Saturday, April 13, 2013

نيسان بدون مسلمين بقلم جهاد الزين


نيسان بدون مسلمين
  •  جهاد الزين
  • 2013-04-13
تَلبننَ العراقُ وتأفغنتْ سوريا وتَفتْنَمَتْ قطر، بصفة الدوحة "هانوي" الثورة العربية، وتبكسْتَنَتْ تركيا وتقبرَصَ السودانُ… و.... و...
إِلْعبْ ما شئت بالمصطلحات... فاللغة سهلة (وأحيانا خفيفة جداً). لكن تبقى حقيقة أن دولَ المنطقة تهتزّ... فيأتينا 13 نيسان اللبناني هذا العام والذي سبقهُ وقد اختلطت بشكلٍ محيّرٍ وخطير فعلاً ظاهرتان تدوّخان أيّ مراقب بل أيّ منخرِط غير مرتبط بخط مالي (من مال) في الصراع: ظاهرة تغييرٍ ثوري في إسقاط أنظمة استبداد عاتية وظاهرة تفّكك دول ومجتمعات التغيير في الوقت نفسه.
لستُ معنيّاً بتبسيطيّات مُغرضةٍ وفي بعض حالاتها ساذجةٌ وفي بعضها الآخر عمياء. فأخطر ما يحدث هو ظهور مجتمعاتِنا نفسِها - وهذا ما يتجاوز بنية دُوَلِنا - مرتبكةً بل غيرَ قادرةٍ على تحمّل وزن التغيير الثوري الحاصل الذي أشعلتهُ من داخلها قوى اجتماعية متقدمة (ونخبوية) ولاقته من الخارج عاصفة من المصالح الدولية التي تضم بين أبرز عناصرها دولٌ سبق أن "أسّستْ" الكيانات - الدول موضوع الاهتزاز.
كل يوم في المنطقة بات 13 نيسان من حيث هو دولةٌ ومجتمعٌ مهتزّان.
أما في لبنان فهناك "13 نيسانان" لا واحد. 13 نيسان المسيحي المسلم. ذاكرة الثنائية التي أسّست - داخليا - الصيغة عام 1943 و13 نيسان "الجديد" وهو السني الشيعي. كلاهما دولي وإقليمي. لكن القديم أكثر لبننة بسبب مسيحيّته، الجديد أقل بسبب سنيّته وشيعيته.
لم يُصبح 13 نيسان القديم من الذاكرة لأن المسيحيين لم ينسحبوا من آتون البحث عن صيغة سياسية جديدة وإن كانوا على الأرجح انسحبوا من الصيغة القتالية في طرح "وجهة نظرهم". ها هم أحفاد "المسيحية المقاتلة" لـ13 نيسان الأول يطرحون في عام 13 نيسان الجديد "المشروع الأرثوذكسي" لإحداث الصدمة التي تشير إلى الطائفيّات السنية الشيعية الدرزية بأنهم يريدون تغيير الصيغة. لذلك "المشروع الأرثوذكسي" هو مشروع نظام سياسي جديد لا أقل. و لذلك أيضا وحتماً هو من البداية ليس مشروعا للتطبيق وإنما إعلانٌ مسيحيٌّ عن الحاجة للتغيير ستتحقّق جزئيا في النظام المختلط الأكثري - النسبي فيما سيكون المشروع الأرثوذكسي ذات يوم صيغةً لمجلس الشيوخ.
أحد تحوّلاتِ المرحلة هو الوعي المأسوي الوجودي للمسيحيين بصفتهم "كتلة متناقصة" بل متلاشية في المحيط. في اللغة السابقة "المسيحية المقاتلة" كانت صورة المنطقة مشهد "مسيحية ذمّية" يرفضها مسيحيو لبنان. اليوم الصورة في المنطقة هي مشهد "انقراض" المسيحيين لا ذميّتهم.
13 نيسان القديم كان فيه مسلمون.
لا مسلمين اليوم بل سُنّة وشيعة!

المطران جورج خضر يكتب في النهار


المطران جورج خضر
  • 2013-04-13
لا تتّكلوا على الرؤساء ولا على بني البشر اذ ليس عندهم خلاص" (مزامير 146: 3). الاتكال ان تجعل الآخر وكيلاً لك عند الله أو عضداً لك عنده لأنك تعرف نفسك فقيرًا وتخشى عجزك عن رؤية الله وان يكون هو وحده متكأك. أنت تسعى في وحدتك إلى ثنائيّة وهي غير كافية لتتجاوز بها عزلتك. الثنائيّة هي الوجه إلى الوجه واذا كان كل وجه هشّا تكون رميت نفسك في هشاشتين.
تكون قد ظننت نفسك اكتملت في الثاني لكنه بسبب مما يعوزه من الوجود لا يوصلك إلى اكتمال كيانك. يسندك فقط وقد لا يأتي سنده عظيمًا فتنهاران معًا. نقصانان نحن لا يصيران وحدة. فاما اذا اتحدت بالله بمعرفة محبوبيتك عنده تغدو واحدا فيه. أنت بالمحبة لا تضيف الى الله شيئا. تكتمل أنت به. تكتمل نسبيا قبل رؤية الملكوت. لكن هذه الرؤية هنا سابقة للوجود الكامل عند رؤيتك الله بالموت. عند ذاك، تكون قد أكملت سعيك.
كلّ كمال على الأرض فقط سعي إلى ان يكلّلك الربّ في اليوم الأخير. لذلك لا نبلغ الرؤية كاملة لا قبل الموت ولا بعده اذ لا يسعك ان تكمل الا مع القديسين اذا اجتمعوا إلى ربّهم في اليوم الأخير. الخلاص هو للجميع مجتمعين. قبل ذلك نحن في السعي.
أنت تكمل بالضعفاء اذا احببتهم فانتشلتهم. كل البشريّة مجموعة مهمشة ترى إلى مجدها فقط في اليوم الأخير. وأنت في هذه المجموعة عندما تنضمّ اليها بالحب. أنت منها واليها في الرجاء اعني رجاءك إلى الله. ليست كلمة واحدة في الكتاب تعدك بالمحبوبيّة اذا أنت أحببت. الجواب عن حبك ما قال عنه الكتاب ان له مردودا. قد يردّ إلى الحب البغض الظالم أي الذي ليست ذاتك منبعا له. اذا كنت مؤمنا كبيرا لك ان تنتظر العزلة. ولعلها تنقذك لأن لك نصيبا ان تكون حبيب الله الذي لا يترك أحدًا يموت عطشا أو يحزن بسبب من سراب.
أنا ما قلت ان دعوتك الوحيدة ان تحيد عن كلّ وجه اذ ليس فيه كامل العزاء. شرعي ان تسعى إلى إقامتك في محبوبيّتك أي ان تقيم بالحب الذي تعطى لكنه ليس شرعيا ان تكتفي بهذا أي قد تجد نفسك منفيا إلى "صحراء الحب" كما يقول فرنسوا مورياك أي ان يحكم عليك بعض الذين ترجو محبتهم بالانعزال. حقك ان تطلب الانتباه اليك وأريد بذلك انضمام الناس إلى محبّة الله لا اليك. تصير عظيم الوجود لو سعيت إلى تلك الوحدة الصافية الإلهية التي تجمع نساكها إلى ربهم.
***

