Saturday, June 6, 2015

الطابخون على الشمس!

عن «الديبلوماسي» الصادر في لندن لمحرره ريمون عطا الله


الطابخون على الشمس!

لليمنيين ثلاثة حلفاء ليس من بينهم إيران، كما يزعم الزاعمون. حلفاؤهم هم: الزمان، والصبر، والجبال، ورابعهم... «القات». 
روما في عزِّها أيام أغسطس قيصر فشلت في حملتها باتجاه اليمن. تاه جيش القائد الروماني إيليوس غاليوس في الصحراء عام 24 قبل الميلاد، وضاعت معه فرصة الوصول الى البحر الأحمر وباب المندب. الإمبراطورية البرتغالية المتجهة الى الهند والصين في «غوا» و «مكاو»  في القرن السادس عشر مرت في عدن مرور الكرام. ثم بعد نحو قرن ونصف القرن من ذلك جاءت الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس، وفي طريقها الى الهند أيضاً، لتحط رحالها في عدن كذلك وتبقى هناك نحو قرن لأنها ملكت السيطرة على البحار بعد امتلاكها البخار، لكنها لم تجرؤ أو تفكِّر بالتوغل الى الداخل اليمني.
وبعد ذلك جاءت إمبراطورية بني عثمان فنطحت رأسها بصخور جبال اليمن، لترتد خائبة فبقي «سفر برلك» عبرة لمن يعتبر، ورواية لمن يستمع.
فاليمن هو المكان الذي ظل مستقلاً على دوام الدهر. لاستذكار هذه الحقيقة يكفي أن الإمام يحيى حميد الدين ومملكته المتوكلية في اليمن كانوا أول دولة في العالم اعترفت بالثورة البلشفية في روسيا وبالاتحاد السوفياتي الناتج منها، في عشرينات القرن العشرين يوم كان الأميركيون والأوروبيون يخوضون الحرب الأهلية الروسية الى جانب الروس البيض. لم يكن نجم أميركا في ذلك الوقت قد بزغ على العالم، فأراد الإمام حليفاً دولياً قوياً ومهاباً في وجه الإنكليز الرابضين على جنوبه والداعمين لغريمه ابن سعود. إذ يمكن القول بأن الإمامة في اليمن هي الطبعة الأولى غير المنقَّحة من «ولاية الفقيه» قبل رفع رايتها مزيدة ومنقحة في طهران خلال العقود الأخيرة. الطبعتان تلتقيان على رفض ومقاومة التدخل الخارجي، وتفترقان على المناحي الاجتماعية: واحدة رجعية ومتخلفة وواحدة عصرية وتقدمية.
لم يكن اعتراف حكم الإمامة في اليمن بالاتحاد السوفياتي وثورته الاشتراكية من بداية الطريق المفارقة الوحيدة. وربما كانت المفارقة الكبرى تنافره مع الدولة السعودية الجارة على الرغم من تقاربهما في طبيعة نظام حكم كل منهما. ذلك أن الدولة السعودية الوليدة في نجد والمتحالفة مع الإنكليز المتواجدين في عدن والخليج، كان لديها مخطط توسعي شمل الحجاز والأحساء وعينها على اليمن، فاقتطعت منه ثلاث مناطق حدودية مهمة في ظروف مؤاتية لها هي: نجران، وجيزان، وعسير. فصار الجاران عدوين لدودين، على الرغم من اعتراف اليمنيين بالأمر الواقع الجديد في اتفاقية الطائف لعام 1934. لكن المعاهدات في مثل هذه الحالات لا تصفي القلوب.
ثورة الضباط الأحرار في مصر عام 1952 وبروز زعامة جمال عبد الناصر على المسرح العربي والإقليمي والدولي، أحدث بدوره مفارقات ملفتة في الجزيرة العربية. أقلقت ثورة 23 يوليو المصرية السعوديين، وأنعشت آمال اليمنيين. لكن عبد الناصر في مطلع عام 1956، وتحديداً قبل ستة أشهر فقط من العدوان الثلاثي (الفرنسي ـ البريطاني ـ الإسرائيلي) على مصر بسبب تأميم قناة السويس، أراد أن «يضبضب» الوضع بين السعودية واليمن تحت شعار «أمن البحر الأحمر»، فاتفق الثلاثة، المصريون والسعوديون واليمنيون على توقيع ما أسموه «ميثاق جدة» في 21 نيسان من عام 1956. هذا الميثاق الأمني وقعه عن مصر جمال عبد الناصر شخصياً، ووقعه عن السعودية الملك سعود بن عبد العزيز ومعه ولي عهده وزير الخارجية فيصل بن عبد العزيز، ووقعه عن المملكة المتوكلية اليمنية الإمام سيف الإسلام البدر نيابة عن أبيه الإمام أحمد حميد الدين.
ليس من المفيد الآن بعد ستين سنة، ومرور مياه كثيرة تحت الجسر اليمني والعربي عموماً، نبش مضامين ذلك الميثاق، ميثاق جدة لعام 1956. الأمر المهم هو ما نشأ عنه من مفارقات في التطورات اللاحقة. فقد اعتبر الإمام أحمد حميد الدين أنه حصل على ضمانة مصر وجمال عبد الناصر فأعلن انحيازه الى مصر وليكن ما يكون، على قول أنور السادات بعد «ميثاقه» مع معمر القذافي حيث قال: «أنا مع أخي معمر وليكن ما يكون»!
في حرب السويس بعد أشهر ستة من ميثاق جدة، اعتبر الإمام أحمد انتصار مصر على الإنكليز في تلك الحرب انتصاراً لليمن.
وعندما هاج العالم العربي وماج في مطلع عام 1958 مع قيام الوحدة السورية ـ المصرية وإعلان «الجمهورية العربية المتحدة» طالبت المملكة المتوكلية اليمنية بالانضمام الى دولة الوحدة، وأوفد الإمام أحمد ابنه الإمام البدر الى دمشق ليعلن انضمامه الى دولة الوحدة. لكن بسبب تفاوت الأنظمة طلب عبد الناصر من الموفد اليمني تشكيل صيغة اتحادية مختلفة تستوعب المملكة اليمنية أطلقوا عليها اسم «الدول العربية المتحدة» ووضعوا لهذه الصيغة هيكلاً ودستوراً.
لكن بعد الانفصال السوري عن مصر في عام 1961 نشأت مفارقات عجيبة غريبة ومتداخلة تتعلق بميثاق جدة المشار اليه. هو ميثاق أمني يُفترض فيه أن يشكل ضمانة لموقعيه بمساندة بعضهم البعض. الذي حصل هو أن عبد الناصر اتهم السعوديين بخرق الميثاق لوقوفهم وراء الحركة الانفصالية في سوريا، وفي هذا كثير من الصحة. 
أما المفارقة الأفدح فقد حدثت عندما قام الجيش اليمني بقيادة المشير عبد الله السلال بانقلاب ضد حكم الإمامة وإعلان النظام الجمهوري في صنعاء، واستنجاد الجمهوريين بمصر الناصرية المرتبطة مع حكم الإمامة بميثاق أمني يُفترض فيه أن يحمي الإمام البدر المخلوع الذي كان قد تسلَّم مقاليد الأمور بعد وفاة أبيه الإمام أحمد، والذي يجمعه مع عبد الناصر نظام اتحادي، كما سلف القول.
الشيء المضحك في الأمر أن الإنقلابيين الجمهوريين في صنعاء استندوا الى ميثاق جدة الموقع بيد الإمام البدر في طلبهم النجدة المصرية لتثبيت دعائم الإنقلاب على البدر. وفي هذه الخلطة العجيبة من تحالفات الأضداد صارت مصر المتحدة مع الإماميين حليفة المنقلبين عليهم، وصار الإماميون، الأعداء التاريخيون للسعوديين، في حضن المملكة السعودية.
انسحاب الجيش المصري من اليمن بعد حرب عام 1967 مع إسرائيل، زيَّن للسعودية أنها تستطيع الانفراد بحكم اليمن. قبلت بالحكم الجمهوري على هذا الظن ربما تحت شعار «جمهورية في الجيب خير من إمامة في الغيب»، وهي في الأصل إمامة معادية. 
ومنذ ذلك الوقت لم تنقطع المفارقات اليمنية وصولاً الى الوضع الراهن الذي يبدو فيه السعوديون وقد خرجوا من المعمعة اليمنية المتواصلة كالخارجين من المولد بلا حمُّص كما يقول المثل الشعبي. أو كأنهم اتكأوا على شعار جديد بدل جمهورية الجيب وإمامة الغيب قرأه اليمنيون على مزاجهم بما معناه «نحكمكم أو نقتلكم» ولكم الخيار، فهبت «عاصفة الحزم» التي قد تكون مخارجها هي الأخرى في تحالفات الأضداد كما جرى في زمن عبد الناصر والإمام البدر قبل نصف قرن.
