دير البلمند وصولاً لمواجهة الضنية عام 2000، ولاحقاً حرب نهر البارد. لكن كان زلزال سقوط الدولة في العراق عام 2003، وسقوط النظام الإقليمي كما عرفه لبنان ومسيحيوه سابقاً، هو المفصل الذي عزز البؤر والبيئة المناسبة لتنامي العمل التكفيري في المنطقة. وأتت الحرب السورية لتوسع دائرة التفكك. وبات السماع بتنظيمات جديدة، وبتفجيرات وصدامات مع الجيش، دورياً. هنا الخطر صار أكثر بروزاً للعين المجردة.
أمام الحقائق الجديدة، بدا الوجدان المسيحي اللبناني التقليدي أمام هزة كبيرة تزعزع أسسه. بعضه وعى الخطر، لكن شريحة أخرى بدت رافضة، مرتبكة، مشككة: هل يعقل أن يكون هناك خطر أكبر من ذلك النظام الذي قاتلناه في الأشرفية وزحلة؟ هل هناك ما هو أخطر من تنظيم عسكري داخلي ذي ارتباطات خارجية، لديه سلاح ويمارس أمامنا سياسة "فائض القوة"، وفي يده القرار الإستراتيجي؟ إن قوة الهزة تسمح بتفهم حجم التشكيك والأسئلة والرفض، وأكرر "الشعبي" العادي لا السياسي.

الظاهرة التكفيرية مجهولة ومعقّدة
ما اختلف أنَّ الظاهرة التكفيرية مجهولة، غامضة، لا تاريخ لها في المواجهة مع المسيحيين اللبنانيين، مثل القوى الفلسطينية أو النظام السوري. العامل الأساسي المساعد هو اختلاف طبيعة التهديدين أو "الخطرين" وصورتهما، هو الرؤية أمام العين. فالظاهرة التكفيرية هي أولاً حالة اجتماعية سياسية مستمرة ذات طبيعة عقائدية مرتبطة بتفسيرات معينة للدين الإسلامي، تطورت عبر قرون من مجرد حالة عقائدية متشددة إلى تعبير عملي عبر منطلقات سياسية وتنظيمات تكفّر وتفجّر وتستهدف كل آخر مختلف. مرت بمراحل منذ العصر العباسي مع الإمام أحمد بن حنبل، وصولاً إلى الشيخ إبن تيمية، ووجدت الترجمة السياسية الأولى لها بظهور الدعوة الوهابية، ولاحقاً من خلال منظمات بعضها خرج من رحم تنظيم "الإخوان المسلمين" أو على هامشه، خاصة بعد إعدام المنظر الأكبر للتكفير المصري سيد قطب. فانطلقت المنظمات الجهادية، وصارت تتكاثر وتخلق بؤراً لعنفها، وهي في معظمها لا تركيبة متماسكة لها، تريد إلغاء الجميع بالعنف والسيف مما أضفى عليها صورة منفلشة ومجهولة.
ما عقّد الموضوع أكثر، سهولة استخدام التنظيمات التكفيرية من قوى متناقضة، وظاهرة الإنقلاب على مستخدميها. بمعنى يمكن أن يغض السادات النظر عنها لتواجه "مراكز القوى" اليسارية، لكنها ترتد عليه. وتدعمها أميركا في أفغانستان لكنها تضربها لاحقاً، ويضرب النظام السوري "الإخوان" لكنه يدعم مرور الجهاديين لمحاربة الأميركيين في العراق، وتستخدمها قوى لبنانية فزاعة لمحاربة "حزب الله" لكنها تعود لتهددها.
في مقابل تعقيد صورة الخطر التكفيري، من الأسهل لوجدان أي شاب مسيحي لبناني أن يحدِّد الخطر بالعودة إلى الماضي، بدل أن يبدل منظومة أفكاره التي تتعرض لاهتزاز قوي. أقله من الناحية الإعلامية، أسهل جداً أن يتذكَّر القذائف التي أسقطها الجيش السوري من مناقشته بأفكار سيد قطب، وبشرح المودودي، أو تذكيره بأن إبن تيمية لم يميّز بين العلويين والدروز و"النصارى" في تكفيره. هو رأى عناصر المخابرات السورية على الحاجز وسمع عن تدمير حماة لكنه لم يحتكّ بأتباع مروان حديد و"الطليعة المقاتلة"، ولم يقرأ كتب قيادات إخوانية سورية تستخدم المصطلحات التحقيرية كـ"النصيريين". إضافةً إلى ذلك، هو يرى "القوة الصلبة" مثلاً لـ"حزب الله" أمامه، من استعراضات عسكرية وغيرها، فيركز على المظاهر المنفِّرة القريبة منه ويتغافل عن الخطر الأدهى خلف الحدود.
هناك اختلاف مسيحي حول تحديد الأخطار، لكن المهم أن يتذكر مسيحيو لبنان دوماً أن وجع الإلتهاب القريب لا يحجب خطورة المرض الأدهى المستكين.