حزننا اذا بقينا على هشاشة بشرتنا كوننا لم نبلغ السماء. هذا في حد نفسه حزن جميل لأن التقوى هي استباق الفردوس هنا في الحب الإلهي.
المشكلة اننا لن نبلغ الملكوت هنا إلا مع الأطهار عنيت بهم الذين يحبوننا بالرب بلا شرط فينا. وقوّة سعينا في الرؤية التي اليها نتوق ودربنا التوق حتى نموت. والأطهار قلّة عزيزة وعنيت بهم الذين يطوقونك بالحب الإلهي الذي لا يستند إلى أي شرط فيك لكنه يأتيك من مجانية المحبة الأخوية التي هي انعكاس للمحبة الإلهية المجانية بطبيعتها.
يلفتني في الانجيل ان الرب يسوع عندما تكلّم عن المحبة قال انك تعطيها وما وعدك مرة انك تُعطاها. هو كان يعرف التعزيات البشريّة التي كانت له من الجماعة التي احتاط بها ولا سيما من بطرس ويوحنا ويعقوب لكنه ما أراد ان نتكئ على التعزيات. كل تعليمه من هذه الزاوية انك تعطي بلا حساب أي بلا توقع لمردود. أنت تتكون من المحبة التي تعطيها أمل الاخذ لأنك موجود فقط اذا أعطيت واذا أعطيت لا يعني انهم اخذوا. لذلك قال: "بدّد اعطى المساكين فيدوم برّه إلى الأبد" (مزامير 112: 9). المحبة ليس فيها شرط في الآخر. أنت تعطي بلا حساب أي لا تتوقع المبادلة ولا تتوقع الوفاء. قلبك هو الذي يعطي اذا انفتح للعطاء وليس في أقوال الكتاب ان قلبك مفتوح لتأخذ. قد يبادلونك العاطفة واذا انزعجوا منك أو يئسوا أو جافوك بسبب ما في أنفسهم من جفاء تبقى مصرا على العطاء لأنك بهم تعطي ربك وتنتظر اليوم وغدا وحسبك ان تعايشه لأنه هو وحده العطاء.
والرد على هذا القول أعرفه اذ قد يقال انك يا فلان تطلب الصحراء الكاملة في قلوبنا. أنا لا أطلب الصحراء الكاملة. أنا أراها تحققت في القديسين وهم قد أعطوا مجانا لأنهم كانوا يرون إلى وجه الله على كل وجه وإلى وجهه هذا المرتسم أعطوا وأبوا ان ينظروا إلى القباحة وتروّضوا على انّ كل وجه بشريّ كامل الجمال اذا أنت قرأت عليه بهاء المسيح.
***
كلّ قلب بشري معرّض ان يصبح وكرًا للأفاعي كما يقول فرنسوا مورياك. أنت لا تحب الأفاعي لكن القلب البشري الذي يبقى على صورة الله ولو حوى الأفاعي. تعليمنا ان صورة الله المشوّهة في كلّ منّا لا يزول عنها الحب الإلهي الذي يحضنها. واذا أنت بقيت على الرجاء فهو رجاء إلى الله الذي ينزل إلى النفس لأنه يحبّها وليس لأن فيها جمالات باهرة اذ لنا ان نتروّض على هذا الأمل الصعب ان كل نفس ذائقة الموت حبيبة الله إلى ان يتوفاها.
عليك أنت ان تتربى على ان ربّك يحبّ كلّ نفس. وما من شك انه يؤدّبها لكونه يحبّها على الدوام. عليك ان تحب كلّ نفس ولو سقطت وربما كان عليك ان تزداد لها حبا اذا امعنت في السقوط.
لعل صعوبتنا في الوجود ان كنا من المؤمنين ان نرى السقوط دائما فينا وفي الناس. لكنا نكون قد بلغنا قمة السذاجة لو احسسنا ان هذا الوجود فردوسي. الفردوس تسكنه نفوس من بلغوا الجهاد الأعظم أي جهاد النفس، الذين عرفوا ان النفس مسكن الله دون بهجة هذا العالم.
لعل ذروة الجهاد الا ترى نفسك شيئا وان ترى الآخرين معك اذا احببتهم أي ان تروا أنفسكم أحباء الله. وليس عليك ان تحسب محبة الله لأحد. المهم ان تؤمن بها لأننا بها نحيا. وأنت أمام المحبة الإلهية فقير اليها. وهي التي توجدك وتربيك على ذاتها.
اما اذا ظننت انك صرت شيئا فتخسر كل شيء. واذا بطل ايمانك بأن النعمة تحييك وتغفر لك خطاياك تصبح عدما أو شبه عدم. ليس عليك ان تفهم كيف يستخدمك الرب لمجده. أنت معطى وهو يستخدمك لمجده كما يشاء. "انما الدين عند الله الإسلام" بعميق ما في هذه الكلمة من معنى. تعال واسبح في بحر الله فيعلمك... كل شيء ويستخدمك لمجده كما يريد.
هو يرى علاقتك بمجده وأنت لا تعلم. قال المخلّص لك ولأترابك: "تعالوا إليّ أيّها المتعبون والثقيلو الأحمال وأنا أريحكم". لا تخشَ اذاً العبء الذي ألقي عليك. قد تقع على الطريق كما وقع الذي حمل صليبه إلى الجلجلة. لا بدّ له ان يؤتيك بمن يسعفك على طريق الآلام لأنه يريدك قائما معه في اليوم الثالث.