المفارقة الجديدة هي أن السعودية التي بدت وسط «عاصفة الحزم» في موقع القوة، كانت في الحلبة السياسية في موقع ضعف. حصانهم في الميدان اليمني هذه المرة حصان أعرج لا يستطيع أن يمضي الى نهاية الشوط. لعلهم وهم ينظرون الى حصانهم الأعرج عبد ربه منصور هادي، يتندمون على حصانهم الجموح السابق علي عبد الله صالح. 
في السابق كانت القيادة السعودية المخملية للملف اليمني، المتمثلة بالأمير سلطان بن عبد العزيز ولي العهد ووزير الدفاع، ثم بولي العهد ووزير الداخلية نايف بن عبد العزيز، تعمل على قاعدة «إن لله جنوداً من ذهب»، أي على «نظرية التزييت»، أو كما يقولون في بلاد الشام «أطعم الفم تستحي العين». ثلاثون سنة حكم علي عبد الله صالح اليمن بدعم سعودي (وأميركي) على أحسن ما يرام. لعب دور الثعلب ودور الأسد بغاية الإتقان الى درجة أنه مات وقام من بين الأموات، وبمساعدة السعوديين أيضاً، ليقف شوكة في حلقهم هذه المرة، وهذه أيضاً مفارقة من مفارقات اليمن التي لا تنتهي. خاض ستة حروب في الشمال، وحرباً كبرى طاحنة في الجنوب ضد الحراك الانفصالي في عدن، ولم يرف له جفن. أين هذا من الحصان السعودي الراهن الأعرج الذي هرب من الميدان عند أول طلقة!
خاض علي عبد الله صالح ستة حروب ضد الحوثيين في صعدة، وبمباركة سعودية. حاربهم في زمن قائدهم الأول بدر الدين الحوثي، وحاربهم في زمن قائدهم الثاني حسين بدر الدين الحوثي، مؤسس حركة «أنصار الله» المتشكلة على غرار «حزب الله» اللبناني الذي بات له في اليمن باع طويل. فلا عجب أن الطائرات السعودية المغيرة على صعدة تعمدت قصف ضريحه. وحاربهم أخيراً في زمن قائدهم الحالي، الفتى عبد الملك بدر الدين الحوثي. 
في آخر حرب شنها علي عبد الله صالح على الحوثيين قبل عزله في همروجة «الربيع العربي»، وقف السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله اللبناني يخطب في بيروت داعياً الرئيس علي عبد الله صالح لوقف الحرب ضد الحوثيين. ومما قاله نصر الله في ذلك الخطاب عبارة ملفتة: «ما الحوثيون وما علي عبد الله صالح». بمعنى أن الحوثيين والرئيس اليمني المخلوع تالياً يمكنهما أن يشكلا فريقاً واحداً بدل أن يكونا فريقين متخاصمين ومتقاتلين. وبالفعل صار صالح فريقاً واحداً مع الحوثيين أعداءه السابقين، ولو بعد خلعه. هذا الذي أفقد السعوديين الجدد صوابهم، ربما لأن فتيلتهم قصيرة خلافاً للأولين.
حتى تنظيم «القاعدة» الإرهابي في اليمن، الذي كان من أهم الأذرع السعودية لأميركا في حرب أفغانستان ضد الجيوش السوفياتية، استطاع علي عبد الله صالح ترويضه الى درجة أن طائرات أميركا الإلكترونية بدون طيار عجزت عن اصطياده. ويمكن الرجوع لفهم تلك الحقبة الى تحقيق لـ«الديبلوماسي» حول الموضوع عنوانه «اليمن التعيس.. القاعدة في مكتب الرئيس»!
من المفارقات الملفتة أيضاً التشابه في الوضع السياسي بين اليمن ولبنان. كلاهما مسرح لصراعات إقليمية وليس في أي منهما رئيس للجمهورية. تنظر الى الرئيس اليمني السابق الجنرال عبد ربه منصور هادي فكأنك تنظر الى الرئيس اللبناني السابق الجنرال ميشال سليمان، وكلاهما يهتف بحياة المملكة السعودية. وتنظر الى إعلان لقاء الرياض لليمنيين المنفيين وهو إعلان تجاوزته الأمم المتحدة أخيراً بالدعوة الى لقاء آخر غير مشروط في جنيف، فكأنك تنظر الى إعلان بعبدا، فوفاش بفوفاش!
أو كأنك تنظر الى «لقاء الجمهورية» اللبناني في بيت ميشال سليمان، الى جانب سمير مقبل وأليس شبطيني، فترى صورة عبد ربه منصور هادي الى جانب خالد البحاح وأحمد عوض بن مبارك. والأهم من ذلك أنك تنظر الى السيد عبد الملك الحوثي فكأنك ترى صورة السيد حسن نصر الله، وترى حركة أنصار الله في صعدة وحجة كأنها حزب الله في الجنوب والبقاع.
وللبنانيين مع اليمن حكايات قديمة لا تخلو من طرافة. ومن أبرز الشخصيات اللبنانية التاريخية التي تعاطت مع اليمن بشكل من الأشكال، الأديب المعروف أمين الريحاني المعروف بلقبه «فيلسوف الفريكة» الذي زار اليمن في عهد الإمام يحيى حميد الدين ودوَّن مشاهداته ولقاءاته في كتابه «ملوك العرب»، وكذلك الأمير شكيب أرسلان الذي كان يراسل زعماء الدول العربية ومنهم الإمام يحيى، ويقال إن المير شكيب هو الذي أوصى الإمام المتوكلي بالاعتراف بالاتحاد السوفياتي. لكن اللبناني الذي عمل مع الحكم الإمامي كمستشار وديبلوماسي وترك بصمات ملحوظة هو الدكتور عدنان الترسيسي الذي وضع كتباً عديدة عن اليمن، منها: «اليمن وحضارة العرب، مع دراسة جغرافية كاملة»، وكتاب «سبأ وحضارات العرب الأولى»، وكتاب «بلاد العرب وحضارات العرب الأولى». 
وكان الدكتور الترسيسي أيام سفارته في بيروت مهووساً باختباراته عن الطاقة الشمسية، وربما كان هو الذي أقنع الإمام أحمد كيف «يطبخ على الشمس». فقد كان الترسيسي يأتي الى حرم الجامعة الأميركية في بيروت وبيده طبَّاخ من صنعه يعمل بالطاقة الشمسية فيضعه في الشمس أمام الطلاَّب المتحلقين حوله ليقلي عليه البيض أمامهم!
والمعروف أن عبارة «يطبخ على الشمس» تطلق مجازاً على القادة الصبورين طويلي النفس، الذين ينتظرون لحظتهم من غير أن يدانيهم يأس أو قنوط. ولا أحد يعرف ما إذا كان عدنان الترسيسي قد تعلم الطبخ على الشمس من اليمنيين، أو هو الذي علمهم تلك الحرفة!
لكن ما يحير السعوديين الآن بعد أكثر من شهرين من القصف الجوي المتواصل على المدن والمرافق اليمنية أن الحلول الديبلوماسية المطروحة في الكواليس الدولية، ومنها على الأخص المواقف الأميركية، لا تريحهم. وقد ظهر هذا الانزعاج عندما قاطع أربعة من حكام الخليج وعلى رأسهم العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز لقاء كامب دايفيد الذي دعاهم اليه الرئيس الأميركي باراك أوباما. وفي اللقاء الذي تم بغياب القادة الخليجيين الأربعة لم يقدم الرئيس الأميركي الى الخليجيين ما كانوا يصبون اليه، ناهيك بأنهم لم يستطيعوا ثنيه عن توقيع اتفاق نووي مع إيران. بل هو قال لهم بالفم الملآن إن الخطر عليهم من داخلهم وليس من إيران، وهذا ما اعتبروه ثالثة الأثافي!
