Thursday, December 20, 2012






جعجع هو المسؤول عن عدم تطبيق قانون انتخابي يُعيد للمسيحيين إنتاج دورهم في النظام السياسي
حاوره: محمود حجّول
الحديث مع النائب السابق لرئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي حول أسباب عدم تطبيق اتفاق الطائف، وخصوصاً في شقه الإصلاحي، له نكهة مميّزة، كونه عريقاً في الحياة البرلمانية ومرجعاً قانونياً، ناهيك عن توليه الحوار مع المراجع الدينية بتكليف من رئيس مجلس النواب نبيه بري منذ سنوات للبحث في تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية. إلا أن هذه المهمّة اصطدمت برفض كلي من المرجعيات الدينية، الأمر الذي أدى إلى ما نحن عليه من توترات مذهبية وطائفية لا حدود لها.
الطائف لم يطبّق برمته
وعن أسباب عدم تطبيق الشق الإصلاحي في اتفاق الطائف، وخصوصاً قانون الانتخاب الذي ينصّ على اعتماد المحافظة كدائرة واحدة وتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية، قال الفرزلي في حوار مع البناء أمس:
ـ اتفاق الطائف لم يطبّق برمته، وأولاً الجوهر الميثاقي لاتفاق الطائف هو أن يتنازل الموارنة عن صلاحيات رئاسة الجمهورية لمصلحة مجلس الوزراء مجتمعاً مقابل المناصفة بصرف النظر عن العدد، عملياً لم يتمّ وضع القانون الذي ينظم أعمال مجلس الوزراء ويعطي الوزراء قيمة المشاركة الحقيقية في مجلس الوزراء الذي يتضمّن المناصفة، فمالت الكفة لصالح رئيس الوزراء بامتياز، وبالتالي هذا هو الجوهر الميثاقي للطائف لم يطبّق.
أضاف: الأمر الآخر، مصلحة المناصفة أيضاً لم تطبّق، لأنها كانت مناصفة شكلية وليست مناصفة فعلية تمكّن من إنتاج توازن حقيقي في النظام السياسي في لبنان، وخصوصاً في قانون الانتخاب الذي ينصّ جوهره على المناصفة، والبند الذي يعتبر محافظة دائرة واحدة يخضع للقوانين التي تعدّل الجوهر الميثاقي والمناصفة الفعلية وليس الشكلية.
وهناك أمر آخر هو المجلس الدستوري الذي يعتبر من أهم إنجازات الطائف أيضاً، تمّ انتهاكه وفضّه عبر إنشاء المجلس الدستوري من دون الالتزام بأحكامه من حيث اعتباره سلطة دستورية مستقلة، فأصبح قلماً من أقلام الدولة ودائرة من دوائرها المستتبعة للطبقة السياسية، وهناك أيضاً نصّ المادة الدستورية الرقم 52 المتعلقة بحق رئيس الجمهورية في إجراء المفاوضات انتهك، ولم يطبّق إطلاقاً، لذلك حدّث ولا حرج عن كمية المخالفات الدستورية لاتفاق الطائف، ومنها أيضاً عدم تأليف الهيئة المكلفة بدراسة السبل التي تؤدي إلى إلغاء الطائفية السياسية، التي رفضت بصورة قطعية من قبل رؤساء الطوائف، وعندما كلفت شخصياً من قبل رئيس المجلس النيابي نبيه بري للاتصال بهم لتأليف الهيئة للدراسة وليس لاتخاذ القرار، لذلك الطائف لم يطبّق بكلّ بنوده، وهنا نقول دعونا ننتج مجلساً نيابياً فعلياً، ولنؤمّن المناصفة الحقيقية يجب أن نجلس على طاولة حوار وإجراء مفاوضات حول السبل الآيلة إلى إلغاء الطائفية السياسية، ولنطبّق الدستور اللبناني عبر تأليف مجلس شيوخ.
وأكد أننا ما زلنا متمسكين تمسكاً كاملاً بدستور الطائف، وكذلك كلّ المسيحيين، ولكنهم كما الجميع يرون أنّ قانون الستين قد سقط، وأوضح أنه يجب تطبيق الطائف جيداً، وأنّ كلّ الأفرقاء السياسيين والروحيين يتحمّلون مسؤولية عدم تطبيقه.
وأكد الفرزلي رداً على سؤال أن إعادة العمل باتفاق الطائف يكون أساساً عبر الانتخابات النيابية، وشدّد على أنه تمّ انتهاك الطائف عبر قوانين الانتخاب منذ عام 1992 وحتى عام 2005، وقال في عام 2009 طبّقوا قانون الستين الذي قام اتفاق الطائف على أنقاضه، ولم يستبعد إمكان التوصل إلى قانون انتخابي فعليّ يؤمّن المناصفة الحقيقية، لكنه أشار إلى أنّ مشروع اللقاء الأرثوذكسي الذي تؤيّده غالبية الشعب اللبناني هو الحلّ، خصوصاً بعد إعلان رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون ورئيس تيار المرده النائب سليمان فرنجية وحزب الطاشناق التمسك به والتصويت عليه في مجلس النواب، كما أعلنوا أنّ حلفاءهم مستعدّون لتبنّي هذا المشروع، أيّ حزب الله وحركة أمل بما يمثلان من ثقل في الطائفة الشيعية الكريمة.
إذن، المسألة أصبحت متوقفة على الرئيس أمين الجميل وسمير جعجع، وحزب الكتائب أعلن الاستعداد للتصويت على مشروع اللقاء الأرثوذكسي في مجلس النواب، وأصبح سمير جعجع المسؤول الفعلي عن عدم تطبيق هذا القانون وعدم التصويت لمصلحته، وبالتالي حرمان المسيحيين من فرصة لإعادة إنتاج دورهم في النظام السياسي، وأكد الفرزلي أنه في حال إضاعة الفرصة أمام المسيحيين بالنسبة لقانون الانتخاب من قبل جعجع سأعلن صراحة تحميل جعجع المسؤولية الكاملة عن ذلك.
لتأجيل الانتخابات بدل «الستين»
وشدد الفرزلي رداً على سؤال حول رأيه عن سعي فريق «14 آذار» للإبقاء على قانون الستين عبر مقاطعة المجلس النيابي واللجان، على أن الانتخابات يجب أن تجري على أساس تعديل قانون الانتخابات، وفضل إرجاءها على أن تجري وفق قانون الستين الذي يعيدنا إلى أزمة فعلية، وقال: أنا مع تأجيل الانتخابات وذلك لعدم وجود المساواة بين الطوائف المسيحية، محمّلاً جميع القيادات المسيحية نتيجة التسويات التي تكرّس التبعية المسيحية، ورأى أنه إذا طبّق قانون الستين، فسيكون سبباً رئيسياً في التهجير المسيحي إلى الخارج، لأنهم إذا حصل ذلك يعتبرون أنفسهم مهمّشين وملحقين لطوائف أخرى لا شركاء حقيقيين في الدولة والنظام.
واعتبر أنه يجب تأجيل الانتخابات إلى فترة معينة ريثما يتمّ خلالها التوصل عبر التشاور والحوار الحقيقي والفعلي بعيداً من الحسابات الضيّقة إلى قانون انتخاب يؤمّن تمثيلاً صادقاً وحقيقياً للمسيحيين في لبنان يدفعهم بالتالي إلى التمسك بالوطن والأرض.
