Monday, April 15, 2013

«حرب السنتين» في الأرشيف الفرنسي(3/3هكذا غطى الأميركيون التدخل العسكري السوري في لبنان


13 نيسان ذكرى حرب ثقبت الذاكرة
«حرب السنتين» في الأرشيف الفرنسي(3/3هكذا غطى الأميركيون التدخل العسكري السوري في لبنان

رفض حافظ الأسد تدويل الأزمة اللبنانية
لم يكن كيسينجر يريد أن تحقق سوريا سيطرة كاملة على لبنان
نبيل الياس الخوري

لم تنجح كل محاولات إخماد حريق طوافة الحرب اللبنانية المشتعلة. في أواسط آذار 1976، وصلت هذه الطوافة إلى منطقة الفنادق، ثم حلقت فوق الجبل، فاحترقت بيروت واشتعل الجبل، وأوشك التحالف الفلسطيني اللبناني أن يحسم الصراع مع خصومه. سارعت واشنطن إلى إرسال المبعـــوث دين براون، في حين أرسلت باريس جورج غورس.
رأينا في الحلقتين الأولى (السبت) والثانية (الاثنين) أن باريس وضعت تصوراً لحل أمني دولي من أجل وقف الصراع، لكنها لم تصرّح عنه خلال مهمة موريس كوف دو مورفيل السابقة. ورأينا أن واشنطن كانت دعت دمشق إلى تنفيذ «حل متوازن»، من خلال «جيش التحرير الفلسطيني»، ودعمت الحل السياسي السوري، أي «الوثيقة الدستورية» التي سرعان ما سقطت.
تأزم الوضع الآن. وجّه السوريون رسائل إلى باريس وواشنطن، مطالبين بضمانات حول عدم حصول ردة فعل إسرائيلية إذا أقدمت سوريا على التدخل العسكري في لبنان... رعى الأميركيون ولادة «اتفاق الخطوط الحمر»، ثم أوفدوا براون ليشرف على تنفيذه...
فيما كان المبعوث الأميركي يواصل جولاته ومهماته، فاجأ المبعوث الفرنسي العالم بإعلانه عن الجانب الأمني للمبادرة الفرنسية. فماذا جرى؟ ولماذا انتظرت فرنسا كل هذه الأشهر لكي تصرح علناً عن الوجه الأمني لمبادرتها؟

«
كونسورتيوم» بروان:
اقتصادي وعسكري

يكشف روبيرت ويلسون ستوكي (Robert Wilson Stookey) في مساهمته في كتاب Lebanon in crisis: participants and issues، أن براون اقترح تشكيل «كونسورتيوم دولي» للمساعدة على إعادة إعمار لبنان بعد استعادة السلم الداخلي.
يشير الأرشيف الفرنسي إلى أن براون كشف لغورس (في 11 نيسان 1976) عن وجود مشروع أميركي حول إنشاء الكونسورتيوم، مضيفاً أن المشروع قد يتضمن «جانباً عسكرياً»، من دون الإفصاح عن المزيد من التفاصيل أمام المبعوث الفرنسي.
بعد إصرار وزارة الخارجية الفرنسية على معرفة النوايا الأميركية في هذا الشأن، تم الحصول على معلومات تشير إلى أن براون طرح أمام المسؤولين الذين أجرى محادثات معهم، فكرة الكونسورتيوم الدولي، على شكل إطار تعاون بين دول عربية وغربية، كما ورد في أحد التقارير الفرنسية، الذي ينقل عن الرئيس سليمان فرنجية قوله إن «بإمكان هذا الكونسورتيوم أن يتضمن، كذلك، إقامة نظام أمني، يمكن أن تشارك فيه الولايات المتحدة، دول أوروبية، سوريا، الأردن والسعودية».
تثير هذه المعلومات تساؤلين:
1-
هل يتعلق الأمر بمناورة أميركية تهدف إلى محاولة إيجاد إطار ما لعملية تدخل غربي عربي عسكري مشترك في لبنان ابان «حرب السنتين»؟
التصريحات العلنية الأميركية اللاحقة، وبعض المداولات الدبلوماسية السرية لا تتضمن أية إشارة في هذا الاتجاه. لكن المواقف التي أطلقها الاتحاد السوفياتي في ربيع 1976، محذراً من مغبة أي تدخل غربي، تغذي استنتاجا كهذا، خصوصاً وأن البوارج الحربية الأميركية والسوفياتية ازدحمت بكثافة في شرق البحر المتوسط في تلك الآونة... بيد أن تسلسل الأحداث، لاحقاً، يشير إلى أن واشنطن حصرت اهتمامها بتغطية التدخل العسكري السوري دون سواه.
2-
ألا يشبه هذا الطرح الأميركي مضمون المبادرة الفرنسية (التي وردت في الحلقة الأولى)؟ الخارجية الفرنسية كانت بحثت بتشكيل صندوق دولي من أجل المساعدة على إعادة الإعمار. فهل يتعلق الأمر بتقاطع فرنسي أميركي عفوي؟
الأرشيف الفرنسي يكشف أيضاً أن أحد معاوني الرئيس فرنجية، لوسيان دحداح، هو من اقترح، بين كانون الثاني وشباط 1976، فكرة إنشاء كونسورتيوم دولي لمساعدة لبنان وتنسيق عملية إعادة الإعمار، داعياً فرنسا إلى ترؤس الكونسورتيوم.

تكتم أميركي وانزعاج فرنسي

التصرف الأميركي في بيروت لم يطمئن باريس. هي لم تنزعج من مضمون مشروع براون، ذلك أنه يتقاطع مع مشروعها إن لم يكن نسخة طبق الأصل عنه، لكنها استاءت من التكتم الذي مارسه الأميركيون تجاهها. لم يكن الأمر يتعلق فقط بتكتم أميركي، بل بحذر تجاه الكي دورسيه والسياسة الديغولية التي تتمسك بها الدبلوماسية الفرنسية. هذا ما تكشفه وثائق أرشيف الخارجية الأميركية (على موقعها الالكتروني).
ردت باريس على التكتم الأميركي بإطلاق تصريح علني مفاجئ. فقد سارع غورس إلى الإعلان، في 15 نيسان، عن استعداد بلاده للمشاركة في نظام للمراقبة الأمنية، في حال كانت هناك إمكانية لإقامة نظام كهذا.
يستند الباحثون إلى هذا التصريح في تحليلهم للدور الفرنسي في لبنان في ربيع 1976. كما أن السياق الذي ورد فيه، يسمح بالاستنتاج بأن المبادرة الفرنسية هي مبادرة أميركية أو أميركية فرنسية. لكن الوثائق التي تم الاطلاع عليها في الأرشيف الدبلوماسي، تفيد بأن فرنسا كانت سبّاقة في طرح هذا التوجه، وكانت تبلغ جميع المعنيين أن مبادرتها تتعلق بـ «نظام (أمني) مصغّر» يتضمن «فريق مراقبين من مختلف البلدان»، يتولى مهمة الفصل بين المتحاربين والإشراف على تنفيذ اتفاق إطلاق النار. كذلك، أبدت باريس انفتاحها على المشروع الأميركي إذا كان يتضمن أي جديد، لكنها كانت تشكو، باستمرار، من عدم تزويدها بالإيضاحات الكافية في شأنه من جانب الأميركيين.
يتبين لاحقاً أن سبب هذا التكتم الأميركي مع الفرنسيين يكمن في أن مهمة براون سعت، في المحصلة، إلى رعاية اتفاق الخطوط الحمر بين سوريا وإسرائيل، والتمهيد للتدخل العسكري السوري، وانتخاب الياس سركيس رئيساً للجمهورية. فهل كان الفرنسيون يجهلون كل هذه الأمور؟
الوثائق الديبلوماسية الفرنسية التي تم كشفها في أرشيف الكي دورسيه، تسمح بالاستنتاج بأن الديبلوماسيين الفرنسيين لم يكونوا على دراية كافية بحقيقة أهداف واشنطن وخطواتها آنذاك. على أية حال، ثبت أن براون قام بتضليل كمال جنبلاط حين أوهمه أن واشنطن لا توافق على تدخل قوي لسوريا، وحاول، بتعليمات من هنري كيسينجر، إحداث شرخ بين «منظمة التحرير» وجنبلاط (الحركة الوطنية). ثبت أيضاً أن براون كان ميّالاً، منذ البداية، إلى دعم عملية التدخل العسكري السوري، وكان يتذمر من تردد إدارته، التي لم تسمح إلا بتدخل جزئي اعتباراً من 11 نيسان 1976، قبل أن توافق لاحقاً وبشكل ضمني على تدخل ضخم اعتباراً من مطلع حزيران 1976.