كاتب سياسي

Monday, July 21, 2014

"اللقاء المسيحي - بيت عنيا" يناشد الحريري الثبات في جوهر الميثاق:


 "اللقاء المسيحي - بيت عنيا" يناشد الحريري الثبات في جوهر الميثاق:
نطالب  بملاحقة إسرائيل على جرائم الحرب وإحراق الكنائس وفرض الذمية جريمة ضد الإنسانية
بيروت 20 تموز 2014

عقد اللقاء المسيحي – بيت عنيا لبنان، اجتماعاً استثنائياً، تداول خلاله التطورات الراهنة، وأصدر على أثره البيان التالي:
أولاً، يتوقف اللقاء بألم وغضب شديدين، حيال المجازر التي يرتكبها جيش الاحتلال الاسرائيلي ضد المواطنين الفلسطينيين في غزة، ويعتبر أن كل صرخات الاستنكار والشجب والإدانة انما هي قاصرة وعاجزة أمام تلك الفظائع الواقعة على أناس مدنيين محاصرين في أرضهم. لذلك، يؤكد اللقاء أن التضامن مع تلك المأساة واجب إنساني وأخلاقي ومسؤولية دولية وعربية، لا يمكن لأي كان التنصل منها، وانه يجب التأسيس عليها من السلطة الفلسطينية لملاحقة دولة اسرائيل لدى المحكمة الجنائية الدولية بمادة جرائم الحرب، التي هي من اقبح الجرائم ضد الانسانية.
ثانياً، يوجه اللقاء صرخة مناشدة إلى جميع أبناء الدول العربية، وإلى المجتمع الدولي ومرجعيات الشرعية والقانون الدوليين، لوقف حروب الإبادة وجرائم التهجير القسري والتطهير العرقي والتمييز الديني التي ترتكب في الموصل وفي مناطق أخرى من العراق، ويهيب بجميع المسؤولين العمل الفوري على وقف الاضطهاد السافر الذي يتعرض له المسيحيون وسواهم من المواطنين العراقيين، على أيدي ميليشيات التكفيريين، وهم برابرة هذا العصر. إن إحراق الكنائس وهدم المقدسات الدينية ومصادرة بيوت الناس وفرض مساوئ الذمية عليهم، ستظل وصمة عار على جبين كل صامت أو متفرج، وجريمة ضد الإنسانية بحق كل مرتكب ومتواطئ.
ثالثاً، توقف اللقاء باهتمام كبير، أمام كلمة رئيس الحكومة الأسبق، الأستاذ سعد الدين الحريري، يوم الجمعة في 18 تموز 2014، وتدارس كل ما جاء فيها، إن لجهة بعض المضمون بشكل محدد، أو لجهة المقاربة العامة التي اعتمدها الخطاب المذكور حيال القضايا الوطنية الطارئة والمصيرية.
وبناء عليه، يجد اللقاء نفسه ملزماً توضيح التالي:
1-    إن اللقاء المسيحي يربأ بأن يكون نجل الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ووريثه والمؤتمن على نهجه، قد أطلق كلاماً يُفهم منه ان المناصفة بخطر، وبالتالي الميثاق، في حال لم يقدم المسيحيون بالتوافق على استحقاق دستوري يخصهم والوطن اجمع، وان العد قد توقف بفعل المناصفة تلك التي نصت عليها وثيقة الوفاق الوطني. لذلك يهم اللقاء أن يؤكد أن المسيحيين ليسوا مهووسين بالعدد، بل هم مؤمنون بالتعدد الحضاري الخلاق، ركيزة للحياة الإنسانية الحرة والكريمة، في وطن ميزته الاساسية تعدديته تلك وعيش مكوناته معا في ظلها، كما ان المسيحيين ليسوا معنيين بنصائح احتكار النوع وأحادية الفكر والرأي والمرجعية، بل هم ملتزمون بالتنوع وحرية الرأي والممارسة السياسية، نهجا لمقاربتهم المسائل الوطنية.