في البداية فرح السعوديون والخليجيون عموماً بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 تحت الفصل السابع، وهو قرار يُلزم الحوثيين بالعودة من حيث أتوا، والجيش اليمني بالعودة الى ثكناته، وبالدعوة الى إلقاء السلاح. لكن هذا القرار بقي حبراً على ورق على الرغم من كونه أقرَّ تحت الفصل السابع، فلم تجد السعودية جيشاً حليفاً يأتي اليها ليخوض حرباً برية في اليمن بحجة تطبيق ذلك القرار. الباكستانيون اعتذروا، والمصريون تهربوا، واليمنيون المتحالفون مع السعودية في داخل اليمن تبخروا، والرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند اللاهث وراء صفقات السلاح المليارية وعدهم بجنود سنغاليين لم يأتوا، وتنظيم «القاعدة» الذي كان في السابق يعمل بتطنيش من علي عبد الله صالح تقطعت به الحبال والسبل، فانكفأ في معظمه الى حضرموت حيث يقال إن السعودية تحاول من هناك تأسيس جيش يمني رديف يخوض عنها الحرب في داخل اليمن، وتحت عباءة الرئيس المنتهي الصلاحية العامل من منفاه السعودي، بحجة إعادة الشرعية.
بل إن ما أقلق السعودين أكثر أن الأمم المتحدة التي كانت ترعى الحوار اليمني، وكادت في عهد مبعوثها السابق جمال بن عمر أن تصل الى تفاهم بين مختلف الفصائل اليمنية حول «السلم والشراكة»، لحست قرار مجلس الأمن وفصله السابع ودعت الى لقاء جديد للحوار اليمني في جنيف من غير أي شروط مسبقة كتلك التي فرضها قرار الفصل السابع. بذلك تكون الأمم المتحدة قد نسفت مرجعية الرياض كأساس للحل اليمني، وأحلت مكانها مرجعية أخرى ووضعت قرار مجلس الأمن في خبر كان فلم يعد يصلح حتى كغطاء لتدخل خارجي ما في اليمن إذا وجدت جهة قابلة بهذا التدخل.
فلا عجب أن السعوديين ويمنييهم بقيادة عبد ربه منصور هادي أعلنوا على الفور رفضهم للقاء جنيف الأممي، ورفضهم لمشاركة إيران في أي لقاء يتعلق باليمن، باعتبار أن وكالة منصور هادي حصرية. والأوضح من ذلك أن الرئيس اليمني السابق اللاجىء في الرياض طالب بحوار جهوي بين الشمال والجنوب، فكان ذلك أوضح تصريح بالسعي الى تقسيم اليمن من جديد الى شمال وجنوب كما كان في زمن الإنكليز، لا كما انتهى اليه في زمن علي عبد الله صالح والأميركان من ورائه، بحيث أن محاولة الانفصال التي جرت بقوة السلاح في عام 1994 لم يُكتب لها النجاح لأنها جرت بدون موافقة أميركية. وبقي الحراك الجنوبي حركة بلا بركة حتى وهو في خارج اليمن يبشِّر بالانفصال.
والوضع كما هو الآن تتداخل فيه ثلاثة عوامل مقلقة للجانب السعودي:
العامل الأول، الضعف الميؤوس منه لحليفخم اليمني. ذلك أن الدمار الكبير الذي أحدثته عاصفة الحزم السعودية في اليمن، جعل جميع اليمنيين في داخل اليمن ينظرون نظرة عدائية تجاه أي يمني يتعاطى مع الرياض الى أي جهة انتمى والى أي فصيل سياسي انتسب. فعندما خرج السوريون من لبنان أو أخرجوا بقي أكثر من نصف اللبنانيين متعاونين معهم ويجاهرون بالولاء لهم. حتى أن مظاهرة 8 آذار الحاشدة التي قادها حزب الله وحلفاؤه في بيروت انطلقت تحت شعار «شكراً سوريا». لم يخرج أي يمني حتى الآن يشكر السعودية على حسناتها السابقة، وعلى الأرجح لن يخرح أحد، لأن الدمار الذي أحدثته «عاصفة الحزم» أزال كل المكرمات السابقة. فالقصف السعودي وحَّد اليمنيين بدل أن يفرِّقهم فعزَّ النصير داخل اليمن.
العامل الثاني، هو موقف الرئيس الأميركي باراك أوباما. لم يكتفِ الرئيس الأميركي بتصريحاته السابقة حول تشخيص المخاطر المحدقة بدول الخليج مستبعداً الخطر الإيراني، ولا بتلميحاته التطمينية الفاترة خلال لقاء كامب دايفيد مع المسؤولين الخليجيين، بل طرح مواضيع خطيرة في المقابلة التي أجرتها معه مجلة «أتلانتيك» الأميركية أخيراً وفيها تطرَّق الى المسعى السعودي للحصول على رادع نووي.  ومما ألمح اليه أوباما في هذا الصدد الى أن قيام السعودية بأي مجهود نووي من شأنه أن يؤدي الى فك التحالف التاريخي بين واشنطن والرياض. ومما زاد في الطين بلة تلميح أوباما الى إعجابه بالقدرات القتالية لحزب الله اللبناني، مما دفع البعض الى سحب ذلك على الحوثيين وأنصار الله في اليمن،بما ينبىء بالخشية من أن تبدِّل أميركا حلفاءها السابقين بحلفاء أكفأ وأنشط وأفتى بعد توقيع الاتفاق النووي مع إيران. 
العامل الثالث، هو ظهور بوادر صدوع في الصف الخليجي. من البداية اتخذت سلطنة عمان موقفاً مغايراً، بل هي طرحت نفسها وسيطاً محايداً لحل الخلافات اليمنية، باعتبار أن المملكة السعودية باتت طرفاً في الصراع القائم فلم تعد قادرة على جمع الشمل وقد نظر اليها جانب من اليمنيين على قاعدة «فيك الخصام وأنت الخصم والحكم». لم يعد بمقدور الخصم أن يكون حكماً. ثم بدأ الفتور يدب في بعض الدول الخليجية الأخرى مثل الكويت وقطر وربما دولة الإمارات أيضاً. بدأ هؤلاء يحسبون حساب المسافات. كل ابتعاد خليجي عن السعودية مهما كان ضئيلاً له من الآن وصاعداً حساب، إن لم يكن على الصعيد الداخلي فعلى الصعيد الإقليمي، وإن لم يكن على الصعيد الإقليمي فعلى الصعيد الدولي.
أما في اليمن ذاتها، فإن الطبيعة الجبلية للبلاد تجعلها عصية على الانكسار، ناهيك بالصبر التاريخي للناس على الويلات، وباحتراف الطبخ على الشمس قبل اللبناني عدنان الترسيسي وبعده. فالجبل كان النصير الأول للثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي، وجبال اليمن أصعب مسلكاً من جبال الجزائر. وفي الجبال بين الوديان والوعر، لا تنفع الآليات الحديثة. «الآليات» الوحيدة النافعة في الوعر هي الحمير والبغال. حتى أن ظهور البغال والحمير تصلح كمنصات لإطلاق الصواريخ الحديثة وغيرها من الأسلحة الأوتوماتيكية. في كهوف الجبال لا تنفع الطائرات، وفي مسالكها لا تنفع الدبابات، لأنها لا تستطيع أن تصل الى حيث الحاجة اليها.
والزمان في اليمن ليس له حساب على امتداده من اللحظة الى الدهر. ويقال إنه في العهد العثماني خطر لكاتب يمني أن يُصدر صحيفة من ورقة واحدة وجه منها باللغة العربية ووجهها الآخر باللغة التركية القديمة المكتوبة بالخط العربي، وسمَّاها «اليمن» وكتب تحت اسمها شعاراً على غرار شعار الصحافي كامل مروة لجريدته «الحياة» التي آلت الى السعوديين بشخص الأمير الجنرال خالد بن سلطان، والقائل: «قل كلمتك وامشِ». أما شعار الجريدة اليمنية العثمانية فيقول: «اليمن يمان تصدر كلما سنح الزمان». فالزمان في اليمن طويل وسوانحه بعيدة المدى.
في القديم، أي في الزمان الروماني، كان الرومان يقولون في سجلاتهم البحرية أن بحَّارة سفنهم المارة في اتجاه بحر العرب كانوا يشمُّون ويتنسمون روائح البن والبخور الصادرة من الشواطىء الجنوبية للجزيرة العربية على بعد عشرة أميال في داخل البحر قبل أن يشاهدوا اليابسة بأعينهم، فأطلقوا على اليمن العبارة اللاتينية (Arabia Felix) التي ترجمت تالياً الى عبارة «اليمن السعيد»، لكن الترجمة الأدق هي «العربية السعيدة»، باعتبارها أقرب العبارات الى «العربية السعودية». ومع ذلك فإن اليمن منذ المملكة الحميرية مروراً بمملكة الملك اليهودي ذو نؤاس الى اليوم عاش في الشقاء أكثر مما عرف السعادة، إلاَّ ربما في عهد بلقيس ملكة مملكة سبأ، أو كلما سنح الزمان!    
   