باريس تدرس جميع الاحتمالات

في ضوء التصعيد العسكري في لبنان، قامت فرنسا منذ 15 نيسان، أي قبل بدء ردود الفعل الأميركية والعربية والفلسطينية واللبنانية على تصريحات غورس (...) بربط مشاركتها بنظام أمني للفصل بين المتنازعين، بتوافر شرطين أساسيين: الأول، يتعلق بموافقة جميع الأطراف، خصوصاً جنبلاط وعرفات. الثاني، يتمثل في الحصول على ضمانات بأن مهمة هذا النظام الأمني تقتصر على مراقبة اتفاق وقف إطلاق النار وتعزيزه، وليس فرضه بالقوة. بمعنى آخر، كانت باريس تعارض تدخلاً خارجياً يهدف إلى فرض الحل بالقوة.
بعد تحديد الشروط، بدأت فرنسا تجري حسابات سياسية دقيقة لاحتمال مشاركتها. تبيّن لها، بحسب إحدى برقيات الخارجية الفرنسية، أنه من المفضل مشاركة عدد واسع من الدول في هذا الحل الأمني التوافقي وعدم اقتصار المشاركة على الفرنسيين والسوريين فقط، كي لا يقوم البعض، في الساحة العربية والدولية، بتأويل المشاركة العسكرية الفرنسية وكأنها تشكل ضمانة فرنسية للتدخل السوري، خصوصاً وأن الديبلوماسية الفرنسية بدأت ترصد عجز الوساطة السورية عن البدء في تنفيذ الحل السياسي المطلوب. فضلاً عن ذلك، تخشى فرنسا أن يؤدي الفشل المحتمل لهذا الحل إلى مضاعفات سلبية على موقع فرنسا في لبنان والشرق الأوسط.
لكن حسابات فرنسا أظهرت، في المقابل، أن من شأن مشاركتها أن توفّر فرصة للأطراف اللبنانية والفلسطينية والعربية التي ترفض التدخل الحصري والثقيل جداً للقوات السورية. يمكن للوجود الفرنسي أن يبدد التحفظات المصرية، وأن يشكل «ضمانة جدية» لـ«منظمة التحرير الفلسطينية»، لأنها ستساهم في خلق توازن مع النفوذ السوري، خصوصاً وأن باريس أرادت إقناع «منظمة التحرير» بأن «النوايا (الفرنسية) العميقة» لا يمكن أن تكون موضع «شبهات».
بعد يوم على تصريحه الشهير، أوصى المبعوث الفرنسي بضرورة ألا تأتي المشاركة الفرنسية إلا بعد التدخل السوري، وأن تهدف إلى وضع حدود زمنية لعملية التدخل السوري وإلى الحد من نطاقها، إضافة إلى ضرورة أن تعطي للبنانيين ضمانة حول حسن غايات فرنسا.
وفيما واجهت المبادرة الفرنسية رفضاً محلياً وإقليمياً شاملاً، نقلت الصحف الفرنسية في 22 و23 نيسان معلومات تؤكد عدم تأييد الولايات المتحدة لها، وتصريحاً مقتضباً لبراون يتسم بالسلبية المطلقة حيالها. كذلك، دلت المواقف الرسمية الأميركية على غياب الوضوح في شأن سبل وقف إطلاق النار في لبنان وسبل مراقبته. لكن في 23 نيسان، صرح كيسنجر للمرة الأولى بأن هناك ضرورة لإنشاء قوة أمنية من أجل وضعها في تصرف الحكومة اللبنانية، على أن توكل إليها مهمة الفصل بين المتحاربين. إلا أن وزير الخارجية الأميركي عاد وأكد على وجوب أن تتألف هذه القوة بكاملها من عناصر لبنانية، مضيفا أن هناك إمكانية في أن تضم هذه القوة عناصر منتمية إلى المجموعات المتحاربة بعد أن تعطي الأطراف كافة موافقتها على تشكيلها.

باريس وتناقض الموقف الأميركي

هذا الموقف الأميركي العلني يتناقض مع مضمون مباحثات جرت بين ديبلوماسيين فرنسيين وبريطانيين في واشنطن. أراد الفرنسيون، في 30 نيسان، أن يطلعوا على حقيقة النوايا الأميركية ومعرفة ما إذا كانت واشنطن ما تزال منفتحة على مشاركة أطراف خارجية في القوة الأمنية. أبلغهم الديبلوماسيون البريطانيون في سفارة لندن في واشنطن، أن وزارة الخارجية الأميركية تعتبر أن السعودية وتونس هما البلدان العربيان الوحيدان اللذان بإمكانهما أن يرسلا قواتهما، دون أية مشكلة سياسية، للمشاركة في هذه القوة إضافة إلى الوحدات العسكرية اللبنانية. في ما يتعلق بالدول الغربية، أفاد البريطانيون أن واشنطن تنظر، بشكل لا بأس فيه، إلى مشاركة فرنسية، وتستبعد فكرة مشاركة أطراف غربية أخرى.
لم تأخذ باريس أي حق أو باطل جرّاء هذا الكلام المنقول عن الأميركيين. وازداد الغموض عندما سمع الديبلوماسيون الفرنسيون كلاماً جديداً نقله إليهم أيضا ديبلوماسيون بريطانيون في لندن في 14 أيار 1976، مفاده أن الولايات المتحدة تتطلع إلى إعادة تشكيل قوات أمن، مكونة بشكل أساسي من اللبنانيين، وتهدف إلى المساعدة على إعادة بناء الجيش اللبناني. لكن البريطانيين أحاطوا الفرنسيين علماً بأن وزارة الخارجية الأميركية باتت تهتم بشكل أساسي في فكرة تشكيل الكونسورتيوم الدولي من أجل المساعدة الاقتصادية على إعادة إعمار لبنان، أكثر من اهتمامها في جانبه الأمني. بادرت واشنطن، لهذه الغاية، إلى الإعلان في مطلع أيار عن تقديم 20 مليون دولار في إطار خطة للمساعدة على إعادة إعمار لبنان.
سبب هذا الغموض يتمثل في أن قناعة واشنطن رست على ضرورة ترك الجيش السوري يتولى وحده عملية التدخل الخارجي، دون مساهمة أي طرف آخر. هنا وصلت واشنطن وباريس على مفترق طرق. ذلك أن تصريحات المسؤولين الفرنسيين (الرئيس جيسكار ديستان خلال وجوده في الولايات المتحدة في 20 أيار، وسوفانيارغ في 24 أيار) لم تتوقف عن إبداء استعداد باريس لإرسال قوات في إطار «قبعات زرق» للمساهمة في مراقبة وقف إطلاق النار، إذا طلبت الحكومة اللبنانية رسمياً ذلك، وإذا وافقت جميع الأطراف على هذا الأمر.
في المقابل، رفض كيسنجر مسعى باريس بأسلوب ديبلوماسي لبق. قال إن واشنطن لن تعارض التحرك الفرنسي إذا حظي بموافقة جميع الأطراف. كان هذا الشرط أكثر من مستحيل في ظروف تعج بالتناقضات الدولية والإقليمية والمحلية. لكن هذا الأمر لم يمنع سوفانيارغ من القول (في نهاية أيار) إن فرنسا «وقعت في فخ نصبه الأميركيون في هذه المسألة».
في المحصلة، كانت واشنطن تترقب بإيجابية عملية التدخل السوري وكانت مدركة أن هذا التدخل لن يكون فاعلاً ما لم يكن كبيراً وقوياً. في المقابل، كانت باريس تتفرج عاجزة عن فرض مبادرتها التي أرادت إدراجها في إطار الأمم المتحدة، أو على الأقل تنفيذها في ظل موافقة المنظمة الدولية.