Tuesday, April 9, 2013

معارك البابا فرنسيس على ثلاث جبهات

معارك فرنسيس على ثلاث جبهات

غراسيا بيطار
«المعركة الأكبر أمام الكنيسة الكاثوليكية في الساحة الأميركية». هنا قامت الصهيونية بهجمة كبيرة استهدفت هذه الكنيسة وإكليروسها وساقت ضدهم شتى أنواع الاتهامات ولفقت الكثير من البدع الدينية.
يعطي أحد الكهنة مثلا: كنيسة «الاتحاد» (الأميركية) تفرض على الراغبين في الانتساب اليها هجر كنيستهم الأم... و«على يدها» سيقت اتهامات جنسية لعدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة من رجال الدين الكاثوليك من أصل نحو 150 ألفا ما دفع كاردينال بوسطن الى الاستقالة. من قلب هذه الغيمة السوداء ظهر البابا الجديد فرنسيس «الذي لا يلين ولا يهادن». كما أن انتخاب رأس الكنيسة الكاثوليكية «من جذور لاتينية له انعكاساته على القاعدة الكنسية الاسبانية التي تشكل «ثقل» الكنيسة الكاثوليكية في أميركا».
وفق نائب رئيس مجلس النواب السابق إيلي الفرزلي، «هناك جبهة ثانية يستعد البابا الجديد لخوضها أيضا وهي محاولة استعادة أوروبا الكاثوليكية بعد ان «تيهودت» في قيمها ومفاصلها الأساسية». لا يفته التذكير بعبارة الوزير الأميركي الأسبق دونالد رامسفيلد: «وداعا أوروبا القديمة». أما المعركة الثالثة التي تنتظر خليفة بطرس، فتتلخص في «حث المسيحيين على البقاء في أرضهم لأن تجذرهم في الشرق يسقط ما يسمى صراع الحضارات والأديان».
في المعركة الثالثة بالذات، اللاعبون كثر. اللاعب الأبرز ربما هو الكنيسة المارونية والتي تعد الأكثر تقدما لناحية خروجها من حدودها اللبنانية الى الانفتاح على المدى الأرحب نحو أنطاكيا وشمال سوريا وبيت لحم أي الشرق ليس بمداه الجغرافي وحسب وانما بالمدى الروحي لهذه الكنيسة.
يتوقف أحد المطارنة عند المبادرات المتتالية للبطريرك الماروني بشارة الراعي في الداخل والخارج ويقول «كان لا بد من توطيد أواصر العلاقة المارونية مع الكنيسة الأرثوذكسية من أجل العمل على تأمين وحدة المسيحيين وبالتالي محاولة الحفاظ على بقائهم في هذا الشرق»... يتوقف عند تقارير كثيرة بدأت تتحدث منذ مدة عن تقارب بين الفاتيكان والكنيسة الروســية، وكذلك عن الانفتاح على اليهود والمسلمين، وهو الأمر الذي أتى على ذكره البابا الجديد في إحدى عظاته.
أما الكنيسة الروسية التي تملك نفوذا هائلا في بلاد القياصرة وتكاد تختصر القرار السياسي بيدها، فيندرج ضمن «مصالحها» الحفاظ على الأقليات «وليس فقط المسيحيين في الشرق. فأي تطرف من شأنه ان تنتقل عدواه الى أراضيها وخصوصا عبر حدودها الجنوبية حيث ترى واجبا في ضبط أي تطرف ديني من شأنه ان يسعى الى الاستيلاء على السلطة كما يحصل في بعض الجمهوريات الروسية والشرق» يردد الفرزلي.
بعيدا من السماوات وأديانها لا يمكن إغفال المخطط الاسرائيلي الذي يتضح هدفه أكثر فأكثر منذ العام 1948 باتجاه تهجير المسيحيين وإفراغ المنطقة من مكونها الأساس. يحدد الفرزلي ثلاثة أهداف استراتيجية لهذا المخطط:
أولا، إفراغ مكان ولادة المسيح من المسيحيين بغية تحويل شخصية السيد المسيح كأي رمز إلهي في بلاد ما بين النهرين مثلا كالاله ميترا وذلك عبر اسقاط الشهود على ولادته وتحويل كنيسة القيامة الى مكان أثري لا قيمة استقطابية أو روحية له.
ثانيا، تثبيت شعار ان الفاتيكان هو المرجعية المسيحية الأولى والوحيدة. فالتفريغ يعني أيضا إلغاء الكنيسة المشرقية لأن الكنيسة بالمعنى اللاهوتي والفعلي هي جماعة المؤمنين وليست المعابد.
ثالثا، بين الفاتيكان مرجعية الغرب ومكة مرجعية المسلمين لا بد ان تكون لليهودية مرجعية أيضا وهي أورشليم القدس.
مسار الاهداف الثلاثة يشرح كيف استفاد اليهود من كل التناقضات للاستمرار في العيش والنمو. منذ الحرب الأولى التي أنتجت وعد بلفور الى الحرب العالمية الثانية التي زرعت الكيان الاسرائيلي في العام 1948 والحرب الثالثة أي الباردة التي أنتجت ليس فقط الإعتراف بالكيان وإنما «تدليله».
ومع سقوط الإتحاد السوفياتي شعرت إسرائيل بأن وظيفتها تجاه الغرب بدأت تخفت بدليل حرب العراق التي أقعدتها جانبا فما كان منها إلا ان ابتكرت حرب الحضارات بين شرق بأكثرية إسلامية وغرب بأكثرية مسيحية. وعلى هذا التناقض تستند لتقول للغرب «أنا رأس حربتك في قلب العالم الإسلامي». وتخاطب المسلمين قائلة :«أنا وأنتم أولاد العم.. فأنا سارة وأنتم هاجر». كالفطريات تتكاثر الكيانات ويسقط العامل القومي كبند من بنود الخلاف بين اليهود وأبناء المنطقة.
وفي الاتجاه عينه، تصب تحركات الكاردينال بشارة الراعي نحو الانفتاح على مسيحيي الشرق وإعادة إحياء التراث المشرقي الإنطاكي المسيحي.
الراعي في باريس.. لما لا، «طالما أن خطاب الكنيسة الذي لم يلق صدى قبل سنتين صار له اليوم من يتبناه بالكامل» يقول أحد المطارنة.
< المقال السابقرجوعالمقال التالي >