Saturday, May 30, 2015

ﻳﻘــﺎﻝ ﺃﻥ ﺍﻟـﻠﻐﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴـﺔ ﻏﺪﺭﺕ ﺑـ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ


ﻳﻘــﺎﻝ ﺃﻥ ﺍﻟـﻠﻐﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴـﺔ ﻏﺪﺭﺕ ﺑـ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﻓﻲ 6
ﻣﻮﺍﺿـﻊ، ﻭﻫــﻲ:
🔹ﺍﻷﻭﻝ : ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﻣﺎ ﺯﺍﻝ ﻋﻠﻰ ﻗﻴﺪ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ
ﻓﻴﻘﺎﻝ ﻋﻨﻪ ﺃﻧﻪ ”ﺣﻲ ”، ﺃﻣﺎ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﻋﻠﻰ ﻗﻴﺪ
ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ، ﻓﻴﻘﺎﻝ ﺃﻧﻬﺎ ” ﺣﻴـّﺔ .”
🔹ﺍﻟﺜﺎﻧـﻲ : ﺇﺫﺍ ﺃﺻﺎﺏ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ ﻭﺣﺪﻳﺜﻪ ﻳﻘﺎﻝ
ﻋﻨﻪ ﺃﻧﻪ ” ﻣﺼﻴﺐ”،ﺃﻣﺎ ﺇﺫﺍ ﺃﺻﺎﺑﺖ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻬﺎ
ﻓﻴﻘﺎﻝ ﺃﻧﻬﺎ ”ﻣﺼﻴـﺒﺔ .”
🔹ﺍﻟﺜﺎﻟـﺚ : ﺇﺫﺍ ﺗﻮﻟﻰ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﻣﻨﺼﺐ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﻳﻘﺎﻝ ﻋﻨﻪ
” ﻗﺎﺿﻲ”،ﺃﻣﺎ ﺇﺫﺍ ﺗﻮﻟﺖ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﻤﻨﺼﺐ ﻳﻘﺎﻝ
ﺃﻧﻬﺎ ”ﻗﺎﺿﻴﺔ ” ،ﻭﺍﻟﻘﺎﺿية ﻫﻲ ﺍﻟﻤﺼﻴﺒﺔ ﺍﻟﻌﻈﻤﻰ ﺍﻟﺘﻲ
ﺗﻨﺰﻝ ﺑﺎﻟﺸﺨﺺ ﻓﺘﻘﻀﻲ ﻋﻠﻴﻪ.
🔹ﺍﻟﺮﺍﺑـﻊ : ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﻟﻠﺮﺟﻞ ﻫﻮﺍﻳﺔ ﻳﺘﺴﻠﻰ ﺑﻬﺎ ﻓﻴﻘﺎﻝ ﻋﻨﻪ
” ﻫﺎﻭ” ،ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻤﺮﺃﻩ ﻳﻘﺎﻝ ﻋﻨﻬﺎ ”ﻫﺎﻭﻳﺔ ” ‏(ﻭﺍﻟﻬﺎﻭﻳﺔ ﻫﻲ
ﺃﺣﺪ ﺃﺳﻤﺎﺀ ﺟﻬﻨﻢ ﻭﺍﻟﻌﻴﺎﺫ ﺑﺎﻟﻠﻪ‏).
🔹ﺍﻟﺨﺎﻣـﺲ : ﺇﺫﺍ ﺩﺧﻞ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﺠﻠﺲ
ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﻲ ﻳﻘﺎﻝ ﻋﻨﻪ ”ﻧﺎﺋﺐ ”، ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﻓﻴﻄﻠﻖ ﻋﻠﻴﻬﺎ
” ﻧﺎﺋﺒﺔ” ‏(ﻭﺍﻟﻨﺎﺋﺒﺔ ﻫﻲ ﺃﺧﺖ ﺍﻟﻤﺼﻴﺒﺔ‏)
🔹ﺃﻫﻢ ﻭﺍﺣﺪﺓ ‏(ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﻳﺘﺒﻊ ﻟﻤﺬﻫﺐ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﺃﺑﻮ ﺣﻨﻴﻔﺔ
ﻓﻬﻮ ‏(ﺣﻨﻔﻲ) ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﻓﻬﻲ ‏(ﺣﻨﻔﻴﺔ‏)☔😝😝😝

Wednesday, May 27, 2015

دعوة جامعة الحكمة بشخص رئيسها الاب كميل مبارك لتكريم المطران جورج خضر

يتشرف المونسنيور كميل مبارك
رئيس جامعة الحكمة ورئيس جمعية لقاء العُمرين
بدعوتكم الى احتفال نكرّم فيه معا"

سيادة المطران جورج خضر الجزيل الإحترام
متروبوليت جبيل والبترون وما يليهما (جبل لبنان)
يوم الثلثاء 2 حزيران 2015 الساعة السادسة مساء"
في قاعة الإحتفالات في جامعة الحكمة - فرن الشباك

يشترك خطيبا" في التكريم كلٍ من:

سيادة المطران بولس مطر السامي الإحترام
دولة الرئيس إيلي الفرزلي المحترم
تليهما كلمة المحتفى به
وبالمناسبة ترنيمة من كلمات المطران جورج خضر -إداء رونزا-الحان سمير طنب
                                                                     في الختام نخب المناسبة

Sunday, May 24, 2015

نقولا الفرزلي ورفاقه






كتّاب لبنانيون يواجهون الازمات بـ «العروبة»
النسخة: الورقية - دوليالنسخة:الإثنين، ٢٥ مايو/ أيار ٢٠١٥ (٠١:٠)
آخر تحديث: الإثنين، ٢٥ مايو/ أيار ٢٠١٥ (٠١:٠)بيروت - «الحياة» 
في وقت تعيش المنطقة العربية تحولات مصيرية وصعبة سبّبتها لوثة التعصّب والطائفية وبعض القناعات الإيديولوجية، إضافة إلى التحديات الاقتصادية والاجتماعية، والتدخلات الإقليمية والدولية، يدرك بعض المفكرين والسياسيين العرب الحاجة الماسة لعودة مواطني العالم العربي إلى هويتهم وقضيتهم وعروبتهم التي يمكن من خلالها ردم الهوّات التي خلّفتها المشاكل والخلافات بين أبناء الوطن الواحد.
وفي هذا السياق، يأتي كتاب «العروبة ولبنان» ليُعيد الانتباه إلى قضية العروبة التي قد تنقذ العرب من أزماتهم العصيبة.
يجمع هذا الكتاب مجموعة مقالات لأربعة من الكتّاب والباحثين والسياسيين الذين آمنوا بعروبة أمتهم وناضلوا في سبيل تحقيق أهدافها، وهم نقولا الفرزلي، رغيد الصلح، عاصم قانصوه، واصف شرارة. ورأوا أنّ حلّ مشاكل الأمة لا يمكن أن يكون خارج العروبة، وأنّ فلسطين هي القضية المركزية لنضال الأمة وهي البـــوصلة التي يمكن من خلالها تحديد الاتجاه الصـــحيح، فالمقالات التي يضمها الكتاب تتمحور حــــول العروبة أولاً وأخيراً، في زمن يستهدف المشروع السلفي المتطرف العروبة ويعتبرها الخصم والعدو.
واتـــباع هذا المشروع يقاتلون العروبة في كل أقطار العالم العربي، من لبنان إلى سورية، ومن العـــراق إلى مصر واليمن، ومن البحرين إلى الجزائر وتـــونس، ناهيك عن ليبيا، أمّا فلسطين فلا وجود لها في قامـــوسهم، لذلك يتمسك هؤلاء الكتّاب بعروبتهم متيقنين أنها ستكون طريق خلاص لأمّة غارقة في مآسيها، فالتطورات والأحداث تؤكد أنّ العروبة هي الحلّ لكلّ قضايا العرب الراهنة، سواء على المستوى السياسي أو على المستوى التنموي، فالفكر العروبي فكر كلّي وشامل، إضافة إلى أنّ العروبة والإسلام دعامتان قويتان متكاملتان في أبعادهما الحضارية. علماً أنّ من الضروري التفريق بين الإسلام كرسالة حقّ وعدالة ومساواة بين البشر، وبين الإرهاب المسخّر تحت عباءة هذا الدين لسياسات ومخططات خارجية عدوانية لا تمتّ إلى الدين بصلة.
أمّا الرهان الذي يُقدّمه مؤلفو هذا الكتاب فيبقى على الإنسان العربي المؤمن بوطنه وأمته، ذلك الإنسان المقاوم والمثقف، المُسلّح بالعلم والمعرفة والإدراك في تثبيت الوحدة الوطنية داخل كلّ بلد عربي، وعلى امتداد العالم العربي في المحافظة على سلامة الرؤية وسلامة المصطلحات وبلوغ الأهداف السامية.
نقولا الفرزلي، مهندس مدني متخرج في الجامعة الأميركية- بيروت، تابع دراسته في أميركا، وانتخب رئيساً لمنظمة الطلبة العرب في الولايات المتحدة ثمّ عضواً في القيادة القومية وأمين سرّ للقيادة القطرية لحزب العربي العربي الاشتراكي في لبنان، أسّس داراً للنشر باسم «منشورات العالم العربي» بغية نقل جزء مهم من التراث الفكري العربي إلى لغات أجنبية.
وعاصم قانصوه، نائب ووزير لبناني سابق، حاصل على شهادة دكتوراه في هندسة البترول/ علم جيولوجيا تحت إشراف الأونيسكو. رغيد الصلح كاتب مستقلّ ومستشار في الشؤون الإقليمية، حاصل على شهادة دكتوراه في العلاقات الدولية، له مساهمات منتظمة في أكثر من صحيفة، مثل «الحياة» و«الخليج» و«العربي»، ومن مؤلفاته: «لبنان والعروبة: الهوية الوطنية وتكوين الدولة»، «الديموقراطية التوافقية ضمن سياقها الدولي واللبناني». أما واصف شرارة، فهو عضو اتحاد الكتاب اللبنانيين، صدر له «خواطر للأرض والمقاومة»، «خواطر للوطن والأمة»، «قضايا وآراء في السياسة والإنماء والاقتصاد».