تبرير التدخل السوري بعد حصره

مع بداية التدخل السوري الهائل في مطلع حزيران 1976، حرصت واشنطن على ضرورة التزام دمشق بما نص عليه اتفاق الخطوط الحمر، منعاً لإثارة ردة فعل إسرائيلية. عندما اضطرت القوات السورية الى استخدام أسلحة ثقيلة لكي تتمكن من حسم المعارك مع القوى الفلسطينية اللبنانية التي قاومت بشكل فاجأت فيه الجيش السوري، أعربت واشنطن عن قلقها، لكنها ظلت مقتنعة بأن دمشق تتصرف بمسؤولية، أي أن تدخلها لن يتجاوز اتفاق الخطوط الحمر.
التأييد الضمني للتدخل السوري ترافق مع قلق أميركي على مصير نظام حافظ الأسد بعد العملية العسكرية التي شنها ضد الفلسطينيين وحلفائهم في «الحركة الوطنية». الحديث عن هذا القلق الأميركي ورد في صحيفة «لوموند» (18 حزيران 1976)، وفي محضر اجتماع بين الرئيس الفرنسي جيسكار ديستان ووزير الخارجية الأميركي كيسنجر (21 حزيران ـ باريس). خشي كيسنجير أن يحصل انقلاب ضد الأسد، يقوم به «المتطرفون العرب»، خصوصاً وأن كيسنجر كان يرى أن «الأسد قد يواجه صعوبة في إقناع الرأي العام السوري في عملية عسكرية موجهة ضد الفلسطينيين وحلفائهم اللبنانيين، وهادفة لحماية المسيحيين».
لذلك، يكشف كيسنجر أن الخوف من تغيير النظام في سوريا عقب التدخل العسكري، دفع مهندس السياسة الخارجية الأميركية إلى الاتفاق مع الأسد على حصر العملية العسكرية ضمن نطاق جغرافي محدد، يحول من جهة دون استفزاز إسرائيل، ويبقي من جهة ثانية، على مناطق واسعة تحت سيطرة «حزب الكتائب» وحلفائه، أي المناطق المسيحية.
لم يكن كيسنجر يريد أن تحقق سوريا سيطرة كاملة على لبنان. تغيير النظام السوري ووصول حاكم جديد أكثر «تطرفاً» من الأسد، سيؤدي إلى تحقيق نتائج عكسية. سيعيد عقارب الساعة إلى الوراء. سيتحول لبنان عندئذ إلى منطقة نفوذ لسوريا الحليفة للفلسطينيين والداعمة لـ«الحركة الوطنية»، وذلك على حساب القوى المسيحية. لا يهدد هذا الأمر المصالح الأميركية في لبنان فحسب، بل سيؤدي حتماً إلى تدخل إسرائيلي مباشر وبالتالي إلى حرب إقليمية، تبذل واشنطن كل ما بوسعها لتجنبها ولتجنب انهيار عملية السلام المصرية الإسرائيلية معها. في مذكراته، لا يشير كيسنجر إلى هذه المعلومات، لكنه يعترف أنه كان لا يريد سيطرة سورية كاملة على لبنان، الأمر الذي دفعه إلى عدم منع إسرائيل من تسليح القوى المسيحية، لأنه كان يدرك مسبقاً أن عزم الرئيس المصري أنور السادات على توقيع اتفاقية سلام منفردة مع إسرائيل سيؤدي إلى نهاية التحالف «المؤقت» السوري الأميركي في لبنان. سيعود الأسد للتحالف مع «منظمة التحرير» و«الحركة الوطنية». وستغدو منطقة النفوذ الكتائبي المسيحي معقلاً مناوئاً للهيمنة السورية. وهو ما بدأ يتكرّس فعلياً اعتباراً من العام 1978.

باريس لا تتنازل
وواشنطن لا تتراجع

أما باريس فراحت تدرك تدريجياً أن فرص إرسالها قواتها إلى لبنان باتت شبه معدومة، لكنها لم تتنازل. جيسكار ديستان عاد وكرر العرض الفرنسي خلال اجتماعه في 21 حزيران بكيسنجر، الذي كرر رفضه بلباقة وبشكل ضمني. في الواقع، أراد الرئيس الفرنسي، بعد أيام على زيارة الرئيس الأسد إلى باريس، وبعد ثلاثة أسابيع على بدء التدخل السوري، أن يقول أن بلاده مازالت لا تؤيد حصول عملية تدخل عسكري قبل توصل الأطراف المتحاربة إلى اتفاق وقف إطلاق النار. هذا يعني رفضا ضمنياً للحل السوري الذي انتهى بمواجهات عنيفة مع الفلسطينيين وحلفائهم اللبنانيين. كذلك، حرصت باريس على توجيه رسالة بأنها تعارض أي مشروع يهدف إلى فرض هيمنة سورية على لبنان، وترفض أي محاولة لتعليق السيادة اللبنانية.
خلال زيارة قام بها إلى باريس في 17 حزيران، لم يسمع الأسد كلاماً واضحاً من الفرنسيين حول تأييدهم المطلق لتحركه على الجبهة اللبنانية. بالطبع، لم تصدر أية إدانة فرنسية، ولم يصدر أي اعتراض ولو حتى خفيفاً. لكن حاولت الديبلوماسية الفرنسية بدهاء أن تدعو إلى الإسراع في عقد مؤتمر مصالحة وطنية بين اللبنانيين، وأعربت عن استعدادها لرعاية طاولة حوار وطني لبناني. وهو ما اعترض عليه حافظ الأسد بطريقة ضمنية، تحت ذريعة رفض تدويل الازمة اللبنانية وحصر الحل في الإطار العربي. بمعنى آخر، كانت باريس مستعجلة لدفع اللبنانيين إلى التوافق وعدم العودة إلى الاقتتال، وكانت تريد أن تستدرج سوريا إلى تحديد جدول زمني لموعد انسحابها من لبنان بعد إعادة بسط الأمن والاستقرار وبعد المصالحة الوطنية. لكن الأسد غادر باريس من دون أن يعطي ديستان أي التزام ملموس في شأن الانسحاب...
لم تؤد «حرب السنتين» في لبنان إلى إثارة أزمة حادة في العلاقات بين فرنسا والولايات المتحدة. شكّل ملف لبنان آنذاك محور اهتمامهما المشترك. كانت لديهما خشية من اندلاع حرب إقليمية. أرادا تجنبها. لكنهما افترقا على وسيلة تجنبها. دار كباش غير معلن بين باريس وواشنطن حول كيفية وقف الحرب في لبنان بين عامي 1975 و1976. في السياسة، كانتا متفقتين على أن صيغة النظام السياسي الذي كان قائماً آنذاك لم تعد قابلة للحياة. كانتا تؤيدان الحل السياسي السوري، الذي لم يرض آنذاك لا القوى المسيحية ولا «الحركة الوطنية». لكن فيما كانت باريس تتطلع إلى حل أمني برعاية الأمم المتحدة، يتم تنفيذه في إطار توافقي بعيداً عن أي منحى تصادمي، كانت واشنطن تستبعد كلياً أي دور للمنظمة الدولية، وراحت تشجع حلاً عسكرياً سورياً، تدريجياً، يهدف في نهاية المطاف إلى استخدام القوة لوقف الحرب، وهو ما رأت فيه باريس أنه لن يوقف الحرب. وحين طرحت واشنطن أفكاراً مطابقة لما ورد في أدبيات الديبلوماسية الفرنسية في هذا الشأن، لم يكن طرحها جدياً، ولم تتعاون مع فرنسا من أجل وضعه موضع تطبيق. موقف واشنطن وفّر في الواقع تغطية للتدخل السوري، في حين تشبثت باريس حتى النهاية في مبادرتها السياسية العسكرية ولم تتنازل عنها.