لا تداعيات لأزمة سورية
على الانتخابات
وعما إذا كانت الأزمة السورية ستؤدي إلى إجراء الانتخابات، نفى الفرزلي أية تداعيات للأزمة السورية على الانتخابات النيابية في لبنان، ولكن الخطر الفعلي هو في إجرائها على أساس قانون الستين الذي يبدو أن الفريق الآخر يطمح إلى ذلك، عبر مقاطعته المجلس النيابي واللجان بهدف تمرير الوقت وإضاعة الفرصة الحقيقية أمام التوصل إلى قانون انتخابي عادل ينصف الجميع، لا أن يكون سبباً أساسياً في إطالة الأزمة السياسية التي وصلت إلى حدّ لا يُطاق ولا يجوز الاستمرار على هذا المنوال، وأشار إلى رفض البطريركية المارونية لقانون الستين وقبولها بمشروع اللقاء الأرثوذكسي، وبالتالي أصبح هناك أكثرية مسيحية مع هذا المشروع.
فريق 14 آذار متورّط
وعن تورط فريق «14 آذار» وتيار «المستقبل» خصوصاً بعدما نشر عن تورّط النائب عقاب صقر، أكد الفرزلي أنّ هذا الفريق متورّط حتى العظم في الأزمة السورية عبر توريد السلاح والمسلحين، وشدّد على أنّ هذا الفريق يعمل ضمن أجندة خارجية ومشروع أميركي غربي يريد السيطرة والهيمنة على المنطقة.
وعما إذا كان بالإمكان رفع الحصانة عن صقر حتى تتم محاكمته، استبعد الفرزلي حصول ذلك، لأن المسألة تقتضي أولاً طلباً من النيابة العامة، وإذا وصلت المسألة إلى مجلس النواب، فيحتاج الأمر إلى الأكثرية النيابية، وهذا مستبعد في التصويت في ضوء مواقف النائب وليد جنبلاط وكتلته.
الوضع المسيحي في المشرق
واعتبر الفرزلي أن الوضع المسيحي في لبنان يختلف عنه في سورية والعراق وغيرهما، وأكد أن مسيحيّي لبنان لا يقبلون إلا أن يكونوا من صانعي القرار السياسي اللبناني وشركاء حقيقيين في النظام والسلطة، لا أن يكونوا ملحقين لطوائف أخرى، أو أن الطوائف الأخرى هي التي تحدد النواب المسيحيين الذين يجب انتخابهم.
وعن عمليات تهجير المسيحيين في سورية من قبل ما تسمّى «المعارضة السورية» عبر الجماعات التكفيرية، أعلن الفرزلي أنّ مسألة استهداف تهجير المسيحيين من الشرق لم تبدأ الآن في سورية، بل إنه مخطط يهودي أميركي غربي قديم يهدّد وجودهم، وقال: هذا المخطط بدأ في فلسطين، ثم انتقل إلى العراق ومصر واليوم في سورية، مشدداً على أنّ القرار الذاتي للمسيحيين هو الذي يساعدهم على الاستمرار والتمسك بأرضهم في سورية، وأشار إلى وجود إجماع دولي على حماية الأقليات فيها، المسيحيون متجذرون في هذه الأرض العربية، وعلينا وعي المخطط الجهنمي التهجيري ونواجهه بكلّ الوسائل، وأكبر ردّ يكون عبر قوانين الانتخاب والمشاركة الفعلية في السلطة والحكم.
انتخاب البطريرك اليازجي
وعن انتخاب البطريرك يوحنا اليازجي خلفاً للبطريرك الراحل مار اغناطيوس بطرس هزيم، أوضح الفرزلي أن مسألة سوري ـ لبناني لا وجود لها في انتخاب الكرسي الأنطاكي، وأنّ الخلفية ليست ذات فعل تعصّبي لهذا البلد أو ذاك، ولفت إلى أنّ أبناء الكنيسة الأرثوذكسية في سورية مهدّدون بالخطر، وبالتالي فإن مجيء بطريرك من طائفتهم قد يخفف عنهم من مخاوفهم، ولهذا السبب قد يكون انتخب اليازجي بطريركاً جديداً لأنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس.

Wednesday, December 19, 2012


حوار مع ابراهيم الأمين – الشرع يخرج عن صمته: الحسم العسكــري وهم… والحلّ بتسوية تاريخيّة
16 Dec 2012 at 8:09pm
Fb-Button
الطريق إلى دمشق ليست كما كانت عليه قبل ستة أشهر، ولا قبل عام، ولا قبل عام ونصف عام. الأزمة التي تعصف بسوريا حاضرة في كل شيء. الحواجز العسكرية والأمنية، والفواصل الإسمنتية التي يعرفها اللبنانيون جيداً، كلها باتت حاضرة. والمفاجأة تتطلب التوقف عن السير عند رؤية عشرات المواطنين يحيطون بمبنى صغير. تحتاج إلى ثوانٍ من الامعان، قبل أن تكتشف أنهم يقفون في طابور لولبي حول فرن لشراء الخبز
ابراهيم الأمين
دمشق | فاروق الشرع انشقّ؟ لا، هو في إقامة جبرية!. لا، هو موجود الآن بعيداً عن أعين النظام. الشرع بات تحت حماية مجموعات من المعارضة المسلحة. وصل إلى الأردن برفقة عشرات الضباط. في طريقه إلى باريس، ينتظره الآن مسؤول كبير… إلى آخر الإشاعات التي لم تتوقف قنوات داعمة لخصوم النظام في سوريا عن تردادها وتبادلها مع مواقع الكترونية. فاروق الشرع خارج دائرة القرار. تم إبعاده عن المشاورات الرئيسية. القيادات السورية لا تتواصل معه. التقارير التي ترد من الجهات المعنية لا تصل إليه. تم عزله وإعفاؤه من مهامه كنائب للرئيس. لم يعد مكلّفاً بأي مهمة منذ تشييع كبار الضباط في انفجار مبنى الأمن القومي… إلى آخر التسريبات التي لم يتوقف زوار العاصمة السورية من مؤيدين للنظام عن تردادها.
الواقع لا هذا ولا ذاك. نائب الرئيس السوري فاروق الشرع في الحدث، ولكن ليس في دائرة صنع القرار. اتصالاته قائمة مع بعض المسؤولين في البلاد. يتواصل مع الرئيس بين الحين والآخر، وهو على تواصل مع بعض أعضاء القيادة. حركته ومقر إقامته يخضعان لإجراءات حماية مطابقة لكل الاجراءات التي تشمل كل من هم في دائرة القرار اليوم. حيويته قائمة. لا يزال على صلة أيضاً بمعارضين وشخصيات مستقلة من خارج الدولة وخارج النظام. لديه ملاحظات يومية على كل ما يجري، كما لديه انتقاداته وهواجسه التي لطالما عبّر عنها في الاجتماعات الرسمية من دون محاولة إيصالها إلى وسائل الإعلام.
لكن هناك ما تغير. لا يشعر فاروق الشرع بالإحباط، لكنه مثقل بهموم بلده، ويصف الواقع كما هو. لا يعتقد بأنه مضطر لأن يكون حاضراً في كل شاردة وواردة، خصوصاً عندما يكون مقتنعاً بأنه لا يستطيع تغيير الحلول المتبعة. لا يمكنه السكوت عن خطأ أو الصمت على أمور تهدّد مصير البلد. ولخبرته في النظام ومؤسساته ورجالاته. لا يحتاج إلى من يقول له متى يتدخل وكيف.