2-    يشدد اللقاء المسيحي في هذا السياق بأن ليس لاحد ان يملي على المسيحيين دروسا او امثولات بموضوع وثيقة الوفاق الوطني وظروفها ومبادئها واحكامها وسائر مندرجاتها، ذلك انهم يدركون كل ذلك، وقد رفضوا الممارسات التي اختزلت الوثيقة وانقلبت عليها وصادرت حقوق المسيحيين فيها لاهداف سلطوية بحتة تتعارض وجوهر هذه الوثيقة وعنوانها العريض المتمثل بشراكة كل مكونات الشعب في صناعة القرار الوطني. ان ما ارتضاه المسيحيون في وثيقة الوفاق الوطني كان من باب الشراكة الفعلية وليس الصورية، في حين ان الممارسة انصبت دائما على السعي الحثيث لالغاء حضورهم الدستوري وتصحير دورهم السياسي والوطني، ووصلت الامور الى مستوى محاولة اقتلاع جغرافيتهم وديمغرافيتهم، بخرق قوانين التملك وفرض مراسيم التجنيس المشبوهة.
3-    يذكر اللقاء بأن جوهر وثيقة الوفاق الوطني انما يكمن في المبادىء التي وردت فيها تحت عنوان "احكام اساسية"، تلك المبادىء التي اقتبسها حرفيا المشرع الدستوري سنة 1990 جاعلا منها مقدمة دستورنا، وقد اعتبرها فقيه اصيل من عندنا انها تتمتع بصفة القدسية، لانها في حقيقتها الموضوعية انما هي بمثابة الاعلان الدستوري لما يستند اليه لبنان من الاركان الثابتة وما يؤمن به الشعب اللبناني من العقيدة القومية، وهي الخاصية التي تتضح صراحة في كل بند من بنود هذه المقدمة – الاعلان،  الذي تنضوي كل كلمة منه على حل لاشكال نفسي وسياسي. ان خاتمة هذه المبادىء هي ان "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك"، وهو الميثاق المرتكز على معادلة حسابية رقمية واحدة واضحة، لا لبس فيها ولا مجال للاجتهاد حولها، وهي المعادلة التي كرستها المادة 24 من الدستور، حول "التساوي بين المسيحيين والمسلمين"، تساويا فعليا حقيقيا بين جماعتين كاملتين، لا بين 64 شخصاً من كل منهما في مجلس نيابي، ولا بين مجموعة من أشخاصهما في مجلس وزراء تتمثل فيه الطوائف "بصورة عادلة"، وفقا للمادة 95 من الدستور. ان هذا التساوي لا يتأمن، بحسب وثيقة الوفاق الوطني، إلا بإقرار قانون انتخاب "يراعي القواعد التي تضمن العيش المشترك بين اللبنانيين وتؤمن صحة التمثيل السياسي لشتى فئات الشعب واجياله وفعالية ذلك التمثيل". هذا هو جوهر وثيقة الوفاق الوطني. فلا شرعية لأي سلطة تناقض التساوي. ولا تساو حقيقياً من دون قانون يؤمن صحة التمثيل وفعاليته، وهو ما أكدته مذكرة بكركي الوطنية بكلام صارخ واضح. ان اغفال هذا الركن من حياتنا معا والاصرار على صوريته واختزاله وتسويق مفهوم خاطىء ومموه له، هو قمّة الانقلاب على وثيقة الوفاق الوطني بحجّة المحافظة عليها والتمسك بها، ما يشكل فعليا اخطر ما يتهدد لبنان في ظل قهر مكوّن وتقهقر وطن.