Monday, April 8, 2013

الدبابات الامركية اطلقت الربيع العربي من بغداد





  •                     الدبابات الامركية اطلقت الربيع العربي من بغداد
  • جهاد الزين
  • 2013-04-09
اليوم 9 نيسان 2013 تكون قد مضت عشر سنوات كاملة على سقوط بغداد في 9 نيسان 2003. كان ذلك السقوط هو البداية الحقيقية لما سيُسمّى لاحقا "الربيع العربي"، البداية التي لا يحب أن يعترف بها "المثقّفون الوطنيّون " العرب!

في الأول من تشرين الثاني 2002 أي قبل بضعة أشهر من الغزو الأميركي للعراق وإسقاط صدام حسين كتبتُ على هذه الصفحة من "النهار" مقالا بالعنوان الحرفي التالي: ("المشروع الثوري" الوحيد للمنطقة هو المشروع الأميركي). أثار لي المقال والعنوان يومها العديد من المتاعب مع العديد من الأصدقاء اللبنانيين والعرب. اليوم وبعد عقد كامل على سقوط بغداد تبقى واحدةٌ من أهم ظواهر سلوكِ جزءٍ كبيرٍ من النخب العلمانية العربية التي لم تنل ما تستحقّه من الرصد والنقاش هي أن هذه النخب المنخرطة عميقا في ثورات "الربيع العربي" في تونس ومصر وليبيا التي أدت إلى سقوط ثلاثة ديكتاتوريين عرب مع أنظمتهم، هي نفْسُها هذه النخبُ ترفض التغييرَ الذي حدث في 9 نيسان 2003 في العراق والذي أدّى إلى سقوط أول وأعنف هؤلاء الديكتاتوريين مع نظامه.
السبب المعلن لهذا التناقض هو أن التغيير العراقي تمّ عبر الدبابات الأميركية حتى لو أن هذه الدبابات كانت "متحالفةً" يومها مع معظم مكوّنات الشعب العراقي وهي الأكراد ومعظم الشيعة وجزءٌ لا يُستهان به من السُنّة نشأت مخاوفُه الطائفية بعد التغيير لا قبله.
هذه الظاهرة في "سلوك" النخب العربية لها طبعا تفسيرها في الثقافة الوطنية أي بكونها ضد الغزو الأميركي. وقد فوجئتُ وكنتُ انتهيتُ لتوّي من كتابة هذا المقال بوجود مقال نُشر في "النيويورك تايمز" يوم السادس من نيسان الجاري لكنعان مكّية الكاتب العراقي المهاجر يحمل تقريبا العنوان نفسه: "الربيع العربي بدأ في العراق". وهو توارد أفكار مفهوم في موضوع بهذه الأهمية.
المعضلة العميقة التي ستُطرح لاحقا على هذه الحقبة من تاريخ منطقتنا هي أنه، أحببنا ذلك أم رفضناه، فإن مشروع التغيير الديموقراطي الأشمل في المنطقة منذ تأسيس إسرائيل عام 1948 (التي أدّى وجودُها إلى ولادة شبكة من الأنظمة العسكرية الاستبدادية في المنطقة (وهذه حقيقة لا يحب أن يعترف بها معظم الغربيين)... هذا المشروعُ التغييريُّ أطلَقَتْهُ الولايات المتحدة الأميركيةُ بالقوة العسكرية عام 2003. ما هي أهداف واشنطن الحقيقية؟ هذا سؤال ليس مطروحا فقط على ما حدث عسكرياً في بغداد بل أيضا على ما حدث ب "القوة الناعمة" في تونس والقاهرة وبمزيج القوتين الصلبة والناعمة في طرابلس الغرب وحاليا في سوريا، لا سيما السؤال الخطير عن هل هو هدف تفكيك دُولِنا أكثر مما هو الهدف الديموقراطي؟ لكن كل علامات الاستفهام هذه المطروحة للنقاش لا تستطيع أن تخفي حقيقة جوهرية هي أن مشروع التغيير الديموقراطي في المنطقة قادته واشنطن. ولكي تكون الحقيقةُ مزعجةً أكثر يجب التذكير بأن "المحافظين الجدد" حول الرئيس جورج بوش الإبن هم الذين وضعوا نظريّته وقادوه.
كل العناصر الداخلية كانت موجودة في حالة التغيير العراقي وهي عناصر استندتْ عليها القوةُ العسكرية الأميركية. الرفض الشيعي والكردي الكاسح لصدام حسين. رفض مدعوم برفض ضحايا صدام الكثيرين بين السُنّة العراقيين ومع كل هؤلاء رفضٌ متراكمٌ وعميقٌ لنظام صدام من معظم النخبة اليسارية والليبرالية العراقية في الداخل والمنفى الذي اتسع في سنوات حكم صدام ليصبح حوالى أربعة ملايينِ عراقيٍّ مشتّتين في العالم ومنهم نخبة كبيرة جدا في دول الغرب لم تعد لها مصلحة في العودة إلى العراق بالمطلق.