في منزل تصل إليه السيارة بعد المرور بحواجز عسكرية، يجلس فاروق الشرع وهو يعيد رسم المشهد السوري منذ اليوم الأول للأزمة. يتحدث عن النظام وقيادة الحزب والدولة، وما يجري على الأرض، والأدوار الخارجية التي تقوم بها دول ضد سوريا وضد دورها التاريخي في المنطقة. كل ذلك لا يجعله يحيد لحظة عن شعوره بالمسؤولية عن القيام بدور ومسعى حثيث يساهمان في إخراج سوريا من أزمتها المتفاقمة.
هو صديق للشعب الروسي الوفي لعلاقاته التاريخية مع الشعب السوري. وفي الصين، يتذكر زياراته إلى هذا البلد العظيم الذي تطورّ بصمت وبصبر حتى صار من أقوى بلدان العالم. أما إيران، فيرى أنها الأقرب إلى سوريا، وليس إلى النظام فقط.. يثق بحكمة مرشدها السيد علي الخامنئي منذ كان رئيساً للجمهورية الإسلامية، ويشيد بنضال السيد حسن نصر الله ويرى أنه كان من الممكن أن يكون لهما دور أكبر في السعي إلى حل سياسي حقيقي مبكر للأزمة السورية.
يتابع فاروق الشرع ما يجري في العالم العربي. يرى ما حصل في مصر هزة كبيرة لا عودة فيها إلى الوراء، لكن يجب متابعة الحراك السياسي والإعلامي، ولا يمكن إهماله. مصر دولة تاريخية يجب العمل على بناء علاقة متينة وجيدة معها. وهي قادرة على القيام بالكثير لمصلحة العرب. وما تشهده اليوم يحتاج إلى متابعة دقيقة لأن الثورة التي انطلقت منها لا تستطيع أن تحقق على الفور نتائج حاسمة تعبر عن تطلّعات الشعب المصري ومطالبه.
لفاروق الشرع، البعثي والدبلوماسي العتيق، ابن سهل حوران، المسؤول السوري المعروف بنزاهته وحكمته، رأي في كل ما يحدث. لديه تجربة عميقة مع الرئيس الراحل حافظ الأسد. وهو كان، منذ اللحظة الأولى، إلى جانب الرئيس بشار الأسد، ووجد فيه الفرصة الكبرى لتغيير ينقل سوريا من مرحلة إلى أخرى ومن مكان إلى مكان أكثر تطوراً. لكن منذ بداية الأزمة في مطلع عام 2011 لمس أن الرياح تسير بما لا تشتهي السفن.
فاروق الشرع ليس في وضع يحتاج فيه إلى نفاق أو محاباة من أجل مكسب أو منصب، فرصيده السياسي كبير، وهو ليس مديناً لأي جهة. وقد أبلغ جميع من تواصل معه بأنه لا يقبل ولا يطمح إلى أن يتولى مهام أي حكومة انتقالية مقترحة. وقلقه الآن ينصبّ على سوريا. يقول ما يريد قوله تأييداً لهذه الخطوة أو تلك، ونقداً لهذا القرار أو هذا السلوك، ورفضاً لتلك الوجهة أو ذاك التصرف.
لفترة طويلة، غاب الشرع عن المشهد الإعلامي. وها هو يعود ليقول كلاماً له مقاصده. هو المسؤول الراغب بالتجدد، والمحافظ على احترام عمل الدولة. ولا يقوم بأي تصرف خارج موقعه، فلا يتجاوز الرئيس، ولا يلعب من وراء ظهره. يسخر على طريقته من كلام الاعلام عن انشقاقه.
عسكرة الحراك
يفصل الشرع بين الحراكين المعارضين. لديه رؤية واضحة لما يجري في بلاده منذ اليوم الأول للأزمة: في بداية الأحداث كانت السلطة تتوسل رؤية مسلح واحد أو قناص على أسطح إحدى البنايات، الآن السلطة وبكل أذرعتها تشكو ــــ حتى إلى مجلس الأمن الدولي ــــ كثرة المجموعات المسلحة التي يصعب إحصاؤها ورصد انتشارها. هناك بلدات وأطراف مدن تم «تنظيفها» مما أدى إلى تهجير سكانها، ثم عاد المسلحون مرات عدة إليها، في حين لم يتمكن سكانها من العودة. «هل يحق لأي كان أن يدخل الوطن في عنق زجاجة لا يخرج منها إلا بكسره؟» يتساءل الشرع بمرارة، خصوصاً عندما يشاهد صوراً لجثث مواطنين ابرياء، والتشوهات التي يحدثها القصف والتفجيرات والسيارات المفخخة التي تستهدف البشر والبنى التحتية والمؤسسات العامة والخاصة والكوادر العلمية في البلد. ويقول: «ان مرتكبي هذه الجرائم ومن يقف خلفهم مدانون وهم فقدوا كل حس وطني وأخلاقي وانساني».
يعود الشرع الى المشهد العام ليقول «إن تراجع أعداد المتظاهرين السلميين أدى بشكل أو آخر إلى ارتفاع أعداد المسلحين. صحيح ان توفير الأمن للمواطنين واجب على الدولة، لكنه يختلف عن انتهاج الحل الأمني للأزمة. ولا يجوز الخلط بين الأمرين. كل ذلك، كان يوجب النقاش حول الآليات، وسعينا لأجل أن يكون الحل سورياً ـ سورياً. والحوار الذي تبنيناه في تموز 2011، كان هدفه حل الأزمة سياسياً في بداياتها بأيدٍ سورية. لكن الأمور لم تسر في هذا الاتجاه، ثم جرى تعريب الأزمة وتعليق عضوية سوريا، الدولة المؤسسة في الجامعة العربية، من دون أي مبرر أو سبب مقنع للمواطنين السوريين. حصل الكثير من الأخطاء التي لا يمكن نسيانها أو القفز فوقها من قبل الجامعة العربية والدولة معاً».
لكن أين مسؤولية الدولة في تحري أسباب وصول الأزمة إلى ما وصلت إليه، خصوصاً لناحية عسكرة الحراك؟ ألم تُشكّل لجان تحقيق لتحديد هذه الأسباب؟ يجيب: «لم تشكل لجان تحقيق ذات مصداقية منذ بداية الأحداث، وإذا شكل بعض منها فإن نتائج التحقيق لم تنشر في وسائل الإعلام، الأمر الذي مهّد لنشر شائعات أفقدت النظام مصداقيته وهيبته أمام المتضررين في الداخل والمراقبين في الخارج».
وجود البلد لا وجودنا
يقر نائب الرئيس السوري بعمق الأزمة. «كل يوم يمر يبتعد الحل عسكرياً وسياسياً. نحن يجب أن نكون في موقع الدفاع عن وجود سوريا، ولسنا في معركة وجود فرد أو نظام». وهو يعتقد بأن مشاكل سوريا «تعدّدت وتعقّدت إلى حد لم يعد فيه ممكناً فصل الأعمال العسكرية الجارية عن حياة المواطنين العادية».