4-    يتوقف اللقاء بمرارة شديدة، عند قول الرئيس الحريري في خطابه نفسه، أن اقتراح انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب اللبناني، هو من باب "جعل رئاسة الجمهورية رهينة الاقتراع الطائفي والمحميات المذهبية من هنا أو هناك"، وأنه وفق التهويل المتكرر، "مغامرة بصيغة المشاركة الوطنية وقواعد المناصفة". إن اللقاء يرى في هذا الكلام موقفا خطيراً، يربأ بأن يكون مقصوداً، لأنه انقلاب ايضا على جوهر وثيقة الوفاق الوطني، ذلك أنه يترك رئاسة الجمهورية اللبنانية نهباً للصفقات الخارجية والتسويات الفوقية وافرازات اروقة السفارات. ان كلام الرئيس الحريري في هذا السياق يبقي التعطيل قائما على مستوى الآليات اللبنانية الذاتية والحرة لانتخاب رئيس، ويوحي بتهديد المسيحيين بالقول المبطن لهم: لقد وافقنا في اتفاق الطائف على إبقاء رئاسة الجمهورية لكم، شرط أن نحدد  لكم نحن من يكون الرئيس. وهو المنطق نفسه الذي تصرف به البعض ولا يزال، حيال قانون الانتخاب: أعطيناكم نصف النواب، شرط أن نعيّن لكم ثلثي نصفكم. أما إذا اردتم أن تنتخبوا فعلاً نوابكم، عندها نعيد النظر في المناصفة والشراكة!. اما اقتراح انتخاب رئيس الجمهورية من الشعب اللبناني، مباشرة وعلى مرحلتين، فهو يسقط تلك المخاطر، ويحسم الاستحقاق الرئاسي في موعده، من دون أي تدخل خارجي أو تلاعب داخلي بمقام الرئاسة وموقعها الميثاقي. 
5-    إن اللقاء كان يتمنى في هذا المجال، أن يسمع من الرئيس الحريري مقاربته لما رفعته بكركي في مذكرتها الوطنية من مطالب ميثاقية. بدءاً "بقانون إنتخابي نيابي جديد (...) يلغي فرض نواب على طوائفهم بقوة تكتلات مذهبية"، إلى "إقرار اللامركزية الإدارية الموسعة وتطبيقها، كونها تؤمن إدارة أفضل للتنوع في الوحدة". مروراً بضرورة "اعتبار محاربة الفساد أولوية مطلقة، لأنه معطل أساسي لقيام الدولة"، وصولاً إلى تعديل "صلاحيات رئيس الجمهورية (...) بغية تحقيق ما يتطلبه الدستور من رئيس الجمهورية كرئيس للدولة".
6-    أخيراً، واستناداً إلى كل ما تقدم، يناشد اللقاء المسيحي رئيس الحكومة الأسبق سعد الدين الحريري، الثبات في جوهر الميثاق والصيغة، كما العودة إلى لبنان، فلا نتغرّب عن أسس وثيقة الوفاق الوطني، ولا نغترب عن أرض الوطن الكليم. إن الظروف الداخلية والخارجية التي نعيش، بما تحمل من أخطار كبرى، تفرض ذلك عليه وعلينا جميعاً، كي ننقذ لبنان، وطناً نهائياً، وطن الشركاء لا الأجراء، وطن سيادة الدولة التامة، وتوازن الجماعات الكامل، وحريات المواطنين الشاملة.  