([)
لبناني مقيم في باريس ويعدّ أطروحة دكتوراه في العلوم السياسية في جامعة باريس ــ ديكارت، تحت إشراف مدير «معهد الدراسات الجيوسياسية» الدكتور شارل سان برو.

The Case for Supporting Assad - Daniel Pipes - National Review Online



The Case for Supporting Assad - Daniel Pipes - National Review Online
Analysts agree that “the erosion of the Syrian regime’s capabilities is accelerating,” that it continues to retreat step-by-step, making a rebel breakthrough and an Islamist victory increasingly likely. In response, I am changing my policy recommendation from neutrality to something that causes me, as a humanitarian and decades-long foe of the Assad dynasty, to pause before writing: Western governments should support the malign dictatorship of Bashar Assad.
Advertisement

Here is my logic for this reluctant suggestion: Evil forces pose less danger to us when they make war on each other. This (1) keeps them focused locally and (2) prevents either one from emerging victorious (and thereby posing a yet-greater danger). Western powers should guide enemies to stalemate by helping whichever side is losing, so as to prolong the conflict.
This policy has precedent. Through most of World War II, Nazi Germany was on the offensive against Soviet Russia, and keeping German troops tied down on the Eastern Front was critical to an Allied victory. Franklin D. Roosevelt therefore helped Joseph Stalin by provisioning his forces and coordinating the war effort with him. This morally repugnant but strategically necessary policy succeeded. And Stalin was a far worse monster than is Assad.
The Iraq–Iran War of 1980–88 created a similar situation. After mid 1982, when Ayatollah Khomeini’s forces went on the offense against those of Saddam Hussein, Western governments began supporting Iraq. Yes, the Iraqi regime had started the hostilities and was more brutal, but the Iranian one was ideologically more dangerous and on the offensive.
The best-case scenario is when the hostilities hobble both sides and prevent either one from merging victorious. In the apocryphal words of Henry Kissinger, “It’s a pity they both can’t lose.” In this spirit, I argued for U.S. help to the losing party, whichever that might be, as in this May 1987 analysis: “In 1980, when Iraq threatened Iran, our interests lay at least partly with Iran. But Iraq has been on the defensive since the summer of 1982, and Washington now belongs firmly on its side. . . . Looking to the future, should Iraq once again take the offensive, an unlikely but not impossible change, the United States should switch again and consider giving assistance to Iran.”
Applying this same logic to Syria today finds notable parallels. Assad fills the role of Saddam Hussein — the brutal Baathist dictator who began the violence. The rebel forces resemble Iran — the initial victim getting stronger over time and posing an increasing Islamist danger. In both cases continued fighting endangers the neighborhood and both sides engage in war crimes and pose a danger to Western interests.
Yes, Assad’s survival benefits Tehran, the region’s most dangerous regime. But a rebel victory would hugely boost the increasingly rogue Turkish government while empowering jihadis and replacing the Assad government with triumphant, inflamed Islamists. Continued fighting does less damage to Western interests than letting the Islamists take power. There are worse prospects than Sunni and Shiite Islamists mixing it up and Hamas jihadis killing Hezbollah jihadis, and vice-versa. Better that neither side wins.
The Obama administration is attempting an overly ambitious and subtle policy of simultaneously helping the good rebels with clandestine lethal arms and $114 million in aid even as it prepares for possible drone strikes on the bad rebels. Nice idea, but manipulating the rebel forces via remote control has little chance of success. Inevitably, aid will end up with the Islamists and air strikes will kill allies. Better to accept one’s limitations and aspire to the feasible: propping up the side in retreat.
At the same time, Westerners must be true to their morals and help bring an end to the warfare against civilians, the millions of innocents gratuitously suffering the horrors of civil war. Western governments should find mechanisms to compel the hostile parties to abide by the rules of war, specifically those that isolate combatants from non-combatants. This could entail pressuring the rebels’ suppliers (Turkey, Saudi Arabia, Qatar) and the Syrian government’s supporters (Russia, China) to condition aid on abiding by the rules of war; it could even involve Western use of force against violators on either side. That would fulfill the responsibility to protect.
On the happy day when Assad and Tehran have fought the rebels and Ankara to mutual exhaustion, Western support then can go to non-Baathist and non-Islamist elements in Syria, helping them offer a moderate alternative to today’s wretched choices and lead to a better future.
Daniel Pipes is president of the Middle East Forum. © 2013 by Daniel Pipes. All rights reserved.

Saturday, April 13, 2013

The Islamic Emirate of Syriastan

The Islamic Emirate of Syriastan

By Pepe Escobar

Asia Times


PARIS - And now some breaking news coming from the Islamic Emirate of Syriastan. This program is brought to you by the NATOGCC corporation. Please also tune in for a word from our individual sponsors, the United States government, Britain, France, Turkey, the House of Saud and the Emir of Qatar.

It all started early this week, with a proclamation by the elusive leader of al-Qaeda Central, Ayman "The Doctor" al-Zawahiri, hidden somewhere in the Pakistani tribal areas; how come Double O Bama with his license to kill (list) and prime drone fleet cannot find him?

Al-Zawahiri called for all the Islamist brigades in the Jihad Inc business fighting the government of Syrian President Bashar al- Assad to found an Islamic emirate, the passport du jour leading to an Islamic caliphate.

Two days later, the Islamic State of Iraq - for all practical purposes al-Qaeda in Iraq - announced, via a video starring its leader Abu Bakr al-Husseini al-Qurashi al-Baghdadi, a mergers and acquisition spectacular; from now on, it would be united with the Syrian jihadist group Jabhat al-Nusra, and be referred to as the Islamic State of Iraq and the Levant.

But then, the next day, the head of Jabhat al-Nusra, the shady Abu Muhammad al-Joulani, said that yes, we do pledge our allegiance to al-Qaeda Sheikh, Doctor al-Zawahiri; but there has been no M&A business whatsoever with al-Qaeda in Iraq.

Puzzled infidels from Washington to Beijing may be entitled to believe this is straight from Monty Python - but it's actually deadly serious; especially as the House of Saud, the Emir of Qatar, the neo-Ottoman Erdogan in Turkey and King Playstation from Jordan - vastly supported by Washington - continue to weaponize the Syrian "rebels" to Kingdom Come. And one of the top beneficiaries of this weaponizing orgy has been - who else - the M&A gang now known as the Islamic State of the Iraq and Levant.

Let's hit them with our option
Every grain of sand in the Syrian-Iraqi desert knows that the "rebels" who really matter in fighting terms in Syria are from Jabhat al-Nusra - hundreds of transnationals fond of beheading and suicide bombings.

They control, for instance, a few important suburbs of Aleppo. They've perpetrated scores of kidnappings, torture and summary executions. Crucially, they killed a lot of civilians. And they want to impose no-compromise, hardcore Sharia law. No wonder middle-class, educated Syrians fear them more than anything lethal the government might resort to.

Al-Baghdadi admitted the obvious : Syrian jihadis are an annex to Iraqi jihadis, from whom, crucially, they have been receiving on-the-ground battle experience. After all, it was these hardcore Iraqis who fought the Americans, especially from 2004 to 2007. The plum tomato in the kebab is that al-Nusra itself was founded by Sunni Syrians fighting alongside Sunni Iraqis in Iraq.

Then there's what the House of Saud is up to. The Saudis are competing in a regional marathon against al-Qaeda to see who enrolls more Sunni fanatics to fight those apostate Iranians, both in Iraq and the northern Levant. The House of Saud loves any jihadi, local or transnational, as long as he does not raise hell inside Saudi Arabia.