هل نحن في سياق حل؟
في رأي نائب الرئيس السوري «هناك مسائل كثيرة يمكن العمل عليها من أجل إيجاد حل. لا أحد واهم بإعادة الأمور إلى ما كانت عليه، لأننا مقتنعون بأن لا عودة لعقارب الساعة إلى الوراء. الأخضر الابراهيمي يكرّر في تصريحاته أن الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ، وأنا لا أستطيع ان أنفي ذلك لأنني، ومنذ سنة وأكثر، أرى الخط البياني للأحداث يأخذك إلى مكان غير مريح تسير فيه الأمور فعلاً من سيئ إلى أسوأ. لكن المشكلة أن السيد الابراهيمي يتحرك ببطء وروية في حين تتحرك الأمور على الأرض بتسارع وعنف».
يضيف: «من موقعي لا أعرف تماماً الى أين سيفضي الخيار الراهن بنا. ليس لدي جواب شافٍ. وربما لا أحد من المسؤولين يعرف الى أين وصلنا في الحل. وقد تستغرب إذا قلت لك ان رئيس الجمهورية شخصياً قد لا يعطيك الجواب الشافي مع أنه يملك في يديه كل مقاليد الأمور في البلد. ما يجري في سوريا معقد ومركب ومتداخل. إذا حاولت تفكيكه قد يزداد تعقيداً وقد تزداد القطب المخفية فيه بدلاً من أن تهديك إلى الحل. من أتيحت له فرصة لقاء السيد الرئيس سيسمع منه أن هذا صراع طويل، والمؤامرة كبيرة وأطرافها عديدون (إرهابيون، رعاع، مهربون). وهو لا يخفي رغبته بحسم الأمور عسكرياً حتى تحقيق النصر النهائي، وعندها يصبح الحوار السياسي ممكناً على أرض الواقع. وكثيرون في الحزب والجبهة والقوات المسلحة يعتقدون منذ بداية الأزمة وحتى الآن أن لا بديل عن الحل السياسي، ولا عودة إلى الوراء».
يرى الشرع ان «الحل لا يكون واقعياً إلا إذا بدأ من أعلى المستويات. فرئيس الجمهورية هو القائد العام للجيش والقوات المسلحة، وهو الذي يعيّن رئيس مجلس الوزراء، ويقود الحزب الحاكم، ويختار رئيس مجلس الشعب. ولكن، وفي الوقت نفسه، هناك مؤسسات تنفيذية وتشريعية وقضائية مسؤولة مباشرة عن إدارة شؤون الدولة، وهذه المؤسسات لديها رؤساء ومديرون عامون ومجالس إدارة يعملون، أو يزعم بعضهم أنه يعمل، وفق التوجيه، وأحياناً يحسمون قرارهم عندما يشيرون بأصابعهم إلى الصورة المعلقة فوق مكاتبهم مما يعني أن التوجيه لا نقاش فيه».
لا تغيير من دون شركاء
يتابع الشرع: «في العام 1970 تم بناء العديد من مؤسسات الدولة على تناقضات وصراعات مجلس قيادة الثورة آنذاك وعلى أساس ميثاق متفق عليه (على سبيل المثال الجبهة الوطنية ــــ مجلس الشعب ــــ الإدارة المحلية). ثم أخذت هذه المؤسسات بالترهل ولم تُجدّد رغم المحاولات المتكررة لإعادة هيكلتها منذ أن تولى الرئيس بشار الأسد القيادة عام 2000. ثم أصبحت معظم المؤسسات تعمل بقوة العطالة المكتسبة. قد يكون هذا مقبولاً نسبياً في حال الاستقرار والأمن المستمر منذ عقود. ولكن كيف سيكون عليه الوضع في حال الأزمات الكبرى وما يتبعها من تدمير للبنى التحتية والبيوت وغياب الكهرباء وتوقف عمل المشافي في العديد من المدن والبلدات وتصاعد وتيرة النزوح الداخلي والخارجي، ناهيك عن اعتقال الآلاف الذين لا يُحالون إلى القضاء وكأن الأحكام العرفية ما زالت سارية المفعول؟».
يضيف بلغة الواثق: «لا الائتلاف الوطني، ولا مجلس اسطنبول، ولا هيئة التنسيق كمعارضة داخلية متعددة الأقطاب، ولا أية مجموعات معارضة سلمية أو مسلحة بارتباطاتها الخارجية المعروفة تستطيع أن تدعي أنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب السوري. كذلك فإن الحكم القائم بجيشه العقائدي وأحزابه الجبهوية وفي مقدمتها حزب البعث العربي الاشتراكي بخبرته الطويلة وبيروقراطيته المتجذرة لا يستطيع لوحده بعد سنتين من عمر الأزمة إحداث التغيير والتطور من دون شركاء جدد يساهمون في الحفاظ على نسيج الوطن ووحدة أراضيه وسيادته الإقليمية. إن فقدان الثقة بين هذين الطرفين، وبالتالي استحالة جمعهما في حوار مباشر، سيفضي إلى تدمير وتفكيك مستمرين لا يستفيد منهما في هذه المرحلة إلا الاحتلال الإسرائيلي».
ويرى الشرع «أن البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد تتغير يوماً بعد يوم وأمام أعيننا. وما يحصل في سوريا يتماهى في مستوى أكثر تعقيداً مع ما حصل في مطلع تسعينيات القرن الماضي في بلدان أوروبا الشرقية. ولا بد من أن نأخذ في الاعتبار أيضاً أن تلك البلدان لم تدخل عند تغيير بنية أنظمتها في نزاعات أهلية أو حروب مدمرة، مع أنها دخلت في أزمات اقتصادية خانقة».
نقاشات القيادة
وهل في القيادة رأي واحد، أو يعمل الجميع وفق منطق سمعاً وطاعة، هل يسمع الرئيس مثلاً الآراء التي تخالف تصوره للعلاج؟ يجيب الشرع: «طبعاً، هناك آراء ووجهات نظر داخل القيادة السياسية، لكن الأمور ليست بالوضع الذي يقود إلى الحديث عن تيارات أو عن خلافات عميقة. عندما توليت من موقعي كنائب للرئيس إدارة ملف الحوار في تموز 2011 قبلت هذا التكليف انطلاقاً من قناعتي وقناعة هيئة الحوار الوطني كلها بأن الخطوة حقيقية وليست مجرد تكتيك. أنا هنا لا أنكر أنه قد يكون البعض منا تصرّف وكأنه يعتبر أن لا لزوم لها وأوحوا للقيادة بذلك فتنصلتْ منها بحجة أن المعارضة في الداخل والخارج اعتبرتها إحدى مسرحيات النظام، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى الإجهاز على الحوار السياسي وفتح الباب على مصراعيه لحوار الرصاص والمدافع. الآن تعيش سوريا أزمة اقتصادية ومعيشية حادة إلى جانب الأزمة السياسية والعسكرية. وعندما نقول ان أي تدخل خارجي مرفوض، ننطلق من أنه لم يكن هناك إجماع من شعبنا أصلاً على زج جيشنا الوطني في الأزمة منذ بدايتها. فهل هناك من يتوهم أن هذا الشعب سيقبل بتدخل جيوش أجنبية فوق أرض سوريا؟ هذا أمر لن يحصل، وستكون هناك مقاومة له. إن مكانة ووحدة الجيش السوري لا غنى عنهما في أية حلول وحوارات سياسية مطروحة».