Thursday, July 17, 2014

تحيَّة إلى الكبير سعيد عقل في ذكرى ميلاده للشاعر جورج جبّور


جورج شكُّور 
تحيَّة إلى الكبير سعيد عقل في ذكرى ميلاده 
لِمَجْدِك قُرْبَ النَّهْرِ شِيدَ لَكَ القَصْرُ
وأَنْتَ مَلِيكُ الشِّعْرِ، تَوَّجَك العَصْرُ
هُنا زَحْلَةُ الأَبْطالِ تَزْهُو بِمَنْ بَنَى
لَها مِنْ قُصُورِ الفِكْرِ ما ابْتَكَرَ الفِكْرُ
نَبَتَّ بِها نَبْتًا كما الأَرْزُ في الذُّرى
وَزَهْرًا فَرِيدَ اللَّوْنِ، طَيَّبَهُ العِطْرُ
بِشَطْرَة شِعْرٍ تَحْبِسُ العُمْرَ، حالِيًا
وَيُغْرِي كَلامُ السِّحْرِ، إنْ صَدَقَ السِّحْرُ

حياتُكَ أَبْهَى ما تُصاغُ قَصِيدةٌ
صَفائِحَ مِنْ تِبْرٍ يُرَصِّعُها الكِبْرُ!
مُهَنْدِسُ نَفْسٍ أَنْتَ في الأُمَّةِ الَّتي
تَماهَى بِها ما أَنْتَ تُبْدِعُ والدَّهْرُ
تَصَبَّاكَ لُبْنانُ العَظيمُ حَضارَةً
تُراثًا على صَدْرِ الزَّمانِ لَهُ حَفْرُ!
فَغَنَّيْتَهُ أَمْسًا بَهِيًّا، وحاضِرًا
رِسالةَ حُبٍّ يُسْتطابُ بِها الحِبْرُ
وَشِئتَ لَهُ ما شاءَ رَبُّكَ في غَدٍ
تَبادُعَ أَبناءٍ، بَدائعُهُمْ كُثْرُ
وَقُلْتَ لهُ: شَأ تَبْنِ دُنْيا، وإنْ تَشأْ
تُزَلْزِل بناها. كَمْ يَلِيقُ بكَ الأَمْرُ!

يُها الواسِعُ البَحْرُ الَّذي لا تَحُدُّهُ
حُدُودُ مَكانٍ أو يماثِلُهُ بَحْرُ!
يُخَيَّلُ أَنَّ اللّهَ يَسْكُنُ في فَمٍ
أَواناتِ، يَعْلَولي قَصِيدُكَ والنَّثْرُ
وما هَمَّ أَنْ مُتْنا تَقُولُ ولم نَنَلْ
مُنانا، كَفانا أَنْ مَسِيرَتُنا جِسْرُ
بَلَغْنا عُلانا لا الْتِواءَ، وَلا وَنًى
وَلا هَدْنَ أَغْرانا يَغُرُّ، وَلا غَدْرُ
غَدًا، في خُطانا يُكْمِلُ الخَطَّ نُخْبَةٌ
بَنُونَ، وشَطْرُ الشِّعْرِ يُكْمِلُهُ شَطْرُ
سَعِيدُ، غَدَتْ للشِّعْرِ، بَعْدَك حُرْمةٌ
وهَلْ حُرْمة إلاَّ وَبارَكَها حُرُّ؟
سَمَوْتَ بِشِعْرِ الحُبِّ عَذْبًا زَهَتْ بِهِ
العَذارَى، أَمِيراتٍ، يُتَوِّجُها الطُّهْرُ
وَفي المَسْرَحِ العالي تَمَثَّلْتَ مَغْرِبًا
تُشادُ بهِ مُدْنٌ، وقَبْلاً، هو القَفْرُ
تَبارَكَ قَدْموسٌ على اسْم أروَّةٍ
يُسَمِّي بِلادًا حينَ حالَفَهُ النَّصْرُ
ويَنْشِرُ فِكْرًا، يَوْمَ يَبْذُرُ أَحْرُفًا
هِيَ الغَيْثُ في قُطْرٍ يَعِزُّ بِهِ القَطْرُ!

وَما بَعْلَبَكُّ الشِّعْرِ إلاَّ قصائدٌ
طَلَعْتَ بِها، فَجْرًا، كما طَلَعَ الفَجْرُ
ولُبنانُ إذْ يَحْكِي، فأَنْتَ الَّذي حَكَى
وَلُبْنانُ قَلْبُ اللّهِ ذاكَ هُوَ السِّرُّ
تُنافِسُ فِيكَ النَّفْسُ ذاتًا عَلِيَّةً
فتَعْلُو على ذاتٍ، ويَسْمُو بِك العُمْرُ
وتَكْتُبُ شِعْرًا عَنْ سِواكَ مُكَوْكِبًا
أَمامَكَ مِرآةٌ، وثَغْرُكَ يَفْتَرُّ ...
فيا زَحْلَ، يا حُلْمَ الزَّمانِ، تَحيَّةً
تَسامَى لدَيْكِ العَرْشُ، وانْتَسَبَ الشِّعْرُ
هُنا الهادِرُ البِرْدَونُ يَدْفُقُ، عارِمًا
هُنا نَهْرُ أَشْعارٍ يُحاوِرُهُ نَهْرُ!....