The alphabet soup of US intel agencies should know all that by now; otherwise suspicion that they spent all this time watching Monty Python reruns will be proven correct. Reason seemed to have prevailed when a puzzled State Department, via Secretary John Kerry, reversed Hillary Clinton's Artemis syndrome and last month called for the Assad regime and the "rebels" to negotiate - anything - although he also had the temerity to proclaim there are "moderates" among the jihadis.

But then, earlier this week in Jerusalem, just as the jihadi merger and acquisition was about to be announced in Syria/Iraq, Kerry insisted that for the Obama administration "no option is off the table" in terms of a US attack on - Iran.

Abandon all hope all you geopolitical dwellers in this valley of tears. The State Department does remain as puzzled as ever, as no rational adults seem to be able to distinguish between hardcore Sunni jihadis - of the 9/11 kind - and "axis of evil" Iranians.

The Europeans at least seem to be having second thoughts. The French announced this week they want to convince the European Union and the UN Security Council to brand Jabhat al-Nusra as a "terrorist organization". Yet everybody runs for cover when the question of what happens to the weaponizing of the Syrian "rebels" arises; it's obvious that Jabhat al-Nusra is having a ball with the status quo.

And still, next week, they will meet again - the main producers of this ghastly Z-movie, Regime Change Special Ops, plus some marginal players. It will be the US, the Brits and the French, Turkey, Germany, Italy, Jordan, the UAE, Qatar and Saudi Arabia. They will agree to keep the weaponizing going - and actually turbo-charge it.

So what is the CIA doing in all this mess? Well, hoping it gets messier, by supporting Baghdad-approved Shi'ite Iraqi militias to go after the jihadi superstars of the Islamic State of Iraq and the Levant. Iraqi Prime Minister al-Maliki even asked for CIA drones to bomb them to paradise. No luck - for now.

Baghdad has seen the writing on the wall - a direct consequence of the divide and rule, Sunni-against-Shi'ite games the Americans have been encouraging for 10 years now; the next stage is set for a civil war, Syria-style, in Iraq.

Iraqi intelligence is seriously infiltrated by Islamic State of Iraq jihadis. There are no desert borders to speak of; Anbar province is watching what's unfolding in Syria as a dress rehearsal for what will happen in Iraq.

It's as if the brand new Islamic State of Iraq and the Levant cannot wait for Iraq to be back to that sinister, gruesome period between 2004 and 2008, when the body count could make Bruce Willis cringe.

So what's a Pentagon in retreat to do? Shock and awe them all over again? Oh, no; this option is not for Iraq or the Islamic Emirate of Syriastan; it's only on the table for Iran.





Faysal El Kak

نيسان بدون مسلمين بقلم جهاد الزين


نيسان بدون مسلمين
  •  جهاد الزين
  • 2013-04-13
تَلبننَ العراقُ وتأفغنتْ سوريا وتَفتْنَمَتْ قطر، بصفة الدوحة "هانوي" الثورة العربية، وتبكسْتَنَتْ تركيا وتقبرَصَ السودانُ… و.... و...
إِلْعبْ ما شئت بالمصطلحات... فاللغة سهلة (وأحيانا خفيفة جداً). لكن تبقى حقيقة أن دولَ المنطقة تهتزّ... فيأتينا 13 نيسان اللبناني هذا العام والذي سبقهُ وقد اختلطت بشكلٍ محيّرٍ وخطير فعلاً ظاهرتان تدوّخان أيّ مراقب بل أيّ منخرِط غير مرتبط بخط مالي (من مال) في الصراع: ظاهرة تغييرٍ ثوري في إسقاط أنظمة استبداد عاتية وظاهرة تفّكك دول ومجتمعات التغيير في الوقت نفسه.
لستُ معنيّاً بتبسيطيّات مُغرضةٍ وفي بعض حالاتها ساذجةٌ وفي بعضها الآخر عمياء. فأخطر ما يحدث هو ظهور مجتمعاتِنا نفسِها - وهذا ما يتجاوز بنية دُوَلِنا - مرتبكةً بل غيرَ قادرةٍ على تحمّل وزن التغيير الثوري الحاصل الذي أشعلتهُ من داخلها قوى اجتماعية متقدمة (ونخبوية) ولاقته من الخارج عاصفة من المصالح الدولية التي تضم بين أبرز عناصرها دولٌ سبق أن "أسّستْ" الكيانات - الدول موضوع الاهتزاز.
كل يوم في المنطقة بات 13 نيسان من حيث هو دولةٌ ومجتمعٌ مهتزّان.
أما في لبنان فهناك "13 نيسانان" لا واحد. 13 نيسان المسيحي المسلم. ذاكرة الثنائية التي أسّست - داخليا - الصيغة عام 1943 و13 نيسان "الجديد" وهو السني الشيعي. كلاهما دولي وإقليمي. لكن القديم أكثر لبننة بسبب مسيحيّته، الجديد أقل بسبب سنيّته وشيعيته.
لم يُصبح 13 نيسان القديم من الذاكرة لأن المسيحيين لم ينسحبوا من آتون البحث عن صيغة سياسية جديدة وإن كانوا على الأرجح انسحبوا من الصيغة القتالية في طرح "وجهة نظرهم". ها هم أحفاد "المسيحية المقاتلة" لـ13 نيسان الأول يطرحون في عام 13 نيسان الجديد "المشروع الأرثوذكسي" لإحداث الصدمة التي تشير إلى الطائفيّات السنية الشيعية الدرزية بأنهم يريدون تغيير الصيغة. لذلك "المشروع الأرثوذكسي" هو مشروع نظام سياسي جديد لا أقل. و لذلك أيضا وحتماً هو من البداية ليس مشروعا للتطبيق وإنما إعلانٌ مسيحيٌّ عن الحاجة للتغيير ستتحقّق جزئيا في النظام المختلط الأكثري - النسبي فيما سيكون المشروع الأرثوذكسي ذات يوم صيغةً لمجلس الشيوخ.
أحد تحوّلاتِ المرحلة هو الوعي المأسوي الوجودي للمسيحيين بصفتهم "كتلة متناقصة" بل متلاشية في المحيط. في اللغة السابقة "المسيحية المقاتلة" كانت صورة المنطقة مشهد "مسيحية ذمّية" يرفضها مسيحيو لبنان. اليوم الصورة في المنطقة هي مشهد "انقراض" المسيحيين لا ذميّتهم.
13 نيسان القديم كان فيه مسلمون.
لا مسلمين اليوم بل سُنّة وشيعة!