لكن هل الأزمة مرتبطة فقط بالاعتبار السياسي؟
يقول الشرع: «لا يمكننا من خلال أي مراجعة، أن نغفل العناصر الداخلية المرتبطة بالوضع الاقتصادي والسياسات التي اتبعت على مدار السنوات الأخيرة على الأقل. كما أننا لا نتجاهل حقيقة أن هناك حاجة إلى تغيير ذي مغزى في مؤسسات الدولة وأجهزتها كافة. التغيير الحقيقي هو الذي يقوم على معالجة المسائل الملحة وفق الأولويات الضرورية. ربما لم نكن قبلًا نستمع جيداً أو نقبل بملاحظات حول ضرورة التغيير السريع. لكننا نتعلم من تجربتنا ومن تجارب الآخرين. وندرك اليوم أن التغيير أمر مفروغ منه. إذا لم تأخذ السلطة زمام المبادرة لتحقيقه مع الآخرين فإن التغيير سيحصل بإملاءات أحادية منهم».
كيف تتصور الحل؟
«كل منطق يقوم على مبدأ رفض الحوار إنما يعكس رغبة في عدم التوصل إلى حل بيد السوريين أنفسهم. وبالتالي فإن أي تسوية، سواء انطلقت من اتصالات أو اتفاقات بين عواصم عربية وإقليمية دولية، لا يمكن لها العيش من دون أساسها السوري المتين. الحل يجب أن يكون سورياً ولكن من خلال تسوية تاريخية تشمل الدول الإقليمية الأساسية ودول أعضاء مجلس الأمن. هذه التسوية لا بد أن تتضمن أولاً وقف العنف ووقف إطلاق النار بشكل متزامن وتشكيل حكومة وحدة وطنية ذات صلاحيات واسعة. وهذا ما يجب أن يترافق مع معالجة الملفات العالقة المتصلة بحياة الناس ومطالبهم المحقة».
يضيف الشرع: «المشكلة تكبر وتتعمق عندما يعتقد البعض أن الحسم أو الكسر ممكن. ليس صحيحاً على الإطلاق أن بإمكان كل هذه المعارضات أن تحسم المعركة على أساس إسقاط النظام إلا إذا كان هدفها إدخال البلاد في فوضى ودوامة عنف لا نهاية لها. ولا أرى أن ما تقوم به قوات الأمن ووحدات الجيش سيحقق حسماً، سيما أننا ندرك، من دون أية أوهام، خطورة العمل الجاري الذي يستهدف تدمير سوريا: تاريخاً وحضارة وشعباً. إن اتصالات الابراهيمي وجولاته، كما مبادرة جنيف، يمكن اعتبارها أساساً صالحاً لهذه التسوية. ولا نبالغ إذا قلنا ان إنجاز التسوية التاريخية للأزمة السورية قد يمهد الطريق لتحقيق مناخ دولي يعالج قضايا هامة أخرى بالطرق السياسية وليس بالمواجهة العسكرية».
ولكن هل نضجت التسوية التاريخية؟ يأمل فاروق الشرع ذلك، لكنه يستدرك: «إذا تصور أو أصر كل طرف معني بهذه التسوية أنه سيحصل على كل ما يتوقعه ويطمح إليه، فإن التطلعات الوطنية المشروعة للشعب السوري ستكون عرضة للضياع، ومصير المنطقة سيدخل في نفق مجهول».
الأخبار
أقرأ ايضاً


للميلاد الآتي وقعٌ بعيد لم يكن من قبل. كانت الديانات الشرقية في الماضي منقسمة حول المسيح، منها ما يكرّم مجيئه وينفي قيامته، ومنها ما ينكر ظهوره. أما المطروح في الشرق الآن فهو بقاء المسيحيين، من بيت لحم، قرية المغارة، الى مصر، مهرَب الأنبياء والصدّيقين.
يبدو المشهد شبه مأخوذ من أيام المسيحية الأولى، حيث كان المسيحيون يناشدون السماء ان تساعدهم في البقاء على الأرض. أصحاب مُلك وغرباء. أهل بلا صلة. وأقسى ما يخامرهم من مشاعر، هو الشعور بالندم. بدل ان يردوا أسباب المخاوف، راحوا يصفّرون في العتم لطرد الخوف. والعتم طويل.
لست أنكر معرفتي الكافية بالمسيحية، من أجل ان أبرر شططاً أو جهلاً. لكن المسيحية بالنسبة إليَّ، وفي جميع مراحل العمر، لم تتعدَّ الرؤية الطفولية الى أركانها: المحبة والصفح والتضحية، وما عدا ذلك فليس من يسوع بن مريم، الذي عرفناه في الأناجيل وليس في كتب التاريخ. ولعل هذا أحبّ إليه. فالمؤرخون لم يدركوه بالتفاصيل الدنيوية، وهكذا أبقاه مبشِّروه صورة رمزية، مليئة بالروحانيات، وليست رحلة الجسد فيها سوى وسيلة لسرد الدراما وبث الدعوى.
لا يمكن فصل المسيحية عن سيرة المسيح إلا زوراً وتجاوزاً ومكابرة. قال المطران جورج خضر في رثاء اغناطيوس الرابع هزيم: "لتصير بطريركاً أحياناً، ويبقى لك قلب شماس، يؤثرُ أداء التراتيل وبهجة العبادة. الأرثوذكسيون قداس والباقي يُعطى لهم كزيادة". كان اغناطيوس الرابع أرفع من سدة وأبهى من أرجوان. كان شماساً يؤثر بهجة العبادة، خالعاً عنه فقاقيع البهرجة الوثنية، متلحفاً ثوب الوداعة بالمسيح.
فكرت كثيراً في الكتابة عن "الخوري الدرزي"، كما كان يضاحك نفسه الطيبة. لكنني تهيبت، عارفاً ان هذا أدب جورج خضر وحقه في علو الآداب. واغناطيوس الرابع كان آتياً من جذور النسك، كما قال. ومن مهابة التواضع وألَق الخفر البطريركي الأبوي ونقاء الرعاة.
هل حقاً لم يأتِ مولود بيت لحم لينقض وإنما ليتمّم؟ أم أنها وداعة يسوع، لا يريد إزعاج أحد. فالحقيقة ان حياته تبدو نقضاً لما سبق. ففي سفر القضاة (زعماء القبائل) نرى ان صيت شمشون بدأ في يوم عرسه. سوف يقتل ثلاثين رجلاً لأنه احتاج الى ثمن أثوابهم لتسديد رهان. ومن ثم تكرّ المجازر الجماعية، إذ ينتقم لمقتل أبيه وزوجته، بإبادة ألف فلسطيني وإحراق محاصيلهم. وفي جولة أخرى يقتل شمشون ألف رجل (رقم الحظ) مستخدماً في العملية فك حمار (نيع، باللغا اللبنانيي). انتهى؟ لا. باقي ثلاثة آلاف دمّر شمشون على رؤوسهم أعمدة الهيكل، وقضى هو تحت أحد هذه الأعمدة.
كانت هناك أغنية تردّدها الجواري في قصر الملك داود: "شاوول (أول ملوك إسرائيل) قَتل بالآلاف، لكن داود بعشرات الآلاف". حزّت في نفس شاوول وقرر اغتيال المنافس ذي الصوت الساحر، لكنه نجا بأعجوبة.
الفصل التالي نرى خلافاً، بل قُل نزاعاً، بين داود وابنه الثالث إبشالوم. يغتصب الأول امرأةً فيغتصب الثاني عشرا. (مرة واحدة). يحاول إبشالوم الفرار فيعلق شعره (طويلاً مثل جدائل شمشون، كما يبدو) في شجرة، فينقضّ عليه كبير مساعدي داود: ثلاث حرَبات في الصدر. أيضاً، مرة واحدة.