Monday, July 14, 2014

"داعش" وأخواتها: مخاطر التجاهل والتبرير بقلم : ميشال ابي نجم

"داعش" وأخواتها: مخاطر التجاهل والتبرير

ميشال أبو نجم

تشكِّل الظاهرة التكفيرية أخطر تحدٍ للنسيج الإجتماعي المتنوع في المشرق العربي وجميع مكوناته الأصيلة والحضارية، بما تمثله من رفض للتنوع الثقافي والديني وللآخر المختلف، دينياً كان أم مذهبياً أم قومياً. وهي بذلك لا تستهدف المسيحيين فحسب وإن كانوا من أوّل ضحاياها وطليعة استهدافاتها خاصة في العراق وسوريا، بل تطال بمخاطرها وإرهابها كل المختلفين عنها ولو كانوا من الدين الإسلامي أو من أهل السنة والجماعة.
إنَّ خطورة هذه الظاهرة لا ترتبط بعملياتها الإجرامية واستهدافاتها الأمنية فحسب، بل بكونها تعكس الردود العنيفة والمضطربة لأزمة الهوية التي تعصفُ بمجتمعات المنطقة وصدامها مع الحداثة، منذ حملة نابوليون وحتى اليوم. وهي بهذا المعنى ليست نتاج أحداث الساعة، وليست نتيجة لدخول حزب الله لسوريا مثلاً كما يتوهم أو يبرر البعض، بل تشكل امتداداً لمسار اجتماعي تاريخي من التشدد والتفسير الديني وانتشار عقائد وأفكار نشأت في القرن الثامن عشر وفي طليعتها "الوهابية" وصولاً إلى "الإخوان المسلمين" وأفكار "سيد قطب" المتشددة قبل إعدامه، وهذه التوجهات لا تنتمي إلى بلاد المشرق الحضارية التي عُرفت بالتسامح الديني والإخاء والوسطية. وقد تصاعدت حدة ظاهرة التكفير والتشدد مع تسارع وتيرة الإصطدام بواقع تقدم وتطور الدول الغربية، والمنعطفات التي مرت بها المنطقة وخاصة في الصراع العربي الإسرائيلي والهيمنة الإستعمارية على الشرق الأوسط.

الخطورة البالغة في التعاطي مع هذه الظاهرة وخاصة على المسيحيين المشرقيين، واللبنانيين منهم، تتمثل في سلوكين:
1-  تجاهل مخاطر هذه الحركات وفكرها التكفيري ورموزه وإحالته إلى أوضاع سياسية وآنية، ومن ثم التعامي عن عملياتها واستهدافاتها الإقصائية أو للأسف تبريرها والتخفيف منها.
2-  نتيجة لجهل فكر هذه الحركات وبنيته المنهجية والعقائدية، ينبثق سلوك "يجرّم" المسيحيين المشرقيين للمواقف والسلوكيات التي اعتمدوها في بلدانهم وفي شكل خاص في الصراع في سوريا، وتحميلهم وزر نشوء واستمرار الأنظمة الديكتاتورية العربية، وفشل تحقيق الديموقراطية والتنمية. وهذا المنطق هو أخطر ما يواجه البيئة المسيحية المشرقية نظراً للغطاء السياسي الذي يشكله للحالة التكفيرية وعملياتها ونشاطها، وتحويل الأنظار عن الخطر الأكبر على وجودهم الجسدي وعلى دورهم الحضاري الفاعل في المجتمعات المشرقية. ولنا في الأوضاع في العراق وسوريا ومصر أمثلة كثيرة على هذا المنحى.
وانطلاقاً مما تمثِّله الحالة التكفيرية على كامل النسيج الإجتماعي في المشرق، ومن تشويه للدين الإسلامي ولصورة أتباعه في شكل خاص، فإننا نرى أن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن إلا أن تكون مشتركة مسيحية إسلامية، ومبنية على قاعدة التلاقي على القيم المشتركة والمساواة التامة في المواطنية واحترام الآخر المختلف والتنوع من ضمن وحدة المجتمع.
إن التلاقي مع المرجعيات والإتجاهات المتنورة والتجديدية في الفكر الإسلامي، والتي يرتفع صوتها على الرغم من كل ضجيج التشدد الذي يعصف بالعالم العربي والإسلامي، ومع الشرائح المدنية الواعدة التي برزت طلائعها خاصة من شوارع المدن المصرية، هو واجب ومسؤولية على المسيحيين المشرقيين، ويشكل إحدى السبل الكفيلة بقطع الطرف على أهداف التكفيريين والمتشددين، وتقديم نموذج حضاري مغاير للحال الإقصائية التي يمثلونها.