المطران جورج خضر يكتب في النهار


المطران جورج خضر
  • 2013-04-13
لا تتّكلوا على الرؤساء ولا على بني البشر اذ ليس عندهم خلاص" (مزامير 146: 3). الاتكال ان تجعل الآخر وكيلاً لك عند الله أو عضداً لك عنده لأنك تعرف نفسك فقيرًا وتخشى عجزك عن رؤية الله وان يكون هو وحده متكأك. أنت تسعى في وحدتك إلى ثنائيّة وهي غير كافية لتتجاوز بها عزلتك. الثنائيّة هي الوجه إلى الوجه واذا كان كل وجه هشّا تكون رميت نفسك في هشاشتين.
تكون قد ظننت نفسك اكتملت في الثاني لكنه بسبب مما يعوزه من الوجود لا يوصلك إلى اكتمال كيانك. يسندك فقط وقد لا يأتي سنده عظيمًا فتنهاران معًا. نقصانان نحن لا يصيران وحدة. فاما اذا اتحدت بالله بمعرفة محبوبيتك عنده تغدو واحدا فيه. أنت بالمحبة لا تضيف الى الله شيئا. تكتمل أنت به. تكتمل نسبيا قبل رؤية الملكوت. لكن هذه الرؤية هنا سابقة للوجود الكامل عند رؤيتك الله بالموت. عند ذاك، تكون قد أكملت سعيك.
كلّ كمال على الأرض فقط سعي إلى ان يكلّلك الربّ في اليوم الأخير. لذلك لا نبلغ الرؤية كاملة لا قبل الموت ولا بعده اذ لا يسعك ان تكمل الا مع القديسين اذا اجتمعوا إلى ربّهم في اليوم الأخير. الخلاص هو للجميع مجتمعين. قبل ذلك نحن في السعي.
أنت تكمل بالضعفاء اذا احببتهم فانتشلتهم. كل البشريّة مجموعة مهمشة ترى إلى مجدها فقط في اليوم الأخير. وأنت في هذه المجموعة عندما تنضمّ اليها بالحب. أنت منها واليها في الرجاء اعني رجاءك إلى الله. ليست كلمة واحدة في الكتاب تعدك بالمحبوبيّة اذا أنت أحببت. الجواب عن حبك ما قال عنه الكتاب ان له مردودا. قد يردّ إلى الحب البغض الظالم أي الذي ليست ذاتك منبعا له. اذا كنت مؤمنا كبيرا لك ان تنتظر العزلة. ولعلها تنقذك لأن لك نصيبا ان تكون حبيب الله الذي لا يترك أحدًا يموت عطشا أو يحزن بسبب من سراب.
أنا ما قلت ان دعوتك الوحيدة ان تحيد عن كلّ وجه اذ ليس فيه كامل العزاء. شرعي ان تسعى إلى إقامتك في محبوبيّتك أي ان تقيم بالحب الذي تعطى لكنه ليس شرعيا ان تكتفي بهذا أي قد تجد نفسك منفيا إلى "صحراء الحب" كما يقول فرنسوا مورياك أي ان يحكم عليك بعض الذين ترجو محبتهم بالانعزال. حقك ان تطلب الانتباه اليك وأريد بذلك انضمام الناس إلى محبّة الله لا اليك. تصير عظيم الوجود لو سعيت إلى تلك الوحدة الصافية الإلهية التي تجمع نساكها إلى ربهم.
***

حزننا اذا بقينا على هشاشة بشرتنا كوننا لم نبلغ السماء. هذا في حد نفسه حزن جميل لأن التقوى هي استباق الفردوس هنا في الحب الإلهي.
المشكلة اننا لن نبلغ الملكوت هنا إلا مع الأطهار عنيت بهم الذين يحبوننا بالرب بلا شرط فينا. وقوّة سعينا في الرؤية التي اليها نتوق ودربنا التوق حتى نموت. والأطهار قلّة عزيزة وعنيت بهم الذين يطوقونك بالحب الإلهي الذي لا يستند إلى أي شرط فيك لكنه يأتيك من مجانية المحبة الأخوية التي هي انعكاس للمحبة الإلهية المجانية بطبيعتها.
يلفتني في الانجيل ان الرب يسوع عندما تكلّم عن المحبة قال انك تعطيها وما وعدك مرة انك تُعطاها. هو كان يعرف التعزيات البشريّة التي كانت له من الجماعة التي احتاط بها ولا سيما من بطرس ويوحنا ويعقوب لكنه ما أراد ان نتكئ على التعزيات. كل تعليمه من هذه الزاوية انك تعطي بلا حساب أي بلا توقع لمردود. أنت تتكون من المحبة التي تعطيها أمل الاخذ لأنك موجود فقط اذا أعطيت واذا أعطيت لا يعني انهم اخذوا. لذلك قال: "بدّد اعطى المساكين فيدوم برّه إلى الأبد" (مزامير 112: 9). المحبة ليس فيها شرط في الآخر. أنت تعطي بلا حساب أي لا تتوقع المبادلة ولا تتوقع الوفاء. قلبك هو الذي يعطي اذا انفتح للعطاء وليس في أقوال الكتاب ان قلبك مفتوح لتأخذ. قد يبادلونك العاطفة واذا انزعجوا منك أو يئسوا أو جافوك بسبب ما في أنفسهم من جفاء تبقى مصرا على العطاء لأنك بهم تعطي ربك وتنتظر اليوم وغدا وحسبك ان تعايشه لأنه هو وحده العطاء.
والرد على هذا القول أعرفه اذ قد يقال انك يا فلان تطلب الصحراء الكاملة في قلوبنا. أنا لا أطلب الصحراء الكاملة. أنا أراها تحققت في القديسين وهم قد أعطوا مجانا لأنهم كانوا يرون إلى وجه الله على كل وجه وإلى وجهه هذا المرتسم أعطوا وأبوا ان ينظروا إلى القباحة وتروّضوا على انّ كل وجه بشريّ كامل الجمال اذا أنت قرأت عليه بهاء المسيح.
***
كلّ قلب بشري معرّض ان يصبح وكرًا للأفاعي كما يقول فرنسوا مورياك. أنت لا تحب الأفاعي لكن القلب البشري الذي يبقى على صورة الله ولو حوى الأفاعي. تعليمنا ان صورة الله المشوّهة في كلّ منّا لا يزول عنها الحب الإلهي الذي يحضنها. واذا أنت بقيت على الرجاء فهو رجاء إلى الله الذي ينزل إلى النفس لأنه يحبّها وليس لأن فيها جمالات باهرة اذ لنا ان نتروّض على هذا الأمل الصعب ان كل نفس ذائقة الموت حبيبة الله إلى ان يتوفاها.
عليك أنت ان تتربى على ان ربّك يحبّ كلّ نفس. وما من شك انه يؤدّبها لكونه يحبّها على الدوام. عليك ان تحب كلّ نفس ولو سقطت وربما كان عليك ان تزداد لها حبا اذا امعنت في السقوط.
لعل صعوبتنا في الوجود ان كنا من المؤمنين ان نرى السقوط دائما فينا وفي الناس. لكنا نكون قد بلغنا قمة السذاجة لو احسسنا ان هذا الوجود فردوسي. الفردوس تسكنه نفوس من بلغوا الجهاد الأعظم أي جهاد النفس، الذين عرفوا ان النفس مسكن الله دون بهجة هذا العالم.
لعل ذروة الجهاد الا ترى نفسك شيئا وان ترى الآخرين معك اذا احببتهم أي ان تروا أنفسكم أحباء الله. وليس عليك ان تحسب محبة الله لأحد. المهم ان تؤمن بها لأننا بها نحيا. وأنت أمام المحبة الإلهية فقير اليها. وهي التي توجدك وتربيك على ذاتها.
اما اذا ظننت انك صرت شيئا فتخسر كل شيء. واذا بطل ايمانك بأن النعمة تحييك وتغفر لك خطاياك تصبح عدما أو شبه عدم. ليس عليك ان تفهم كيف يستخدمك الرب لمجده. أنت معطى وهو يستخدمك لمجده كما يشاء. "انما الدين عند الله الإسلام" بعميق ما في هذه الكلمة من معنى. تعال واسبح في بحر الله فيعلمك... كل شيء ويستخدمك لمجده كما يريد.
هو يرى علاقتك بمجده وأنت لا تعلم. قال المخلّص لك ولأترابك: "تعالوا إليّ أيّها المتعبون والثقيلو الأحمال وأنا أريحكم". لا تخشَ اذاً العبء الذي ألقي عليك. قد تقع على الطريق كما وقع الذي حمل صليبه إلى الجلجلة. لا بدّ له ان يؤتيك بمن يسعفك على طريق الآلام لأنه يريدك قائما معه في اليوم الثالث.