Friday, May 15, 2015

«المستنقع اللبناني» في أوراق رامسفيلد الديبلوماسية يتغيَّر كلُّ شيء ولا شيء يتغيَّر!

addiplomasi
«المستنقع اللبناني» في أوراق رامسفيلد الديبلوماسية

يتغيَّر كلُّ شيء ولا شيء يتغيَّر!



في أواخر عام 1983 أوفد جورج شولتز، وزير الخارجية الأميركي في إدارة الرئيس رونالد ريغان، مبعوثاً خاصاً الى لبنان والمنطقة لتقصِّي الأوضاع هناك. والمبعوث هذا هو دونالد رامسفيلد الذي كان وزيراً للدفاع في إدارة الرئيس جيرالد فورد، ثم أصبح لاحقاً وزيراً للدفاع في إدارة الرئيس جورج دبليو بوش يوم تقرر غزو العراق وإطاحة نظام صدام حسين عام 2003، فكان أصغر وزراء الدفاع سناً في تاريخ الولايات المتحدة في ولايته الأولى، وكان أكبر وزراء الدفاع سناً في تاريخ أميركا في ولايته الثانية. وقد حصل «الديبلوماسي» على التقارير التي أرسلها المبعوث الخاص رامسفيلد الى عناية وزير الخارجية الذي أوفده من دون إطلاع أحد عليها. وقد أكد رامسفيلد على «حصرية» الإطلاع هذه بوضعه خطَّاً تحت عبارة «لك شخصياً فقط» في تقريره الى شولتز (for you only )، واصفاً التقرير بأنه «أفكار عشوائية» تحت عنوان «المستنقع». والملفت بنوع خاص في تقارير رامسفيلد المقارنة التي ساقها حول دور أميركا في فيتنام ودورها في لبنان، مما يستدعي ملاحظة أخرى في هذا السياق، وهي أن حرب لبنان التي اشتعلت عام 1975، بدأت في الوقت الذي انتهت فيه حرب فيتنام، وكل منهما استمر خمسة عشر عاماً بالتمام والكمال. وفي ما يلي نص التقرير المؤرخ في 23 تشرين الثاني/نوفمبر 1983 (يوم عيد الاستقلال اللبناني) حسب العناوين التي اختارها رامسفيلد، والمتضمنة توضيحات معينة من «الديبلوماسي» حيث استدعت الحاجة:

مشاورات بشأن «القوات المتعددة الجنسيات»
تمّت المشاورات مع شركائنا في القوات المتعددة الجنسيات أثناء توقفي في لندن وباريس وروما كما كان متوقعاً.
وكانت زياراتي في قبرص مع سفراء أميركا الى لبنان، وسوريا، وإسرائيل، وفي روما مع سفيرينا الى العراق وتركيا، مفيدة. إنهم ديبلوماسيون محترفون ومتعاونون. وربما قمت بين حين وآخر بجمع بعضهم في مجموعات صغيرة للوقوف على أفكارهم.

لبنان
إن الخلاصات التي تلقيتها منهم لم تهيأني لتلقي الأحمال الثقيلة التي ألقاها الجميِّل (الرئيس أمين الجميِّل) على عاتقي خلال أول لقاء لي مع أحد قادة الشرق الأوسط بصفتي المبعوث الجديد (والأخير في سلسلة طويلة من المبعوثين الأميركيين) الى الشرق الأوسط. إنني أتساءل ما إذا كانت قيمة المبعوثين الأميركيين الى الشرق الأوسط قد أخذت تتلاشى. ومن الواضح أن هؤلاء القوم لم يسمعوا بعبارة «فترة شهر العسل». لقد صعقني وصدمني ما أبداه الجميِّل من عواطف. وفي اللقاء الذي استأثر بمعظمه تكلَّم لفترات طويلة. وفي فترات أخرى استرخى وتكلم بلهجة المتفكِّر. ولست أعرف حتى الآن ما الذي دفعه الى إفراغ مكنوناته كما فعل. قد يكون مخلصاً في ذلك. وربما كان يحاول استمالة رد فعلي أو «تلييني». ويخطر بالبال أنه انفعل عاطفياً بسبب إلغاء زيارته الى دمشق، لكنني أشك في ذلك. الأرجح في نظري أنه كان يمهِّد لإلقاء اللوم علينا إذا كان يفكِّر بتغيير موقفه من سوريا. كذلك يمكن القول بأنه يسير نحو نهاية شوطه.
إن رسائل الجميِّل لي تطرح قضايا لزيارته المقبلة الى الولايات المتحدة، مما يقتضي النظر فيها بحيث يتاح للرئيس ريغان الوقت الكافي لتحضير الجميِّل لتلقِّي النتيجة التي تفضِّلها، وبما يساعد على الربط بين زيارتي الجميِّل وشامير. وغني عن القول إنه من الأفضل اجتناب أي ثغرات كبيرة بين توقعاته وبين ما هو مرجح أن يتحقق.
دخلت الى الاجتماع مع الجميِّل ورأيي فيه أعلى كثيراً مما خرجت به. إنني معجب به لأنه باق في بيروت بدل أن يكون على «الريفييرا الفرنسية»، لكنني أرى فيه مرونة أكثر مما أرى صلابة، وغريزة المبادلة والمتاجرة لديه أقوى من الإرادة، وفيه رخاوة أكثر من الشدة. وهذه الصفات ليست الصفات التامة لتستقطب حولها أمة أنهكتها الحرب. لكن، من جهة ثانية، فإن فرز قطعة من الأرض والإعلان من فوقها: «هنا أقف ولا أتزحزح»، قد لا يكون الطريق الصحيح في لبنان. ربما كان مطلوبه من المساومة الرغبة في أن «يلعب اللعبة» مع الوقت.

دروس مستقاة حديثاً
لا يسعني إلاَّ أن ألاحظ بعض التشابهات بين وضع الولايات المتحدة في لبنان ووضعها في فيتنام. ومع أنها لم تركع على ركبتيها تماماً، فإن هناك بعض التشابهات، منها:

> درجة ما لدينا من التأثير والاستثمار (الناس، المال، النفوذ)، في بلد لا نعرف عنه سوى القليل.

> التزامنا في منطقة يعرف المتعاملون معنا منهم، وأصدقاؤهم وأعداؤهم، بأننا لن نحترمه وتساورهم شكوك بأننا لن نبقى هناك.

> مثل حالنا في فيتنام، هناك قلة قليلة تسائل نوايانا مساءلة صادقة وأمينة، لكن قدرة الولايات المتحدة على تحقيق النتائج المرجوة تبقى محدودة.

> هناك مسألة ما إذا كانت الولايات المتحدة تدرِّب وتجهِّز الجيش اللبناني لخوض حرب خاطئة. لم أصل الى استنتاج، لكنني سوف أنظر في الأمر.

> التدخل المستمر من دول الجوار.

> التغيير السريع للاعبين الأميركيين (وزير الخارجية، مستشارو الأمن القومي، المبعوثون الى الشرق الأوسط، السفراء، الموظفون العسكريون، الخ...). ومع كل التخفيضات المطلوبة، ضاعت فرص، وتكررت أخطاء، وحدثت سقطات. يضاف الى ذلك، وهو أمر مفهوم، الشعور المرافق الذي يتكون هنا عن انعدام الجدية والثبات من جهة الولايات المتحدة. 

> أثار قائد عسكري محلي أساسي متعاطف مع الولايات المتحدة سؤالاً حول «من في جيب من»، وحتماً هناك أسئلة يطرحها البعض حول ما إذا كان هذا القائد قد يشكِّل تهديداً أو يشكِّل بديلاً. («الديبلوماسي»: ربما كان رامسفيلد يقصد بهذا الكلام العماد ميشال عون الذي تم تعيينه قائداً للجيش اللبناني بعد نحو ستة أشهر من تاريخ هذا التقرير وتحديداً في 23 حزيران/يونيو 1984).