Tuesday, July 8, 2014

تجاوزت السعودية وباتت أكبر منتج عالميًا تأثيرات تنامي إنتاج أميركا من النفط الصخري على الشرق

تجاوزت السعودية وباتت أكبر منتج عالميًا
تأثيرات تنامي إنتاج أميركا من النفط الصخري على الشرق
·          
بينما احتفلت الولايات المتحدة بعطلة يوم الاستقلال الخاص بها في الـ 4 من الشهر الجاري من خلال إطلاق الألعاب النارية والاحتفالات، أفادت وكالة بلومبيرغ الإخبارية بأن أميركا تجاوزت السعودية وباتت أكبر منتج للنفط في العالم.

لكن العاملين في مجال النفط في أميركا لم يكن لديهم وقت للاحتفال، فقد كانوا مشغولين للغاية بضخ كميات أكبر من النفط والغاز مقارنةً بأي وقت آخر في تاريخ الولايات المتحدة.
ثورة مبهرة
ونجحت ثورة الصخر الزيتي في أميركا في تحويل مزيج الطاقة العالمي، حيث باتت الولايات المتحدة أقل اعتمادًا على النفط الأجنبي. وفي تقرير حديث صادر من بنك أوف أميركا، قال معدوه إنه طوال الأعوام الخمسة الماضية، أحدثت رقعة النفط الأميركية ثورة في مجال الطاقة تسببت في إثارة انبهار العالم، في وقت شعرت فيه واشنطن بارتعاد ووول ستريت بحالة من القلق ودفعت المتشائمين إلى الإعلان عن تراجع أميركا.
أضاف تقرير بنك أوف أميركا أنه في أقل من عامين، زاد إنتاج أميركا من النفط بحوالى 2.2 مليون برميل يوميًا، أي أكثر من ثلث الإنتاج، وأكبر من كامل إنتاج البرازيل.
وبحسب الاتجاهات الحالية، فمن المتوقع أن يتجاوز إنتاج النفط الأميركي 9 مليون برميل يوميًا في 2014/2015 وأن يصل إلى 10 مليون برميل يوميًا في عام 2016.
واشتمل الرقم الذي استخدم في اعتبار الولايات المتحدة المنتج رقم واحد، متجاوزةً المملكة العربية السعودية، على السوائل النفطية المرتبطة. وبينما تحتدم المنافسة بين أميركا والسعودية في مجال النفط، فإن الولايات المتحدة تعتبر المنتج المهيمن للغاز الطبيعي.
لدغة طفرة
وكما لفت تقرير بنك أوف أميركا، فإن الولايات المتحدة هي أكبر منتج للغاز الطبيعي في العالم، حيث سبق لها أن أنتجت حوالى خمس الإنتاج العالمي عام 2013، وجاءت روسيا في المركز الثاني (بنسبة قدرها 17.8 %).. فيما تبيّن أن الولايات المتحدة وحدها أنتجت كمية إضافية نسبتها 21 % من الغاز الطبيعي أكثر من كامل منطقة الشرق الأوسط في العام الماضي، وبما يعادل تقريبًا إنتاج آسيا وأفريقيا.
إذن، ما الذي يعنيه هذا كله بالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط؟، فهل سيشعر منتجو النفط والغاز في الشرق الأوسط بلدغة الطفرة التي تعيشها الولايات المتحدة في الوقت الحالي؟.
وهنا، أوضح فاتح بيرول، كبير الاقتصاديين في وكالة الطاقة الدولية، أن خط التفكير هذا يفتقد الأثر. وقال في مؤتمر عن الطاقة جرى تنظيمه أخيرًا في سنغافورة: "إن قال بعض الناس إنه ونتيجة لنمو النفط الأميركي فلن نكون بحاجة إلى أي نفط إضافي من منطقة الشرق الأوسط، غير أنني لا أرى ذلك أمرًا صحيحًا". 
وأشار إلى أن حجم موارد النفط غير التقليدية في الولايات المتحدة تقل بكثير عن منطقة الشرق الأوسط، موضحًا كذلك أن النفط الأميركي أكثر غلوًا من نفط الشرق الأوسط.