في مصر أشعلت هذه النخبة الثورةَ وبالوسائل الديموقراطية لأنها كانت موجودة على أرض بلدها وكانت قد تطوّرت وسائل الاتصال الاجتماعي التي كان التنسيق "القِيمي" قائما فيها بينها وبين الغرب سياسيا وثقافيا وإلى حدٍ ما اقتصاديا بالنسبة للكوادر الواسعة من الطبقة الوسطى المصرية التي ساعدت على تعزيزها برامج التدريب الأوروبية والأميركية بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. في تونس الوضع نفسه ولو كان عدد الناشطين والقياديين المعارضين للنظام الديكتاتوري العائدين من الخارج أكبر من العائدين المصريين. ففي مصر تميّزت الديكتاتورية المباركية بمنع أي تداول للسلطة مستندةً إلى نهب اقتصادي لثروات الدولة لكن مع قدر ملموس ومسموح به من حريات التعبير. هذا لم يكن موجودا في تونس وفي ليبيا وفي سوريا وفي العراق حيث الديكتاتوريات استئصالية بالكامل ولو أن صدام حسين والعقيد معمّر القذافي كانا الأبشع في تطبيقها. فالديكتاتورية المصرية وخصائصها بل واختلافاتها المهمة، لا سيما سماحَها بحرية التعبير، عن الديكتاتوريات العربية الأخرى موضوعٌ يحتاج إلى درس ضروري ولكن لسنا بصدده هنا.
الغرب موجودٌ عميقا في كل تحوّلاتنا. إنْ لم يكن عسكريا كما في العراق ولاحقاً بصيغة أخرى في ليبيا واليوم بصيغة ثالثة في سوريا... فهو موجودٌ ثقافيا وسياسيا واقتصادياً طبعا. والعامل الثقافي أساسي وعميق بحكم انتصار القيم الديموقراطية الليبرالية التي عادت تتبنّاها معظم نخبنا العربية بما فيها التيار الأساسي في الحركات الإسلامية. أليست هذه ما سُمّي "نهاية التاريخ"؟
المشهد - النتيجة الأهم كقاسمٍ مشتركٍ يجمع بين بغداد 2003 والقاهرة 2011 هو بدون أدنى شك مشهدُ وجودِ كلٍّ من صدام حسين وحسني مبارك في قفص الاتهام داخل محكمة على أرض العاصمة التي حكمها عقودا.
هل كان يمكن لمشهد حسني مبارك في القفص أن يحصل بدون مشهد صدام حسين المماثل الذي سبقه؟ أليست هذه ديناميّة التاريخ التي أطلقت موجةً تغييرية من بلدٍ إلى بلدٍ ضمن منطقة واحدة كما حدث في أوروبا الشرقية مع سقوط جدار برلين وقبل ذلك بشكلٍ مختلف في أميركا اللاتينية؟ إنها قوّةُ "السابقة" التي لم يكن ممكنا تصوُّرها بدون الاحتلال الأميركي الذي فتح أفق الديموقراطيةِ في المنطقة وتفكّكِ دولنا... معاً؟ كيف نفرّق بين النتيجة الرائعة والنتيجة الوخيمة على ملعبٍ واحد؟
لقد كانت هناك، بعد بغداد، بدايةٌ ثانيةٌ مثيرةٌ لـ"الربيع العربي" بكل التباساته التي عرفناها لاحقا هي الحركة الاعتراضية المستندة إلى تيار شبابي واسع في طهران والمدن الإيرانية ضد النظام الديني الإيراني وبقيادة رموز سابقة من النظام لكنها انتهت إلى الفشل بعدما نجح النظام رغم مشروعيّتها الديموقراطية في حصارها وجعلها "غير وطنية".
تيارات دينية حاكمة في كل مكان: سنّية في تركيا ومصر وتونس وشيعية في إيران والعراق ومقاومات ليبرالية وعلمانية مختلفة الأحجام لكل منها. وصل "حزب الدعوة" في العراق، النسخة الشيعية لـ"الإخوان المسلمين" السُنّة. ووصل "الإخوان " في مصر وتونس وليبيا. أحزابٌ لم "تسرق الثورة" عكس ما يردد أصدقاؤنا الليبراليون واليساريون المصريون وإنما كانت في جهوزية شعبية وسياسية لقطف ثمارها السلطوية بسبب تاريخ طويل دؤوب من المواجهة مع الأنظمة العسكرية لم يكن فيها "الإخوان" دائماً ضحايا إرهاب السلطة بل كانوا أحيانا صانعي هذا الإرهاب ضد السلطة وضد أخصامهم السياسيين والفكريين.
انفراط العِقد المتماسك والرهيب للاستبداد العسكري… بدأ في بغداد 2003.
مخاضٌ هائلٌ داخليٌّ وخارجيٌّ متلاطم... في بعضه لا يُعاد تركيب السلطات فقط بل يُعاد تركيب الدول، وفي بعضه يُعاد تركيب المجتمع