> شعور بأنه في حال انسحابنا سوف يغرق المتعاملون معنا، ومعهم مصالح الولايات المتحدة في المنطقة.  

> علاقة مستعصية (Catch22 ) بين الحاجة الى النجاح العسكري وتحقيق الشعبية لدعم الحكومة، والعكس بالعكس.

> الرغبة في تغيير موازين القوى على الأرض من أجل إيجاد استقرار كاف لتحقيق التماسك السياسي وتغيير أفكار العدو، لكن ذلك دونه موانع سياسية (الكونغرس، حلفاؤنا في القوات المتعددة الجنسيات، الخ...).

> وجود كونغرس متقلِّب يبعث بإشارات ملتبسة حول قدرتنا على البقاء، وسلطة تنفيذية غير موحَّدة تبعث بإشارات متعددة في السر وفي العلن، بالقول وبالفعل.

> رغبة دفينة لدى الطرفين في أن يكون هناك «قنصل» أو وصي أميركي («الديبلوماسي»: كما جرى فيما بعد مع غازي كنعان السوري وليس الأميركي) مع ما يرافق ذلك من الضعف المحتوم والشلل الذي يصيب المحكومين من جراء أحكام الضبط والسيطرة.

> تعقيدات وتداخلات في مواقع السلطة وتسلسل الأمرة على الصعيدين العسكري والمدني مع كل ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر.

> كثرة عدد المبعوثين الزائرين (كثيرون جداً، أكثر من اللزوم).

> جعبة هزيلة من السهام، بعضها مثلوم، وبعضها طري، وليس «بين بين» سوى قلة ضئيلة جداً. حالة أشبه بمن يبني بيتاً باستخدام المطرقة والمنشار بدلاً من عدة بناء كاملة. 

> في مقابل خصم لا يعرف التحريم والتحليل، وصبره لا ينفد، ولا روادع داخلية له (الكونغرس، والصحافة، الخ...) بالنسبة الى الوسائل التي يختارها (الحرب، الإرهاب، الاغتيال، الخ...)

لا يجوز أن نبالغ في هذا التناظر، لكنه أمر جدير بشيء من التأمل، لا بسبب خطر جرِّنا الى حرب برية، لكن بسبب الاحتمالات العديدة لإلحاق الأذى بأنفسنا وبآخرين من جراء الخطأ، أو عدم اليقظة، أو عدم الدقة في الحساب. إن ما تسير عليه أميركا من نوايا حسنة، وحدس مرهف، ومنطق قاطع، هو وصفة للمتاعب في منطقة عديمة الرهافة في الحدس وقلما عرفت المنطق كما عرفناه في إطارنا نحن. من جهة كان الضرر بالغاً. ومن جهة ثانية، تنبئني حاسة الشم لدي بأن الاحتمالات تتراكم بقوة ضدنا هنا. كم كنت أتمنى لو أننا لم ندخل الى هنا. إننا بحاجة الى البحث عن طريقة معقولة للانسحاب بوقار.
إن التنسيق بين الجوانب السياسية والعسكرية في أي عملية أميركية هو أمر صعب دائماً. وأملي أن تكون خطوط الاتصال العسكرية المتعددة على موجة واحدة (منظمة استيعاب المعلومات للوكالات الدفاعية، القوات البرية، الارتباط بالقيادة الأوروبية «يوروكوم»، مكتب التعاون العسكري، ممثل رئيس هيئة الأركان المشتركة)، وأن تكون تلك هي الموجة الصحيحة. ويبدو أن الولايات المتحدة قد عدَّلت تدريب الجيش اللبناني من حالة التعامل مع الميليشيات المسلحة الى نطاق أوسع من العمليات ضد وحدات أكبر بكثير. وأتساءل ما إذا كنا نعدُّهم للقتال في الحرب الصحيحة.

تقول لي عيني غير المدرَّبة أن وقف إطلاق النار الحالي هو مشكلة (وإن كان أفضل الممكن في حالة بالغة الصعوبة). كل الجهات تخرقه ما عدا الجيش اللبناني. فالخطوط الحالية غير مؤاتية لجهود الحكومة الهادفة الى بسط الأمن في بيروت، وهو أمر حيوي وحاسم لبقاء لبنان. وقد يتعين على الجيش اللبناني، أو أي جهة أخرى، تطويق بيروت وتنظيفها من المتسللين من أجل كسب الوقت للنظر في الوسائل الآيلة الى انسحاب القوات السورية والإسرائيلية. 

لقد صعقني ما صنعناه أو سمحنا بنشوئه من اتكال لبناني علينا، سواء كان ذلك عمداً أو سهواً. وقد أبلغني بعضهم أن علينا نحن أن نختار أعضاء الحكومة الجديدة. في رأيي، نحن نجازف بأن نكون مثل طبيب من الهواة يقوم بجراحة معقدة في الدماغ.

إن مستوى الالتزام الأميركي المطلوب من الحكومة اللبنانية يتجاوز، في الوقت الحاضر على الأقل، استعداد الشعب الأميركي والكونغرس لدعمه على أساس مستدام. فإذا كان الأمر كذلك، فإن الشعب الأميركي، واللاعبون الرئيسيون في الحكومة اللبنانية، وأعداؤهم، سوف تتبين لهم تلك الثغرة سريعاً، مع ما يرافق ذلك من مصاعب واضحة. إن السياسة الخارجية الأميركية يجب أن تكون متوطدة لدعم الشعب وإلاَّ فإنها ليست سياسة، بل هي مجرد انحراف أو زيغ مؤقت. وفاتحة الأمر إظهار أقصى درجة من الوضوح حول ما نفعل، ولماذا نفعله، وما هي التضحيات، ولماذا يستحق ما نقوم به تلك التضحيات، وما إذا كانت له حظوظ معقولة من النجاح.

إن إبقاء أمين الجميِّل في حيِّز «الخيارات الأميركية» (وهذا التعبير له)، يُحتِّم علينا الاستمرار في دعمه، وتكبُّد الضحايا، وإظهار القدرة الأميركية على البقاء. وعلى الرغم من أن ساعة «قرار صلاحيات الحرب» اقتربت أن تدق، فإن علينا أن نبقي القوات البرية الأميركية في «المتعددة الجنسيات» على أهبة الاستعداد في خنادقها (ولا تعود أدراجها كما حصل)، آملين أن تكون للإسرائيليين والفرنسيين الصلابة المطلوبة في مناسبات مختارة. ويمكننا، لو رغبنا، أن نزيح الجميِّل من «الخيار الأميركي» في اللحظة المناسبة ونلقيه في «الخيار السوري» أو في «الخيار الإسرائيلي»، وكلاهما لا يناسب أهدافنا المعلنة. («الديبلوماسي»: قرار صلاحيات الحرب المشار اليه في تقرير رامسفيلد War Powers Resolution  هو قرار فدرالي يحد من صلاحية الرئيس الأميركي في إقحام القوات العسكرية الأميركية في النزاعات المسلحة من دون موافقة الكونغرس المسؤول عن إعلان الحرب بموجب القانون. لكن القانون يسمح للرئيس بإرسال القوات المسلحة للقتال خارج الولايات المتحدة على أن يبلغ الكونغرس بذلك في غضون 48 ساعة، وشرط أن تعود الى البلاد خلال ستين يوماً فقط مع فترة انسحاب لا تتعدى 30 يوماً إضافية).

الانسحاب من المستنقع اللبناني
ربما كان المسيحيون اللبنانيون يرون تقاطعاً في المصالح مع السوريين أو مع الإسرائيليين أو مع كليهما. فإذا تحرَّك الجميِّل في أي من هذين الاتجاهين فإن ذلك قد يؤدي الى نوع من التقسيم في الشمال أو الجنوب، لكنه يؤمن مظلة واقية (سورية أو إسرائيلية) لما يتبقى من لبنان. ولمَّا كانت سوريا تحترم إسرائيل (حتى لو أنها لا تبدي الاحترام لنا)، فإن «الخيار الإسرائيلي» له حظ أوفر من الديمومة. أما الحكومة اللبنانية فيجدر بها أن تتمسك بالخيار الأميركي فقط إذا ارتأينا أنه بإمكاننا إدامة حضور لقواتنا البرية يكون ثابتاً وصبوراً ومتأهباً. (أن نكون حذرين في شأن انسحابنا من نقاط التفتيش المهدَّدة، ووضع مراكز قيادة مشاة البحرية (المارينز) في عرض البحر بعيداً عن الشاطىء، وما الى ذلك، وإذا كان بمقدور الولايات المتحدة أن توطد العزم على التصرف بقوة في مناسبات مختارة (وهذه النقطة تبدو عرضة للنقاش).
لم تكن صياغتي جيدة لهذه الأفكار حول لبنان، لكن مهما تم تزيينها فإنها لن تكون خياراً سهلاً، بالنظر الى القيود المفروضة من الكونغرس، وتشبه تشابك خيوط «غزل البنات» الرفيعة، التي تقيِّد وتكبح أي عمل فعَّال تقوم به السلطة التنفيذية، وبالنظر الى أن السوريين أصبحت لديهم الدراية المتقدمة ليعرفوا ذلك. فقد أبلغني أحد الأردنيين أن السوريين قد حلَّلوا قانون صلاحيات الحرب الأميركي بالإضافة الى الأحكام القضائية ذات الصلة التي أصدرتها المحاكم حول الفيتو التشريعي. إنه من الأفضل لنا أن نتدبر أمر انسحابنا من هذا المستنقع.