رفض المسيح بن مريم، كل ما كان شائعاً أو عادياً أو بطولياً من قبله. رفض العبودية والقتل الجماعي والاضطهاد والسخرية من الآخرين وكل ما هو عنف وظلم وتوحّش. ليس في سيرته مذابح ولا غزوات ولا اغتصابات ولا رأس يوحنا يُقطع من أجل ليلة مع عاهرة سادية. ولا "قضاة". مجرد حكاية بسيطة، رجل و12 صياداً. لا يُقاتل أعداءه ولا يُبيد أطفالهم ومواشيهم ولا يحرق محاصيلهم. يصل في مذود ويغادر عن طريق الجلجلة، من غير ان ينسى الطلب الأخير: اغفر لهم يا أبتاه.
لا نعثر على عيسى بن مريم في كتب التاريخ. فقط اثنان من الأناجيل الأربعة يرويان سرد المهد: لوقا ومتى. وكلاهما كان محباً لا مؤرخاً. لذلك تختلف أحياناً التفاصيل، ولكن تبقى الرسائل الجوهرية واحدة: خطبة الجبل، مؤاساة المرضى، وحياته الشخصية نفسها. نجار الناصرة لا بيت له، لطيور السماء أوكار وليس لابن الإنسان بيت يأوي إليه. في هذه التفاصيل الدرامية البديعة، يجب العودة الى أرنست رينان، وإن تكن الكنيسة لا تقرّه على تفاسيره.
كان عيسى بن مريم فاصلاً في تاريخ التعاليم البشرية، التي وُلدت في "الخطيئة الأصلية" وكان أول أحداثها، الحسد الذي دبّ في قايين حتى الجريمة. ومن ثم يتدافع التاريخ في الحروب وبطولات الاحتلال والإبادة، هوميروس، الاسكندر، وروما. فإذا مولود المغارة يرفع للمرة الأولى "على الأرض السلام وفي الناس المسرة". يغفر للعشارين ويسامح الفريسيين ويمنع الزناة الكبار من رجم الزانية الصغيرة. لا مكان للأقوياء في شرعه ولا للغضب. طوبى للضعفاء، قال في مكان ما. لا جُند ولا قادة المئة. ولا ثرثرة على الناس: فليكن كلامكم نعم نعم ولا لا. لماذا الغرَق في الثرثرة واللغو واللعيّ؟
ترك لنا الرسامون العظام أجمل اللوحات، لكنها كانت بعيدة من المسيحية. مسيح رافاييل لا وجود له. الناصري كان يجلس على حصيرة لا الى مائدة ضخمة. وكان يصل الى المدينة على جحش ابن أتان. وهكذا إذ بحث جورج خضر عن صفة عليا لاغناطيوس هزيم قال إنه البطريرك الذي ظلّ شماساً، العالِم الذي لم يخلع ثوب القروي. وادع كالحقل وصلب كالفلاحين وحجر الصوان.
الأسبوع الماضي أبلغتنا "النيويورك تايمس" بلاغاً مقلقاً: هجرة كثيفة للأرمن من حلب. ألم تكفِهم هجرات في هذا الشرق المنفرط والمتفرقع مثل بقايا الجمر في الرماد؟ ولكن هل الأرمن وحدهم يهاجرون؟ مَن في هذا الشرق لم يملِّح وجهه البحر وتتناوله الرياح؟ لكن هجرة الأرمن لها بُعد آخر. هؤلاء قوم لا يُقتلعون بسهولة، ولا يَتخلون بخفة. ومدينة سيف الدولة، كلها تحت الركام، في أي حال. وقد أصبحت مجموعة مدن لها حدودها الداخلية، كما يكتب تشارلز غلاس في "نيويورك ريفيو أوف بوكس". لعنةُ الشرق أم فِعلةُ الشرقيين؟ شهد جيلنا ما لم يشهده جيل مماثل في أي أمَّة أو قارة. زالت الاسكندرية "كمدينة للذكريات" كما وصفها لورانس داريل، ودُمِّرت بيروت "كمدينة للمنارات"، كما وصفتها إيزابيل إلليندي، وصار يقال إن بغداد آخر المدن، ولا ليلة فيها من ألف ليلة. وأطفأت القاهرة أضواء النهضة باسم الدستور. وها حلب ودمشق في مرارة المصير وحرقة الأوطان.
اخترقتُ خصوصية شارل أزنافور على الطائرة الى نيويورك لأخبره أنني لا أحضر حفلات الغناء، ولكن حضرت حفلته في بيروت الصيف الماضي، وفي باريس قبل عامين، هذه أمسيات شعرية. سألني عن لبنان، قلت له، إذا حزم الأرمن الحقائب، دليل غير جيد. قلت له إن الأرمن في كل مكان يشبهون بعضهم بعضا. يذوبون حنيناً الى الماضي، ويتعرّقون دماً من أجل المستقبل. ماهرون في إدراك لعبة الحياة، عاجزون في وجه لعبة الأمم.
كم هو رائع البارون شاهنور فاغهيناغ أزنافوريان. تذكرت أرمن حلب في "النهار". سام، وجورج سمرجيان، وهمبار. البارون سام غيَّر معاني الصورة الفوتوغرافية ونقلها من حدث الى لوحة. وكان يعطي هذه اللوحة لشوقي أبي شقرا "الصفحة الثقافية" فيضع لها عنواناً يجعلها لوحة وقصيدة. كمثل صورة رفّ من السمّن يرتاح على أعمدة التلفون في الخريف: شعراء الصحو، سماها شوقي أبي شقرا، شاعر الغِمام وناي اللغة.
بيت لحم؟ أين بيت لحم؟ ونهر الأردن؟ ماذا على نهر الأردن؟ والقدس، التي كان اغناطيوس الرابع يقول إنها قدسه، أين هي القدس؟ عيد جميل، لأنه للأطفال. ينامون وهم يحلمون بالهدايا، غير عارفين أي أحلام سود يحلم الكبار. أي أفكار كالحة تملأ عقولهم وقلوبهم وأجفانهم. أي مكائد يكيدون وأي حقد تفرز أكبادهم. صفر الوجوه، من غير علَّة.
كنا نفكر في الأعياد في سوريا ونخاف منها، هذا العيد نفكر فيها ونخاف عليها. أبداً ليس على طائفة أو فئة. فكم علّمتنا في الماضي أنها فوق الطوائف وتحت الأديان. وكم أنَّبت الطائفيين. ثم فجأة من عصر فارس الخوري الى زمن الرعب الى الأقليات. هل يسمى أهل البلد أقليات إلا في هذا الشرق المقزّز؟ هل جاؤوا من روديسيا؟ من حرب البوير؟ محزنة سوريا، ليس لأنها في جوارنا، بل لأنها في قلب الأمة. لم يحسن النظام المحافظة عليها ولا على نفسه ولا على علاقتنا بهذا الشق منا.
قال كليمنصو لصحافي أميركي: "مشكلتنا مع ألمانيا أنها تريد ان تفسر انتصارها سيطرة علينا، وهزيمتنا عبودية لها". لا أعرف كم فات من الأوان. لكن الشماتة بسوريا غباوة، والتشفّي بها شؤم، ولعنة. مهما تجبّرت الأنظمة فحالها حال يجول، كما قال المتنبي. ومهما اتضعت الأرض، فهي بقاء.