Saturday, April 6, 2013

المطران جورج خضر في النهار

  • المطران جورج خضر
  • 2013-04-06
غالبا ما صممت مستقبلك وفق مصالحك التي تراها الآن غير مالئ هذا المستقبل بما ينزل عليك من إلهام في الآتيات. مستقبلك، اذ ذاك، مدى أناك كما تبدو لك اليوم اذا كنت لا تتوقع شيئا من الله. في الإيمان عندنا كامن الرجاء لأنه توقع مستقبلات تأتي بها النعمة.
تأمل بغير محله الظن ان المستقبلات أفضل من الحال التي أنت عليها اليوم. حسن أمورك لا يأتي من تقادم الزمان ولكن من تحسين يومك بالأبديات. لا قدرة لك على الهروب من واقع إلى توقع الأفضل.
الزمان الآتي غالبا ما كان مثل يومك. انهما من نسيج دنياك أو مما يجعل الناس دنياك وهم أحباؤك أو مبغضوك ان لم تجعل مستقبلك مدى لحقيقة نازلة عليك تكون لنا جميعا خلاصا.
ان لم تقدك آلامك الى وجه الله تكون حياتك مبددة في ضبابية العالم. الثابت ليس العالم ولكن ما ينزل عليه. اذا صح قول الكتاب: "كل انسان كاذب" يبقى ان تتعاطى الكاذبين كما هم لأنهم جزء لا يتجزأ من دنياك والا كان عليك ان تخرج من العالم كما يقول الرسول.
نعيش رجاءنا النازل علينا من فوق في هذا العالم ولكن لا رجاء لنا منه لأنه ليس منا ولا نحن منه.
عيروني بالتشاؤم. اذا انت رأيت الناس كما هم تدفعك الرؤية الى ان تشاهد عند بعض قباحة. ولكن ما مشكلتنا مع الأنقياء القلوب الذين عصمهم ربهم عن ملامسة القباحات وأقامهم في الرؤية الوضاءة؟
اذا كنت محدودا فقط على مدى الأيام وغدوت ثاقب الرؤية تشاهد قباحة الوجود. هذا ليس بخطأ. الخطأ ان تخطفك رؤية القباحات حتى يستحيل عليك الرجاء. والرجاء عندنا ليس انجذابا إلى خيالنا. انه الاختطاف إلى وجه الله الذي ينحت وجوهنا على رسم وجهه ويؤلهنا بذلك النحت. كل شيء وجهه وما يرتسم منه علينا.
عندما يقول يسوع الناصري: "ثقوا اني غلبت العالم" هل يريد فقط انه غلب بشاعته كما يقول المفسرون ام انه واضع جماله هو بدل البشاعة؟
كلمة عالم في هذا السياق تعني العالم الساقط ولا تعني خليقة الله لأن الله يكون قد غلب نفسه لو غلبها. هذا العالم عند خلقه كان على جمال الخالق ثم انبث الشر فيه فقبحه. مع ذلك اراد الرب الا تستحوذ عليه القباحة فترك فيه شيئا من صورته ليتمكن أبدا من رؤية الرب ولو مشوهة. غير انه كان قادرا ان يعرف أصل الصورة ويقدره.
الله لم يخلق العالم على صورته. خلق الانسان وحده على صورته بمعنى ان الانسان شبه الله لأن الانسان حر مثله، هكذا فسّر بعض آبائنا. ما معنى انه مثيله الا بمعنى انه محب وهكذا فسر بعض. واذا تكلم بعض من المتأملين في هذا الشيء قالوا إن الانسان حر مثل الله أو محب مثله. الحقيقة في لاهوتنا انه حائز كل صفات الله ما عدا الخلق ولكن الخلق ليس صفة. انه فعل. الحقيقة انه ليس عندك من صفة حميدة الا اذا كانت على شبه الصفة المماثلة لها عند الله حتى تتحقق الانسانية ليس في الفرد فحسب ولكن في تعاضد الجماعة وسعيها معا إلى الوعود الالهية التي سمعت بالانبياء ومع المخلص.
***
الازمنة كلها متشابهة بخيرها وشرها، بالعنف والحب وبهذا المعنى ليس شبيه تحت الشمس وان كان كل شيء باطلا. لعل الباطل كتب علينا لكي نرجو ان ينزل الحق علينا من السماء. هذه هي مأساة الانسان ظنه انه قادر ان يخلق نفسه بنفسه وان يحرث الأرض بما فيها من قوة. كل الكفر ان تجعل الله عاليا جدا حتى لا تحس به منعطفا عليك. في الكتاب حديث عن سمو الله وعن تنازل الله في المسيح يسوع. والنازل هو الذي سما وتسمو انت به. "ان الذي نزل هو الذي صعد" إلى اعلى السماوات وعطاؤه الينا انه يجلسنا على العرش معه عن يمين أبيه لأن تأنس ابن الله يقودنا إلى تألهنا والا كان التأنس بلا معنى ولا قصد.
فرادة المسيحية انها ما كانت حركة من الألوهة إلى البشر الا لتقذف البشرية من تحت الى فوق. وهاتان الحركتان تحققتا في المسيح يسوع. الحديث عن الله رابضا فوق الجبل حديث في الديانة الاغريقية القديمة وفي اليهودية أيضا.
في المسيحية هذا الإله مع بقائه في الأعالي تجسد وصار مثل واحد منا حتى لا تبقى الهوة قائمة بين الله والانسان إلى الأبد.
كل السؤال المتعلّق بالرباط بيننا وبين الله هو هذا: هل الله مع بقائه في الأعالي ينزل الينا بحركة نسميها النعمة بعدما نزل في الجسد بابنه الوحيد؟ وهل بالحركة العكسية نصعد بدورنا اليه لنجالسه على العرش فإن لم يكن العرش مقصد الله ومقصدنا في آن واحد لا يكون الملتقى قد حصل.
الألوهة هل هي فوق فقط أم تحت أيضا، هذا هو السؤال، وأجابت المسيحية عن هذا السؤال بقولها: "ان أحدا لم يصعد إلى السماء الا الذي نزل من السماء ابن البشر الذي هو في السماء". ليس في الامر حركة مكانية لأن الله ليس في مكان. الامر كله انعطاف نعمة.
وهذا ليس حلولا في الجوهر لئلا نقع في فرط الألوهية وتاليا تعددها في الشرك. هذا حلول حب والحب لا يكسر الله ولا يعدده. الحب يذيع قوته ولا ينفرط. الحب وحده يكشفه واحد يمده ولا يعدده. الله ينتشر بعطائه ويبقى منقبض الجوهر. النعمة تنتشر وتبقى فيه وتلازمه. فاذا انتشر يظل الله في ذاته. حبه ينتشر. لا يفنى في الزمان. هي تمتلئ منه وبذا يرعاها ولو بقي جوهرها لها.
الأزمنة تتوالى باستقلالها التاريخي وإبداعها والله فيها وهي ليست اياه ولكن نتاجها منه. وهو يأخذ الأزمنة اليه ويجمع اليه في اليوم الأخير البشر وما جاد به عليهم في كل أزمنتهم وبهذا المعنى ينهي التاريخ ويتممه بمصالحة الجميع في جسد المسيح البشري.
وإنهاء التاريخ إكليله في المجد الذي ينزله الله عليه واذا دخل التاريخ في مجد الله يعني التقلب الزمني ونرث الملكوت "المعد لنا منذ انشاء العالم".