رواية خطيرة
وتابع بقوله: "ومن ثم فإن النظر إلى ذلك، إلى جانب نمو الطلب على النفط، من قبل آسيا في الأساس، يخبرني بأن الشرق الأوسط ما يزال وسيظل في قلب صناعة النفط العالمية على مدار سنوات عدة مقبلة".
وفي مؤتمر للطاقة جرى أخيرًا في هيوستن، أوضح بيرول أن الرواية التي تتحدث عن أن الولايات المتحدة سوف تتفوق على الشرق الأوسط ليست خاطئة فحسب، وإنما خطيرة كذلك. وأكمل حديثه بالقول: "هذه مشكلة لأن ذلك إن تسبب في عرقلة الاستثمارات في بلدان الشرق الأوسط للبحث عن حقول نفط جديدة، وأنا أرى بالفعل بعض الإشارات في بعض الدول التي تُرجَأ بها القرارات الاستثمارية، فربما سنكون على موعد مع صعوبات خلال السنوات القليلة المقبلة عندما نحتاج أن يأتي النمو من بلدان الشرق الأوسط".
وأضاف بيرول: "هناك قاعدة موارد رئيسة واحدة في العالم، وهو ما قد يلبي النمو في الطلب العالمي على النفط، وهي منطقة الشرق الأوسط. فبدون الشرق الأوسط، لن نتمكن من تلبية النمو، خاصة في آسيا".
وساهم الإنتاج المتزايد للنفط الأميركي في الحد من ارتفاع الأسعار، وفقًا لمعظم المحللين. فعادة تتسبب الاضطرابات الجيوسياسية كتلك التي نشاهدها في كل من العراق، ليبيا ونيجيريا واستبعاد إيران من الأسواق النفطية في ارتفاع أسعار النفط، لكن النفط الأميركي عمل على تلطيف الزيادة. وهو ما يفيد الكثير من الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، التي تواجه بالفعل عبئًا ثقيلًا من ارتفاع أسعار النفط.
كبح جماح
وقال جيمس كلاد وهو نائب مساعد وزير الدفاع الأميركي سابقًا ويعمل حاليًا كمستشار متخصص في شؤون الطاقة الدولية: "مع تعرض أسعار النفط العالمية مرة أخرى لارتفاع متواضع، فقد لعب الإنتاج الأميركي والكندي دورًا محوريًا في كبح جماح الأسعار المرتفعة".
وأضاف كلاد في مقال نشر له أخيرًا في مطبوعة ذا هيل الأميركية: "الإنتاج الأميركي الجديد للنفط الخام من الصخر الزيتي، الذي يتجه صوب 3 مليون برميل يوميًا، حلَّ محل جزء كبير مما فُقِد في السوق العالمية".
وإلى حد ما، غطت فكرة ما هي الدولة رقم واحد على حقيقة أن العالم بحاجة إلى هيدروكربونات – غاز ونفط – في المستقبل البعيد، ومن ثم فإن المملكة العربية السعودية وغيرها من البلدان المنتجة للنفط ستظل تلعب دوراً حيوياً بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي.
وماذا عن منتجي الغاز الطبيعي مثل قطر؟ - ينطبق الأمر نفسه. فتوقعات الطلب على الغاز الطبيعي كبيرة للغاية لدرجة أن العالم بمقدوره استيعاب صادرات الغاز الأميركية، التي لا تزال بعيدة المنال.
وتشكل بكل تأكيد الزيادة الكبيرة التي طرأت على أسواق الغاز والنفط بفضل مساهمات أميركا حالة دينامية جديدة في أسواق الطاقة العالمية، لكن تلك الأسواق ليست لعبة محصلتها صفر. ويؤكد معظم المحللين أن هناك طلباً كافيًا في شتى أنحاء العالم. ونتيجة لذلك، سيواصل منتجو النفط والغاز في الشرق الأوسط معرفة أن منتجاتهم مطلوبة بشدة.