لبنان (من جديد)
في اجتماعنا الثاني بعد أسبوع بدا الرئيس الجميِّل متعباً شارد الذهن. ظهر عليه تبرُّم من إسرائيل أكثر من تبرُّمه بسوريا. كان قد عاد لتوِّه من المملكة السعودية، وكان شديد الحساسية حول ترميم مكانته العربية. وزيارته الى واشنطن سوف تؤثر في حسم مسألة على أي جانبيه يميل عندما يغادر عائداً الى بيروت. فإذا عاكسته كل الرياح فإنه سوف يخسر أتباعه. كان طبعه أكثر تحفظاً  مما كان عليه في اجتماعي الأول معه، لكن بدا يركِّز على الأمور التي تضايقه أكثر من تركيزه على الخطوات التي ينوي اتخاذها بشأنها. يبدو أنه يركز على تضايقه من الماضي أكثر من تركيزه على الخطوات المتوجب اتخاذها لتحسين الأحوال. شعوري أنه يحادث السوريين. شعر أن زيارته الأخيرة الى واشنطن لم تكن مثمرة، وحيث كانت ذات مضمون فإنها لم تركِّز على القضايا الأساسية ذات الصلة. إنه يبحث عن جواب بسيط سهل ـ القوة الأميركية على المنوال الذي اقترحه ملك الأردن. إنه يقاوم المصالحة السياسية وتشكيل حكومة وحدة وطنية، ربما بسبب ضغط جماعته. لكن هذا يجب أن يحدث وعلينا أن ندفعه في هذا الاتجاه.

مصر
كان اللقاء مع مبارك («الديبلوماسي»: الرئيس المخلوع حسني مبارك) مفاجأة. من اللحظة التي دخلت فيها تقدم مني وكأنه من شرطة مكافحة الشغب، ومعه لائحة طويلة من الشكاوى والمنغصات والشكوك التي أراد أن يزيحها عن صدره. لكن حدة اللهجة في تعليقاته اضطرتني الى دحض بعض ادعاءاته الجدية. كانت مقاربته، بالكلمات التي اختارها والأسلوب الذي اعتمده، تنبىء بأنه لا يكنُّ احتراماً كبيراً للولايات المتحدة.، وبأن لديه شعوراً بالخذلان، أو على الأقل خيبة الأمل بالولايات المتحدة. إنها ليست وضعية مفرحة. على أنني يجب أن أشير الى أن انطباعاتي الشخصية لا تتوافق مع البرقية الأخيرة من سفارة القاهرة وتتضمن خلاصة أدائها خلال فترة خدمة آثرتون. («الديبلوماسي»: يشير رامسفيلد هنا الى ألفرد روي آثرتون السفير الأميركي في القاهرة، وهو ديبلوماسي محترف في الخارجية الأميركية عمل سفيراً في القاهرة من 1979 الى 1983 فخدم بالتساوي بين رئاستي السادات ومبارك. وقبل ذلك عمل مساعداً لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى من 1974 الى 1978. وقد توفي السفير آثرتون في عام 2002).

إسرائيل
لا مفاجآت. يبدو أن شامير («الديبلوماسي»: رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك اسحق شامير) يتمتع بصلابة حديدية تحتاجها بلاد بهذا الحجم والتاريخ. وبالنظر الى صلابة الأسد («الديبلوماسي»: الرئيس السوري حافظ الأسد) وتصميمه وقوة عزيمته، فإن إسرائيل محظوظة بوجود شامير، لكن هذا لا يعني أن المصالح الأميركية والإسرائيلية متطابقة دائماً. إن تعليقات الجميِّل («الديبلوماسي»: الرئيس اللبناني أمين الجميِّل) تثير قضايا يجب بحثها تمهيداً لزيارة شامير. ومن المفارقات الإشكالية، أنه («الديبلوماسي»: أي الرئيس أمين الجميِّل) قلق من التعاطي المباشر مع إسرائيل لأنه كما قال لي: «إسرائيل تستطيع أن تأكلني مثل لقمة الخبز».
يقلقني مفهوم «التعاون الاستراتيجي الأميركي مع إسرائيل» («الديبلوماسي»: يكتب رامسفيلد، كما هو معروف، بأسلوب يتداخل فيه الغموض الشفاف، حمَّال الأوجه، مع الوضوح الفاضح. وفي هذا المقطع، ومن غير أن يقول ذلك، يبدو أنه يشير الى سماعه العبارة المذكورة من الرئيس اللبناني أمين الجميل، لأنه وضعها بين مزدوجين كاستطراد لما نقله في الفقرة السابقة عن لسان الجميِّل). إنني لا أفهم ماذا تعني، أو ماذا نعطي وماذا نأخذ منها. هذا غير مسعف في تلك المنطقة. فإذا حصلنا من إسرائيل علىقرار بتجميد بناء المستوطنات أو أي اختراق كبير آخر في إطار عملية السلام، فإنني أرى المنطق في هذا الكلام. أما فيما عدا ذلك، فإنني أظن أن العبء سوف يكون أكبر من المنافع، ومسألة المبادلة أمر بحاجة الى نقاش. («الديبلوماسي»: استخدم رامسفيلد في هذه العبارة الأخيرة كلمة Reciprocity الإنكليزية، وهي تعني تبادل المنافع أو المعاملة بالمثل، أو رد التحية بمثلها).
 
المملكة العربية السعودية
لا مفاجآت. كان الملك ودوداً. آمل أن نصل الى نقطة يمكنهم معها مساعدتنا على ردم الهوة، البوصات الست الأخيرة («الديبلوماسي»: يقصد رامسفيلد بذلك المرحلة الأخيرة المتبقية من عملية السلام مع إسرائيل). وأملي إذا استطعنا تحقيق ذلك أن تدب فيهم («الديبلوماسي»: أي في السعوديين) الشجاعة الكافية لتقديم العون اللازم. على أن الأمرين كليهما («الديبلوماسي»: أي الشجاعة والمساعدة) سؤال مفتوح جداً.

تركيا
يتغيَّر كل شيء ولا شيء يتغيَّر. بعد مضي تسع سنوات عادت الينا مشكلة قبرص. («الديبلوماسي»: يقصد رامسفيلد الفترة الممتدة من الاحتلال التركي لشمال جزيرة قبرص عام 1974 في عهد حكومة بولند أجاويد وحتى زيارته التي يتناولها في تقريره هذا عام 1983). لقد تصرَّفت بموجب تعليمات الحكومة الأميركية (لاحظت أوجه الشبه مع الموقف السوفياتي). أعتقد أن في يدنا سمكة أكبر نقليها، وأملي أن نتذكر أن اليونانيين ليسوا فوق الملامة، وأن تركيا تنتقد الولايات المتحدة. («الديبلوماسي»: يبدو أن رامسفيلد بإلقائه الملامة على اليونانيين، أراد تبرير سياسة التمسك بتركيا، وهو ما قصده على الأرجح بعبارته «السمكة الأكبر» المتاح قليها، وهذا تعبير شعبي أنكلو ـ أميركي لوصف غنيمة دسمة أو منفعة وازنة). على وزارة الخارجية أن تبادر الى العمل بشأن قبرص للحد من الضرر اللاحق بعلاقتنا مع تركيا. وفي حين أن ذلك لا يسعفنا في الشرق الأوسط، فإن اختياري لنقل الرسالة لم يكن اختياراً سيئاً لأن الأتراك يعرفون أنني صديقهم وأنا أقر بذلك. ومع أن الاهتمام بالمشكلة القبرصية الآن هو حرف للأنظار، فقد كان اجتماعنا جيداً حول مصالح تركيا في الشرق الأوسط. («الديبلوماسي»:حبذا لو أن رامسفيلد تناول مسألة مصالح تركيا في الشرق الأوسط بشيء من التفصيل أو التوضيح، لأن ذلك من شأنه أن يلقي بعض الضوء على التطورات الجارية الآن في المنطقة، وخصوصاً في سوريا والعراق، الجوار العربي المباشر لتركيا). 