Tuesday, April 9, 2013

معارك البابا فرنسيس على ثلاث جبهات

معارك فرنسيس على ثلاث جبهات

غراسيا بيطار
«المعركة الأكبر أمام الكنيسة الكاثوليكية في الساحة الأميركية». هنا قامت الصهيونية بهجمة كبيرة استهدفت هذه الكنيسة وإكليروسها وساقت ضدهم شتى أنواع الاتهامات ولفقت الكثير من البدع الدينية.
يعطي أحد الكهنة مثلا: كنيسة «الاتحاد» (الأميركية) تفرض على الراغبين في الانتساب اليها هجر كنيستهم الأم... و«على يدها» سيقت اتهامات جنسية لعدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة من رجال الدين الكاثوليك من أصل نحو 150 ألفا ما دفع كاردينال بوسطن الى الاستقالة. من قلب هذه الغيمة السوداء ظهر البابا الجديد فرنسيس «الذي لا يلين ولا يهادن». كما أن انتخاب رأس الكنيسة الكاثوليكية «من جذور لاتينية له انعكاساته على القاعدة الكنسية الاسبانية التي تشكل «ثقل» الكنيسة الكاثوليكية في أميركا».
وفق نائب رئيس مجلس النواب السابق إيلي الفرزلي، «هناك جبهة ثانية يستعد البابا الجديد لخوضها أيضا وهي محاولة استعادة أوروبا الكاثوليكية بعد ان «تيهودت» في قيمها ومفاصلها الأساسية». لا يفته التذكير بعبارة الوزير الأميركي الأسبق دونالد رامسفيلد: «وداعا أوروبا القديمة». أما المعركة الثالثة التي تنتظر خليفة بطرس، فتتلخص في «حث المسيحيين على البقاء في أرضهم لأن تجذرهم في الشرق يسقط ما يسمى صراع الحضارات والأديان».
في المعركة الثالثة بالذات، اللاعبون كثر. اللاعب الأبرز ربما هو الكنيسة المارونية والتي تعد الأكثر تقدما لناحية خروجها من حدودها اللبنانية الى الانفتاح على المدى الأرحب نحو أنطاكيا وشمال سوريا وبيت لحم أي الشرق ليس بمداه الجغرافي وحسب وانما بالمدى الروحي لهذه الكنيسة.
يتوقف أحد المطارنة عند المبادرات المتتالية للبطريرك الماروني بشارة الراعي في الداخل والخارج ويقول «كان لا بد من توطيد أواصر العلاقة المارونية مع الكنيسة الأرثوذكسية من أجل العمل على تأمين وحدة المسيحيين وبالتالي محاولة الحفاظ على بقائهم في هذا الشرق»... يتوقف عند تقارير كثيرة بدأت تتحدث منذ مدة عن تقارب بين الفاتيكان والكنيسة الروســية، وكذلك عن الانفتاح على اليهود والمسلمين، وهو الأمر الذي أتى على ذكره البابا الجديد في إحدى عظاته.
أما الكنيسة الروسية التي تملك نفوذا هائلا في بلاد القياصرة وتكاد تختصر القرار السياسي بيدها، فيندرج ضمن «مصالحها» الحفاظ على الأقليات «وليس فقط المسيحيين في الشرق. فأي تطرف من شأنه ان تنتقل عدواه الى أراضيها وخصوصا عبر حدودها الجنوبية حيث ترى واجبا في ضبط أي تطرف ديني من شأنه ان يسعى الى الاستيلاء على السلطة كما يحصل في بعض الجمهوريات الروسية والشرق» يردد الفرزلي.
بعيدا من السماوات وأديانها لا يمكن إغفال المخطط الاسرائيلي الذي يتضح هدفه أكثر فأكثر منذ العام 1948 باتجاه تهجير المسيحيين وإفراغ المنطقة من مكونها الأساس. يحدد الفرزلي ثلاثة أهداف استراتيجية لهذا المخطط:
أولا، إفراغ مكان ولادة المسيح من المسيحيين بغية تحويل شخصية السيد المسيح كأي رمز إلهي في بلاد ما بين النهرين مثلا كالاله ميترا وذلك عبر اسقاط الشهود على ولادته وتحويل كنيسة القيامة الى مكان أثري لا قيمة استقطابية أو روحية له.
ثانيا، تثبيت شعار ان الفاتيكان هو المرجعية المسيحية الأولى والوحيدة. فالتفريغ يعني أيضا إلغاء الكنيسة المشرقية لأن الكنيسة بالمعنى اللاهوتي والفعلي هي جماعة المؤمنين وليست المعابد.
ثالثا، بين الفاتيكان مرجعية الغرب ومكة مرجعية المسلمين لا بد ان تكون لليهودية مرجعية أيضا وهي أورشليم القدس.
مسار الاهداف الثلاثة يشرح كيف استفاد اليهود من كل التناقضات للاستمرار في العيش والنمو. منذ الحرب الأولى التي أنتجت وعد بلفور الى الحرب العالمية الثانية التي زرعت الكيان الاسرائيلي في العام 1948 والحرب الثالثة أي الباردة التي أنتجت ليس فقط الإعتراف بالكيان وإنما «تدليله».
ومع سقوط الإتحاد السوفياتي شعرت إسرائيل بأن وظيفتها تجاه الغرب بدأت تخفت بدليل حرب العراق التي أقعدتها جانبا فما كان منها إلا ان ابتكرت حرب الحضارات بين شرق بأكثرية إسلامية وغرب بأكثرية مسيحية. وعلى هذا التناقض تستند لتقول للغرب «أنا رأس حربتك في قلب العالم الإسلامي». وتخاطب المسلمين قائلة :«أنا وأنتم أولاد العم.. فأنا سارة وأنتم هاجر». كالفطريات تتكاثر الكيانات ويسقط العامل القومي كبند من بنود الخلاف بين اليهود وأبناء المنطقة.
وفي الاتجاه عينه، تصب تحركات الكاردينال بشارة الراعي نحو الانفتاح على مسيحيي الشرق وإعادة إحياء التراث المشرقي الإنطاكي المسيحي.
الراعي في باريس.. لما لا، «طالما أن خطاب الكنيسة الذي لم يلق صدى قبل سنتين صار له اليوم من يتبناه بالكامل» يقول أحد المطارنة.
< المقال السابقرجوعالمقال التالي >

Monday, April 8, 2013

الدبابات الامركية اطلقت الربيع العربي من بغداد





  •                     الدبابات الامركية اطلقت الربيع العربي من بغداد
  • جهاد الزين
  • 2013-04-09
اليوم 9 نيسان 2013 تكون قد مضت عشر سنوات كاملة على سقوط بغداد في 9 نيسان 2003. كان ذلك السقوط هو البداية الحقيقية لما سيُسمّى لاحقا "الربيع العربي"، البداية التي لا يحب أن يعترف بها "المثقّفون الوطنيّون " العرب!