Friday, April 5, 2013

جورج عبيد في السفير

نداء بكركي:
الإصبع على الجرح

جورج عبيد
وضع المطارنة الموارنة المجتمعون في بكركي، الإصبع على الجرح بندائهم الأخير الموجّه إلى الجميع ومن دون استثناء. نداء يجيء من الخوف والقلق، من أن يتماهى الفراغ في الداخل اللبنانيّ بالعاصفة الهابّة في سوريّا، والتي دخلنا في أتونها، منذ أن عادت الأرض اللبنانيّة ساحة استعداء وتأجيج مذهبيّ انفلش وينفلش بين لبنان وسوريّا، ولن ينحصر فيهما بل سيشمل كلّ المدى المشرقيّ المتوشّح بهذا «الموزاييك» المذهبيّ والطائفيّ. البنود الخمسة في هذا النداء تصبّ في موضوع سيادة الدولة، الذي بحسب السادة المطارنة «يحتم على الجميع السعي إلى إقرار حياد لبنان وعدم انخراطه في المحاور الإقليميّة والدوليّة. فليس لبنان ورقة أو ساحة تستخدمها المحاور لتحقيق مآربها، بل نريده منارة على المتوسّط لا قنديلاً خافتًا».
جوهر المسألة التي أدّت إلى صدور هذا البيان وقبله استقالة الحكومة وصولاً إلى التكليف، تلك الطائفيّة المتلاشية التي تحاول الإطاحة بمشروع «اللقاء الأرثوذكسيّ». لم يكن المشروع سببًا. بل هو الحلّ الميثاقيّ الناشئ من مجموعة مسببات أدّت إلى غياب وانسحاق المكوّن المسيحيّ لمصلحة المكوّنات الأخرى وصالحها. وهو الحلّ الذي يعيد التوازن إلى الصيغة اللبنانيّة التي هي سبب نشوء الدولة.
غالب الظنّ أن تعليق البحث في مشروع «اللقاء الأرثوذكسيّ» الذي صدر عن اجتماع الأقطاب والأحزاب الموارنة هو محاولة طيبة يشاء مطلقوها إعطاء الفرص للوصول نحو التوافق على قانون انتخابي يحفظ العدالة للجميع بعدما تمّ دفن «قانون الستين» في أقبية بكركي. ذلك «أنّ قانونًا جديدًا للانتخابات ليس وجهة نظر، أو مسألة تفاوض، بل هو قضيّة ملزمة لا يمكن أحدًا التهاون بها أو التلاعب بمصيرها. وهو قضيّة حقّ ومطلب عدالة يكفلهما الميثاق الوطنيّ والدستور». وتاليًا، «فإنّ التراخي في موضوع قانون الانتخاب الذي يكفل التمثيل الحقيقيّ للجميع، يضرب صلب الميثاق، ولا نخال أنّ أحدًا يتحمّل نتائج التلاعب بالميثاق، لأنّ الميثاق ليس قضيّة عدد بل هو متصل بطبيعة الكيان اللبنانيّ».
مشروع «اللقاء الأرثوذكسيّ» متصل بطبيعة الكيان اللبنانيّ، الذي ذاب في الطائفيّة المتلاشيّة والفوضويّة، على حساب الطائفيّة المتوازنة التي تعيد الحياة إلى جوهر الكيان. غير أنّ لا أحد من المجتمعين في بكركي أو من الذين أطلقوا مشروع اللقاء مصرّ على أن يختنق في جوف حروفه. بل إنّ الأساس أن يبثّ الروح إلى مشروع يريده الجميع توافقيًّا، ويضمن الوجود المسيحيّ كمؤسس للحياة السياسيّة، بشراكة كاملة مع الجميع. فالشراكة التي تنبع من الميثاق ليست ملحقة بالديموغرافيا، أي بالعدد كما ركّز بيان المطارنة، بل هي - كما الميثاق - متصلة بطبيعة الكيان اللبنانيّ وجوهره. وهذا ينتظره الجميع من الرئيس نبيه برّي الذي بلا شكّ سيتلقف النداء بإيجابيّة واضحة كما البيان الصادر عن المجتمعين في بكركي، حتّى يسطع التوافق الذي يحافظ على التوازن.
«إنّ الفراغ في السلطة الإجرائيّة لا يخدم أحدًا، بل يدخل البلاد في حال من الفوضى السياسيّة، لا أحد يعرف ما ستؤول إليه». وإذا ساغ تفسير ما جاء في البيان، فإن مواجهة الفراغ تؤول فعليًّا إلى مواجهة العاصفة السوريّة بدءًا من لبنان وفي لبنان. وقد خبرت التجارب السياسيّة المتحركة في فضاء البلدين، أن المكوّنات المذهبيّة تتأجّج بالاعتبارات نفسها إن في لبنان أو في سوريا وسابقًا في العراق، والأردن بدوره تحت دائرة تلك الاعتبارات. وتتأجج بفعل الاحتراب، احتراب الآخرين لتبلغ نحو تسوية يقودونها تحافظ على دورهم ومصالحهم في المنطقة. من هنا يسوغ قول فؤاد بطرس، انّ الحرب هي في لبنان وعلى لبنان، وهي كذلك في سوريّا. والتسوية بدورها هي في لبنان وعلى لبنان وهي كذلك في سوريّا.
ولذلك فإن نداء بكركي استشراف حركيّ يلامس آفاق التسويات المقبلة لكي لا تصير على حساب المسيحيين. وقد فهم البطريرك بشارة الراعي في تجواله الأوروبيّ والأميركيّ، أن الغرب بصورة عامّة ليس متحسّسًا لمسألة وجود المسيحيين العرب وتفاعلهم الوجودي في بلدانهم. فهو غرب علمانويّ، أي متشدّد في علمانيّته. ولم تعد مسألة الأقليّات تهمّه كما كان الأمر في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أو خلال سايكس - بيكو. فالموارنة كانوا الوصال ما بين الفرنسيين ولبنان، وشاء الفرنسيون هذا الوصال مدى لتأمين استثمارهم لدود القزّ وتجارة الحرير، كما روى معظم المؤرخين. ثمّة تحسّس لتسوية دولية مرتقبة. ولا بدّ من الخروج نحو تلك التسوية بضمانات تعيد لنا الوجود.
إنّ الحياد الإيجابي الذي طالب به السادة المطارنة لا بدّ من ان يستعيد مقولة رياض الصلح، «لبنان ليس مقرًّا ولا مستقرًّا». بل هو «أرض تلاق وعيش مشترك، ودولة ديموقراطيّة على المتوسط، وإلاّ فلا قيمة خاصّة لوجوده. يحتاج الأمر إلى قرار اللبنانيين معًا ولا يحلّ أحد آخر مكانهم في هذا القرار». هذا هو التحدي المطروح على اللبنانيين في الأيام المقبلة وعلى تمام سلام رئيس حكومتهم العتيدة.
([) كاتب وناشط في «اللقاء الأرثوذكسي»