الأردن
إنهم («الديبلوماسي»: أي الأردنيون) ضد السوريين، ويشعرون أنه إذا زال لبنان تصبح الولايات المتحدة خارج الشرق الأوسط، فتستدير سوريا نحو الأردن وتستهدفه في الطريق الى المملكة العربية السعودية. يشعر الملك(«الديبلوماسي»: يقصد الملك حسين بن طلال) بشيء من «القرف» من البلدان الخليجية المجاورة التي تطعم التمساح (سوريا وليبيا) على أمل أن يجعلهم آخر ضحاياه، لكنه لا يرى إمكانية معارضة السياسة السورية الناجحة في ابتزازهم. هو يشعر أنه ليست للولايات المتحدة سياسة. إنه يتبع نهجاً حكيما بتقوية علاقاته مع كل من مصر وتركيا. امتعض الملك من تأخر الولايات المتحدة في الإجابة عن رسالته، وهو أمر يوليه أهمية كبيرة، وقد مضى عليها خمسة أسابيع (حتى الآن). («الديبلوماسي»: لم يتطرق رامسفيلد الى مضمون رسالة الملك حسين الى الحكومة الأميركية، ولم يذكر تاريخها، وهو على الأرجح في أواخر شهر أيلول/سبتمبر 1983 أو مطالع شهر تشرين الأول/أكتوبر من تلك السنة إذا أخذنا بالاعتبار فترة الخمسة أسابيع التي ذكرها رامسفيلد، لكن عبارته الأخيرة «حتى الآن» تشير الى أن الأميركيين ليسوا في وارد الاهتمام بها أياً كان مضمونها، كما تبيِّن أن رامسفيلد لم يطَّلع على مضمون تلك الرسالة، إلاَّ بمقدار ما سمعه عنها من الملك حسين).

سوريا
كان الرئيس الأسد في المستشفى. قابلت وزير الخارجية عبد الحليم خدام. إنهم لم يتزحزحوا قيد أنملة، وهم مهرة بصورة مذهلة في التمسك بأي ذريعة لتبرير موقفهم وزيادة الضغط على الحكومة اللبنانية والولايات المتحدة. القادة السوريون صبورون جداً، وقساة لا يرحمون. فإذا كان الجميِّل يخشى أن تبتلعه إسرائيل «مثل لقمة من الخبز»، فإن السوريين قادرون على ابتلاعه مثل «فرمة بطاطا». والى أن نتبصَّر في خطتنا بدقة، يلزم الولايات المتحدة أن تبعث الى سوريا بإشارة واحدة ثابتة قوامها التصميم والصبر.    
إننا بحاجة الى التكلم بصوت واحد، وهذا ما لا نفعله الآن. علينا أن نواصل الحوار على أن لا ننحني بوصة واحدة قبل أن نقرر أي طريق نتحرك فيه. ربما يمكنك أن تخفف قليلاً من طاقم السفارة في دمشق.

أفكار شتَّى
أظن أنه يجب علينا أن نخفف قبضتنا عن الشرق الأوسط بعناية فائقة حتى لا نزعزع الأمور أكثر. علينا أن نحاول ما يلي:

> أن نضيِّق الفجوة بعض الشيء بين الانطباع الحالي المنفوخ والمضخَّم عن قدراتنا، وبين ما يبدو أنه الواقع الفعلي.

> أن ننقل الإطار من الوضع الراهن حيث كل الأطراف تبلغنا أن الذنب ذنبنا، ويُظهرون غيضهم لأننا لا نفعل كذا أو كذا، الى إطار يقوم على جعل كل الأطراف تخطب ودنا وتسعى الى نيل مساعدتنا.

> لا يجوز لنا أبداً وعلى الإطلاق أن نستخدم في المستقبل قوات أميركية كقوات لحفظ السلام. إننا هدف كبير جداً. (فلندع الفيجيين والنيوزيلانديين يفعلون ذلك). («الديبلوماسي»: وضع رامسفيلد في تقريره خطاً تأكيدياً تحت عبارة «أبداً وعلى الإطلاق» للتشديد على أهمية توصيته هذه).
> يجب أن نواصل تذكير أنفسنا بأن الدخول في شيء هو دائماً أسهل من الخروج منه. («الديبلوماسي»: هنا يبرز سؤال منطقي: لماذا لم يعمل رامسفيلد بهذه القاعدة أو يتذكرها أو يذكِّر بها عندما كان وزيراً للدفاع في إدارة جورج دبليو بوش التي قررت احتلال أفغانستان والعراق بين 2001 و 2003؟ ).
كم كان حسناً لو استطاعت الولايات المتحدة أن تكون في وضع تستفيد فيه من أخطاء الآخرين، بدل أن يستفيد الآخرون من أخطائنا. لم أسمع مثل هذا الهراء الذي سمعته منذ أن كنت رئيس هيئة الموظفين في البيت الأبيض.(«الديبلوماسي»: خدم رامسفيلد في البيت الأبيض كرئيس لهيئة الموظفين في عام 1974 ـ 1975. لكن العبارة التي استخدمها على أنها «هراء» هي الكلمة الإنكليزية العامية Guff التي تعني، حسب استخدامها الشارعي الدارج، التفوُّه بعبارات هوجاء يتقصَّد قائلها التضليل أو الخداع وتكون عادة بلهجة لاذعة. وربما قصد رامسفيلد في هذا التقرير «الهراء» الذي سمعه من المسؤولين في منطقة الشرق الأوسط حول التوجهات الأميركية في المنطقة).

>>>
ربما احتجنا الى شيء من التحرك حول لبنان للبدء بإعادة تنشيط عملية السلام. لكن علينا أن نظهر جهودنا في المسألتين («الديبلوماسي»: يقصد رامسفيلد المسألة اللبنانية وعملية السلام). يمكننا أن نمهِّد الأرضية اللازمة لتوسيع عملية السلام ونحن نعمل على الوضع اللبناني.
إننا بحاجة الى خطط تفصيلية لعملية السلام وللبنان وهو ما يعطينا في ظاهر الأمر احتمالات معقولة على الأقل لتحقيق أهدافنا. ويبدو أن الحكومة الأميركية لن تعكف على ذلك قبل زيارتي شامير والجميِّل. أفترض أن الحكومة الأميركية تعمل على تطوير هذه الخطط. وعلى افتراض أن الجميِّل متمسك بـ«خياره الأميركي» في لبنان، فإننا بحاجة الى لائحة شاملة من الإجراءات ـ سياسية، وعسكرية، واقتصادية ـ ويمكننا، مع آخرين يرون رأينا، أن نبدأ بانتهاج مثل هذه المقاربات لخلق مناخ يساعد على تقوية الحكومة اللبنانية، ويتضح معها لسوريا أن خير تحرك لها هو الانسحاب من لبنان. أظن أن الأمر يقتضي شيئاً من التفكير الخلاَّق.
إنه وقت مؤات للانكفاء والتفكير بإمكانية إعادة صياغة القضايا المطروحة بطريقة أنسب. علينا أن نقوِّم قدرتنا على البقاء، والنظر في تحديد بعض الخطوط الحمراء سياسياً وديبلوماسياً (وأن نتعهد الالتزام بها). على سبيل المثال: هل نحاول «إنقاذ» بيروت؟ هل تقسيم لبنان نتيجة مقبولة (سوف نحاول منع ذلك بالقوة)؟
نشكر الله الرحيم لأنه أنزل المرض بالزعيم السوفياتي أندروبوف والرئيس السوري حافظ الأسد في وقت واحد ليتيح لنا فرصة مؤاتية. من يدري، لعل هناك فرصة مدفونة في مكان ما تطل علينا وسط هذا المخاض.
ترددت قبل وضع هذه الأفكار على الورق، لكن في بعض الأحيان تكون الانطباعات الأولى (أو الانطباعات الخاطئة) مفيدة. وضعت هذه الملاحظات بعد كل محطة توقفت فيها لشعوري بأنها قد تشكل نقطة بداية للبحث بعد عودتي.
أعدك بأنك لن تسمع على لساني بعد الآن عبارة «الولايات المتحدة تسعى الى سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط». ليس هناك شيء من العدل، والشيء الوحيد الدائم الذي رأيته هناك هو النزاع والابتزاز والقتل ـ وليس السلام.
وفي المحصلة الإجمالية، «لو لم يكن لي شرف التكليف الذي أنيط بي لفضَّلت أن أكون في فيلادلفيا» («الديبلوماسي»: قصد رامسفيلد دائرته الانتخابية في شيكاغو وليس في فيلادلفيا، لكنه استعار تلك الجملة حرفياً من قائلها للدلالة على ما يقصد فقط، وذلك بإرفاقها في نهايتها بالإيضاح المعتمد في الكتابة الإنكليزية وهو sic) Chicago )).