يحل الميلاد ومسيحيو الشرق خائفون في كل مكان من الشرق. خائفون خصوصاً من رعاعهم وقاصريهم. خائفون على أهلهم في الطوائف الأخرى. وعلى ذلك الزمن الأخلاقي الذي يندثر. هجرة العرب تُقلق، هجرة الأرمن تُخيف. وميلاد سعيد في أي حال. تذكروا أنه اختار ان يبدأ من مذود في بيت لحم، ولم يغير رداءه الصوفي، الذي عليه اقترعوا.

Tuesday, December 18, 2012













http://www.assafir.com/Images/SideLayer.gif
المجلس الدستوري غير قانوني
وما يصدر عنه غير قانوني



محفوظ سكينة

يثير القرار الرقم 1/2012 الصادر عن المجلس الدستوري بتاريخ 3/12/2012 القاضي بتعليق مفعول القانون المطعون في دستوريته من قبل رئيس الجمهورية، رقم 244 تاريخ 13/11/2012، والمتعلق بترقية مفتشين في المديرية العامة للأمن العام، من حملة الإجازة اللبنانية في الحقوق إلى رتبة ملازم أول، السؤال التالي:
هل أن الهيئة التي أصدرت هذا القرار تعتبر قانونية؟
أولاً: قاعدة عدم التجديد لأعضاء المجلس الدستوري:
نصت المادة الرابعة من قانون إنشاء المجلس الدستوري (رقم 350/93) على أن «مدة ولاية أعضاء المجلس الدستوري ست سنوات غير قابلة للتجديد ولا يجوز اختصار مدة ولاية أي منهم...».
كما نصت المادة الثالثة من النظام الداخلي للمجلس الدستوري (القانون رقم 243 تاريخ 7/8/2000) على أن مدة ولاية أعضاء المجلس ست سنوات غير قابلة للتجديد ولا للاختصار...».
إن المادة الرابعة والمادة الثالثة المذكورتين أعلاه، مطابقتان ومستوحاتان من المادة 56 من الدستور الفرنسي الصادر عام 1958، ومن المادة 12 من القانون الأساسي للمجلس الدستوري الفرنسي تاريخ 7/11/1958.
وقد اجمع علماء القانون على القول إن هدف هذه النصوص هو تأمين استقلالية الوظيفة وكرامتها بتعيين مدة غير قصيرة للولاية وغير قابلة للتجديد (nonrenouvelable). ومرد ذلك هو تمكين الأعضاء من ممارسة وظيفتهم بكل جدية من دون اللجوء أو السعي لمحاباة السلطة التي عينتهم ومن دون تمكين هذه الأخيرة من رهن مصير مدة ولاية العضو بإرادتها سواء بـ«إطالتها مكافأة لرضى» أو بـ«ببترها عقاباً» على عدمه.
D.Rousseau: Droit du Contentieux CONSTITUTIONNEL P.50
وتجدر الملاحظة أن قاعدة عدم التجديد مطبقة في التشريعات الأجنبية لا سيما في ألمانيا، وذلك بموجب الفقرة الثانية من البند 4 من قانون 21 كانون الأول 1970، لأن هذه القاعدة تُؤَمِّن، كما سبق القول، استقلالية أعضاء المجلس الدستوري.
غير أن لهذه القاعدة استثناء وحيدا، إذ إنها لا تطبق على العضو البديل إذا كانت المدة المتبقية من ولاية العضو الأصيل تقل عن سنتين.
وهذه القاعدة الجوهرية مرعية بشدة في جميع التشريعات الأجنبية وهي تشمل عدم إمكانية (بل استحالة) التجديد المباشر للولاية.
(renou vellement immediate)
والتجديد اللاحق (renou vellement ultérieur)
ولو كان ثمة احتمال بقبول المشترع لتجديد لاحق للولاية، لكان أورد قياساً على نص المادة 49 من الدستور اللبناني نصاً مماثلاً لنص هذه المادة الذي جاء فيه «... وتدوم رئاسته ست سنوات ولا يجوز إعادة انتخابه إلا بعد ست سنوات...».
وبالعودة إلى المجلس الدستوري الحالي في لبنان، يتبين، انه، يضم بين أعضائه، عضواً، تم التجديد له عام 2009، بعد أن سبق وكان عضواً في المجلس الدستوري، الأمر الذي يشكل مخالفة صريحة لقاعدة عدم التجديد المنصوص عنها في المادة 4 المذكورة أعلاه، وينتج من ذلك، أن التكوين الحالي للمجلس، يكون، مشوباً بعيب قانوني، والقرارات التي تصدر عنه بمشاركة العضو المجدد له، تكون باطلة.
ويتبين من القرار رقم 1/2012 الصادر عن المجلس الدستوري المنشور في الجريدة الرسمية عدد 51 تاريخ 6/12/2012 الذي قضى بتعليق مفعول القانون الرامي إلى ترقية مفتشين في الأمن العام إلى رتبة ملازم أول، انه، اتخذ بمشاركة العضو المجدد له، ويكون بالتالي هذا القرار غير قانوني.
ثانياً: وجوب إجراء القرعة بعد انقضاء ثلاث سنوات:
عملاً بالمادة الرابعة من القانون رقم 43 تاريخ 3/11/2008 المعدلة للقانون رقم 350/93 (إنشاء المجلس الدستوري) تنتهي ولاية نصف أعضاء المجلس الدستوري بعد انقضاء ثلاث سنوات على ولايتهم، ويجري اختيار هؤلاء بالقرعة. ويعين خمسة أعضاء جدد بدلاً منهم لمدة ست سنوات من قبل المراجع التي اختارت الأعضاء الأصليين.
إن قاعدة تبديل نصف أعضاء المجلس الدستوري كل ثلاث سنوات، عن طريق القرعة، والمعمول بها في معظم المجالس الدستورية الأوروبية، تهدف إلى ضخ دم جديد، يتكامل مع خبرة الأعضاء المتبقين، بحيث يتمكن المجلس الدستوري من التكيف مع التحولات الاجتهادية الكبرى التي تحصل في القضاء الدستوري الأوروبي، لا سيما الفرنسي.
إن القرعة تشكل موجباً قانونياً ملزماً، بعد انقضاء ثلاث سنوات على ولاية أعضاء المجلس الدستوري، وإجراؤها غير مرتبط بأية مسألة أخرى على الإطلاق. كما أنه، لا يوجد في القانون رقم 43 المذكور، أي نص يربط بين إجراء القرعة المفروضة قانوناً، وبين مسألة الترشيحات لعضوية المجلس الدستوري التي تبقى مستقلة تماماً عنها.
وإن الحرص على تأمين استمرارية عمل المجلس الدستوري، لا يحول دون إجراء القرعة، باعتبار أن هذه الاستمرارية مؤمنة بموجب المادة الرابعة من النظام الداخلي للمجلس الدستوري، التي جاء فيها ما يأتي:
«
عند انتهاء الولاية، يستمر الأعضاء الذين انتهت ولايتهم في ممارسة أعمالهم إلى حين تعيين بدلاء عنهم».
وتطبيق هذه المادة، يشترط مسبقاً معرفة الأعضاء الخمسة الذين انتهت فترة ولايتهم. ولا تتحقق هذه المسألة، إلا عند إجراء القرعة، وعندها يصبح بالإمكان تعيين بدلاء عنهم. ويستمر هؤلاء الأعضاء في ممارسة أعمالهم لحين حصول التعيين وحلف اليمين.
أما إذا لم تجر القرعة، فانه يستحيل على المراجع المختصة تعيين أعضاء جدد وذلك لاستحالة تحديد الأعضاء الذين ينبغي استبدالهم.