Wednesday, April 3, 2013

المطران جورج خضر


  • المطران جورج خضر
  • 2013-03-30
ينقضي عمري بين خيبة وخيبة. أجل هناك تعزيات ولكن قليلها يأتي من البشر. للبشر منافعهم من دنياك أو استعلاؤهم عليك. وقلما تستطيع ان تغير الشائع. وقد تكتشف أشياء ضدك في ما يبدو مودات. فالكثير من الدنيا منسوج من نفاق. "أهكذا تنقضي دوما امانينا" إلى ان يوارينا ربك عن هذا الوجود وبعد عبور الوجود نصير "نسيا منسيا" وفي هذا رأفة من ربك ورحمة.
وحسنات الناس قليلة وتبدو لك ممزوجة في كذبهم. وفي أحايين كثيرة لا تقدر ان تفرق بين كذبهم والصدق وتحيا مقدرا صدقهم ومنتظره وتبقى لك نخبة صغيرة جدا تعزيك لأنها لله وأنت تسعى ان تكون له. يقول داود: "كل انسان كاذب" ويكملها بقوله توا: "بماذا أكافئ الرب عن كل ما أعطاني"؟ ما علاقة الكلمتين؟ اذا كان كل انسان كاذبا لا انتظر شيئاً حسناً من انسان. ولكني أنا أعرف نفسي مؤمنًا أي إنسانًا من نوع لا كذب فيه، صادقًا ليس فقط في ما أتصرف ولكن في عمق كياني وألمي - وهذا ليس بمشكلة - ان أرى الناس على سلوكهم وأبقى صامدًا في حضرة الرب أو بسبب من حضرة الرب على لساني وفي عينيّ.
لم يبق لي ألم من كون بعض من القوم يكرهني - وأنا لست أتكلم هنا عن نفسي - ولكنها القاعدة. وليس لي ان أقول ان في هذا حسدًا فمن أنا لأدين ومن قال ان عندي حسنات تستدعي الغيرة؟ الناس هكذا. المحبون منهم قلة وأنت تتعامل وهذه القلة إلى ان يأخذك ربك من موت إلى حيث لا تسمع شيئًا من الكذب. حسنة السماء الكبرى ان الله صادق ويراك على ما أنت عليه ويقرئ السماويين صدقك وتنسى كذب أهل الأرض.
أتوقع ان يتساءل من يعرفني من قرائي عما يراه حزنًا في كتابتي. الله يفرح من يشاء ويرفع الحزن عمن يشاء. لكن الرب لا ينشئ فيك فرحًا غير مؤسس على الحقيقة ويطيب لك ان تفرح في البشرة التي أنت عليها ولكن بشرة الناس من تراب وكثيرًا ما كانت رائحتها رائحة تراب إلى ان يرفعك ربك إلى الملكوت. وضعنا في هذه الأرض ان نجاور فيها القذارات إلى ان نغادر هذه الأرض في موت. "كل انسان كاذب" لأنه يحاول ان يخفي القذارات فيه ليبيض صفحته عند الناس. أما كيف يراه الله فهذا هاجس الكبار في حياتهم الروحية. وهم يتكلمون على هذه الرؤية يحيون بها.
***
قدرك في هذا الوجود ان تحيا وحدك او مع قلة من الطيبين الذين يفرحون لتقدمك على معراج الحياة الروحية، هذه مقولة غريبة عن الأكثرين واذا اتقيت ربك أنت وحدك. الناس يتقون بعضهم بعضا ويرجئون استرضاء الله اذ يحسبون انهم يعيشون من خيرات الأرض. قد يختلط بسبب من هذا الاختلاف فيك حزن اذ لا ترى الملكوت مقبلا على الناس ومعظمهم لا يهتمون له ولا يحزنون لأنفسهم كما لا يحزنون من أجلك لأنهم "استوفوا أجرهم".
لا تنتهي الخيبات ولكنك انت لا تفنى في صدمة حلّت ولا تتوقع دائما فناء الصدمات. انت مشلوح على خشبة الصليب التي وعدت بها وكثيرا ما يطلع لك في هذا الشليح تعزيات. واذ ذاك تنتقل من قيامة الى قيامة. انبعاثنا مع المسيح يتم عند صلبنا كما كان له. ونعانق صليبنا لعلمنا انه درب قيامتنا. حياتنا في المسيح تأتي من تعب العالم ثم من صلاتنا اي تبدأ بصليب يجعله المؤمن مكانا لقيامته.
وهذا درب الحياة كلها اذ لا حياة إلاّ من موت لك في دنياك واعني بهذا زوال المجد العالمي وزوال كل افتخار ونكران كل مجد. يكللك ربك بمجد منه اذا رأى رأسك قابلا للإكليل. والسقوط يزيل عنك كل مجد ويجعلك في قاع الهوان والذل.
"لا حياة إلاّ من موت" تعني رفضك للمجد اذا أتى وسعيك فقط الى المجد الإلهي وما في دنياك إلاّ المجد الباطل نؤتاه من الفخر الزائل. أحس كثيرا ان الناس لا يؤمنون الا بدنياهم لكونهم بدلوا دينهم بدنياهم بمعنى انهم احسوا انهم يفيدون من دنياهم لأن آخرتهم مرجأة او يرجئونها وتاليا لا يتمتعون بها الا بالأمل وليست هي في قبضتهم.
حزن الكثيرين انهم لا يلتمسون شيئا من السماء في أولاهم ويحسبون ان الدنيا فارغة من بركات السماء او انها تفتح باب السماء قليلا.
الملكوت ان لم يكن منه شيء فيك لن تراه. لن يكون لك في الآتي ما لم يبدأ معك وفيك هنا. ألم تقرأ قول الكتاب "ملكوت الله في داخلكم" (لوقا 17: 21) أنت سماوي الآن او لن تكون. المسيح أتى وآت.