في الأول من تشرين الثاني 2002 أي قبل بضعة أشهر من الغزو الأميركي للعراق وإسقاط صدام حسين كتبتُ على هذه الصفحة من "النهار" مقالا بالعنوان الحرفي التالي: ("المشروع الثوري" الوحيد للمنطقة هو المشروع الأميركي). أثار لي المقال والعنوان يومها العديد من المتاعب مع العديد من الأصدقاء اللبنانيين والعرب. اليوم وبعد عقد كامل على سقوط بغداد تبقى واحدةٌ من أهم ظواهر سلوكِ جزءٍ كبيرٍ من النخب العلمانية العربية التي لم تنل ما تستحقّه من الرصد والنقاش هي أن هذه النخب المنخرطة عميقا في ثورات "الربيع العربي" في تونس ومصر وليبيا التي أدت إلى سقوط ثلاثة ديكتاتوريين عرب مع أنظمتهم، هي نفْسُها هذه النخبُ ترفض التغييرَ الذي حدث في 9 نيسان 2003 في العراق والذي أدّى إلى سقوط أول وأعنف هؤلاء الديكتاتوريين مع نظامه.
السبب المعلن لهذا التناقض هو أن التغيير العراقي تمّ عبر الدبابات الأميركية حتى لو أن هذه الدبابات كانت "متحالفةً" يومها مع معظم مكوّنات الشعب العراقي وهي الأكراد ومعظم الشيعة وجزءٌ لا يُستهان به من السُنّة نشأت مخاوفُه الطائفية بعد التغيير لا قبله.
هذه الظاهرة في "سلوك" النخب العربية لها طبعا تفسيرها في الثقافة الوطنية أي بكونها ضد الغزو الأميركي. وقد فوجئتُ وكنتُ انتهيتُ لتوّي من كتابة هذا المقال بوجود مقال نُشر في "النيويورك تايمز" يوم السادس من نيسان الجاري لكنعان مكّية الكاتب العراقي المهاجر يحمل تقريبا العنوان نفسه: "الربيع العربي بدأ في العراق". وهو توارد أفكار مفهوم في موضوع بهذه الأهمية.
المعضلة العميقة التي ستُطرح لاحقا على هذه الحقبة من تاريخ منطقتنا هي أنه، أحببنا ذلك أم رفضناه، فإن مشروع التغيير الديموقراطي الأشمل في المنطقة منذ تأسيس إسرائيل عام 1948 (التي أدّى وجودُها إلى ولادة شبكة من الأنظمة العسكرية الاستبدادية في المنطقة (وهذه حقيقة لا يحب أن يعترف بها معظم الغربيين)... هذا المشروعُ التغييريُّ أطلَقَتْهُ الولايات المتحدة الأميركيةُ بالقوة العسكرية عام 2003. ما هي أهداف واشنطن الحقيقية؟ هذا سؤال ليس مطروحا فقط على ما حدث عسكرياً في بغداد بل أيضا على ما حدث ب "القوة الناعمة" في تونس والقاهرة وبمزيج القوتين الصلبة والناعمة في طرابلس الغرب وحاليا في سوريا، لا سيما السؤال الخطير عن هل هو هدف تفكيك دُولِنا أكثر مما هو الهدف الديموقراطي؟ لكن كل علامات الاستفهام هذه المطروحة للنقاش لا تستطيع أن تخفي حقيقة جوهرية هي أن مشروع التغيير الديموقراطي في المنطقة قادته واشنطن. ولكي تكون الحقيقةُ مزعجةً أكثر يجب التذكير بأن "المحافظين الجدد" حول الرئيس جورج بوش الإبن هم الذين وضعوا نظريّته وقادوه.
كل العناصر الداخلية كانت موجودة في حالة التغيير العراقي وهي عناصر استندتْ عليها القوةُ العسكرية الأميركية. الرفض الشيعي والكردي الكاسح لصدام حسين. رفض مدعوم برفض ضحايا صدام الكثيرين بين السُنّة العراقيين ومع كل هؤلاء رفضٌ متراكمٌ وعميقٌ لنظام صدام من معظم النخبة اليسارية والليبرالية العراقية في الداخل والمنفى الذي اتسع في سنوات حكم صدام ليصبح حوالى أربعة ملايينِ عراقيٍّ مشتّتين في العالم ومنهم نخبة كبيرة جدا في دول الغرب لم تعد لها مصلحة في العودة إلى العراق بالمطلق.
في مصر أشعلت هذه النخبة الثورةَ وبالوسائل الديموقراطية لأنها كانت موجودة على أرض بلدها وكانت قد تطوّرت وسائل الاتصال الاجتماعي التي كان التنسيق "القِيمي" قائما فيها بينها وبين الغرب سياسيا وثقافيا وإلى حدٍ ما اقتصاديا بالنسبة للكوادر الواسعة من الطبقة الوسطى المصرية التي ساعدت على تعزيزها برامج التدريب الأوروبية والأميركية بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. في تونس الوضع نفسه ولو كان عدد الناشطين والقياديين المعارضين للنظام الديكتاتوري العائدين من الخارج أكبر من العائدين المصريين. ففي مصر تميّزت الديكتاتورية المباركية بمنع أي تداول للسلطة مستندةً إلى نهب اقتصادي لثروات الدولة لكن مع قدر ملموس ومسموح به من حريات التعبير. هذا لم يكن موجودا في تونس وفي ليبيا وفي سوريا وفي العراق حيث الديكتاتوريات استئصالية بالكامل ولو أن صدام حسين والعقيد معمّر القذافي كانا الأبشع في تطبيقها. فالديكتاتورية المصرية وخصائصها بل واختلافاتها المهمة، لا سيما سماحَها بحرية التعبير، عن الديكتاتوريات العربية الأخرى موضوعٌ يحتاج إلى درس ضروري ولكن لسنا بصدده هنا.
الغرب موجودٌ عميقا في كل تحوّلاتنا. إنْ لم يكن عسكريا كما في العراق ولاحقاً بصيغة أخرى في ليبيا واليوم بصيغة ثالثة في سوريا... فهو موجودٌ ثقافيا وسياسيا واقتصادياً طبعا. والعامل الثقافي أساسي وعميق بحكم انتصار القيم الديموقراطية الليبرالية التي عادت تتبنّاها معظم نخبنا العربية بما فيها التيار الأساسي في الحركات الإسلامية. أليست هذه ما سُمّي "نهاية التاريخ"؟
المشهد - النتيجة الأهم كقاسمٍ مشتركٍ يجمع بين بغداد 2003 والقاهرة 2011 هو بدون أدنى شك مشهدُ وجودِ كلٍّ من صدام حسين وحسني مبارك في قفص الاتهام داخل محكمة على أرض العاصمة التي حكمها عقودا.
هل كان يمكن لمشهد حسني مبارك في القفص أن يحصل بدون مشهد صدام حسين المماثل الذي سبقه؟ أليست هذه ديناميّة التاريخ التي أطلقت موجةً تغييرية من بلدٍ إلى بلدٍ ضمن منطقة واحدة كما حدث في أوروبا الشرقية مع سقوط جدار برلين وقبل ذلك بشكلٍ مختلف في أميركا اللاتينية؟ إنها قوّةُ "السابقة" التي لم يكن ممكنا تصوُّرها بدون الاحتلال الأميركي الذي فتح أفق الديموقراطيةِ في المنطقة وتفكّكِ دولنا... معاً؟ كيف نفرّق بين النتيجة الرائعة والنتيجة الوخيمة على ملعبٍ واحد؟
لقد كانت هناك، بعد بغداد، بدايةٌ ثانيةٌ مثيرةٌ لـ"الربيع العربي" بكل التباساته التي عرفناها لاحقا هي الحركة الاعتراضية المستندة إلى تيار شبابي واسع في طهران والمدن الإيرانية ضد النظام الديني الإيراني وبقيادة رموز سابقة من النظام لكنها انتهت إلى الفشل بعدما نجح النظام رغم مشروعيّتها الديموقراطية في حصارها وجعلها "غير وطنية".
تيارات دينية حاكمة في كل مكان: سنّية في تركيا ومصر وتونس وشيعية في إيران والعراق ومقاومات ليبرالية وعلمانية مختلفة الأحجام لكل منها. وصل "حزب الدعوة" في العراق، النسخة الشيعية لـ"الإخوان المسلمين" السُنّة. ووصل "الإخوان " في مصر وتونس وليبيا. أحزابٌ لم "تسرق الثورة" عكس ما يردد أصدقاؤنا الليبراليون واليساريون المصريون وإنما كانت في جهوزية شعبية وسياسية لقطف ثمارها السلطوية بسبب تاريخ طويل دؤوب من المواجهة مع الأنظمة العسكرية لم يكن فيها "الإخوان" دائماً ضحايا إرهاب السلطة بل كانوا أحيانا صانعي هذا الإرهاب ضد السلطة وضد أخصامهم السياسيين والفكريين.
انفراط العِقد المتماسك والرهيب للاستبداد العسكري… بدأ في بغداد 2003.
مخاضٌ هائلٌ داخليٌّ وخارجيٌّ متلاطم... في بعضه لا يُعاد تركيب السلطات فقط بل يُعاد تركيب الدول، وفي بعضه يُعاد تركيب المجتمع