وينجم عما تقدم، وبكل وضوح، أن المجلس الدستوري ملزم قانوناً بإجراء القرعة، بعد انقضاء ثلاث سنوات على ولاية أعضائه، ولا يوجد أي سبب أو مبرر قانوني يحول دون ذلك.
وفي ما يتعلق بأعضاء المجلس الدستوري، يتبين أنهم قد حلفوا اليمين الدستورية أمام رئيس الجمهورية مجتمعين بتاريخ 5 حزيران 2009، إلا أن العضو محمد مرتضى الذي حل محل المرحوم اسعد ذياب، قد حلف اليمين في 20 نيسان 2010، بحيث تكون ولاية العضو البديل المذكور للمدة المتبقية من ولاية العضو الأصيل الذي شغر مركزه بالوفاة عملاً بالمادة 4 من قانون إنشاء المجلس الدستوري.
إن المجلس الدستوري، أصبح ملزماً، بالنظر لما تقدم، بإجراء القرعة، بتاريخ حده الأقصى 5 حزيران 2012، إلا أن القرعة لم تجر حتى الآن، بالرغم من انقضاء ما يقارب الستة أشهر، الأمر الذي يجعل من المجلس الدستوري هيئة غير قانونية وغير مؤهلة بالتالي لممارسة صلاحياتها بصورة صحيحة، ويكون بالتالي القرار الصادر عنه رقم 1/2012 والمتعلق بتعليق مفعول قانون ترقية المفتشين في الأمن العام إلى رتبة ملازم أول غير قانوني.
وبالاستناد إلى كل ما تقدم، نرى أن التكوين الحالي للمجلس الدستوري هو غير قانوني، ويكون بالتالي القرار الصادر عنه رقم 1/2012 تاريخ 3/12/2012، غير قانوني.


([)
دكتور في القانون العام
مستشار سابق لدى مجلس الشورى

Sunday, December 16, 2012


المسيحيّة في الشرق إما شهداء وإما مهجرون
Sunday, December 16, 2012 - 09:50 PM

مفيد سرحال
الشهود على المسيحيّة في الشرق إما شهداء وإما مهجرون
المسيحيّة ستتحوّل بفضل اليهود الى أسطورة والكنيسة الى تراث
المخطط الجهنمي في مراحله الأخيرة لتصفية الوجود المسيحي كلياً
رؤية غربيّة عنوانها التخلّص من «فوبيا» الإسلام ليحلّ مكانهم المسيحيّون
مفيد سرحال

من نافل القول ان الغرب المسيحي اغترب اغتراباً موحشاً وقاتلا عن مسيحيي الشرق وكأن الارساليات محض صدفة غبية وكأن بيت لحم والرسالة وشهادة يسوع مجرد حكاية استعمرت العقل الاوروبي المستباح بالرؤى اليهودية وبكل ترهات التلمود وروايات العهد القديم وكأن عهدا جديدا يكتب للشريحة المسيحية في المشرق عنوانه الهجرة النهائية عن ارض المهد ومحيطها الى مطارح الاندماج الطبيعي كما يسمونه في الادارات الاوروبية المتهودة المنساقة خلف ارهاصات اليوم الاخير وفق المنطوق الصهيوني تمهيدا للمعركة الكبرى التي ينتهي معها العالم وتبشر بمجيء «المسيح»...
في العراق غزت الحراب الاميركية ارض الرافدين والجيش الاميركي المفترض انه «مسيحي» شهد بام العين كيف يسبح المسيحيون بدمائهم في خضم بحث رامسفيلد عن الاسلحة الكيميائية والبيولوجية في قصور «صدام حسين» وجيوب «سرجون الاكادي»!!! فيما اليهود ينقضون على الاثار لاخفاء جريمة سرقتهم التاريخية لتراث امتنا واساطيرها واكثر من ذلك يحفرون قبر نبوخذ نصر انتقاما للسبي البابلي، ويخطفون العلماء والعقول المجلية في مجال الذرة والكيمياء والفيزياء في اكبر عملية نصب شهدها التاريخ! والعشرات من هؤلاء مسيحيون عراقيون عرب مؤمنون بعروبتهم وقوميتهم ومناضلون في سبيل رفعة الامة وكرامتها.
وفي لبنان يبحث المسيحيون عن سلطة ضائعة في اروقة قوانين الانتخاب على وقع اختلال الديمغرافيا وضمور الجغرافيا وتراكمات حروب ورهانات وسقطات اسقطت الدور المتقدم لصالح تنافس ذاتي يأكل بعضه ويتآكل، واتت الفكرة الفرزلية بنفحتها الارثوذكسية اجتهادا تفتق عن ذهن رؤيوي للم الشعث واستعادة الضائع من الوقار والمهابة اللهم اذا نجح في ترسيخ وتثبيت الفكرة...
اما في دمشق حيث «مريم تبارك طهرها ويوحنا ينتظر يسوع» كما يقول نزار قباني فالواقع اوهم واخطر فالتطهير انجز في حمص وحلب على قاعدة التجميع للترحيل بقوة القتل الممنهج وثقافة السيارات المفخخة التي من اشعاعاتها الدموية تفجر الصيغ العلمانية والثقافة العروبية الجامعة المتجاوزة لعوامل التطيف والتمذهب والمسيحيون بطبيعة الحال وبحكم التاريخ والوقائع والانتماء روادها الاشاوس وطاقاتها الغنية وعقولها المبدعة فوسط هذا الضجيج الدموي لتشليح سوريا وتصديح صيغتها ودورها وموقعها بسفك الدم المسيحي ومن لم يمت بالسيف سلط على رأسه فأس السفارات اي الفيزا الجاهزة في المكاتب الاميركية والفرنسية والبريطانية في عشق تهجيري واستماتة في توفير كل فرص الخروج الى الجنة الاوروبية لاي طالب هجرة من مسيحيي سوريا.
ولا احد ينس ما قاله ساركوزي الرئيس الفرنسي السابق لمراجع سياسية ودينية «نريد ان نخلص من هم مسيحيي الشرق لقد اتعبتمونا واقلقتم راحتنا فلدينا مشاغل غير حضوركم في هذا الشرق الملتهب بالدين والبترول فتعالوا الى الغرب، وسهل عليكم الاندماج في مجتمعاتنا بحكم انتمائكم الديني، هذا الكلام سمعه كثيرون وترك طي القلوب والصدور ومن سمعه ادرك ابعاد الحراك الغربي الملتبس لاسقاط سوريا ونظامها العلماني التعددي كما ادرك سر الصفقة الكبرى مع الاسلام السياسي كتجربة جديدة في المنطقة يمكن استنساخها عن الانموذج التركي.
اما في فلسطين فالصهاينة يضيقون الخناق على المسيحيين ويصادرون املاكهم ويضعون اليد على العقارات والبيوتات القديمة في القدس ناهيك عن الاعتقال تحت ذريعة الدفاع عن القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني بدولة مستقلة، والعبارات المسيئة للمسيحية وللسيد المسيح باتت الغذاء اليومي للمسيحيين من عرب الـ48 حيث يتوزع قطعان المستوطنين اليهود على الاحياءويفرغون على حيطان المنازل والكنائس حقدهم اليهوهي على المسيحية ورموزها ومقدساتها ولو قيض لهم شطب بيت لحم من الجغرافيا والتاريخ والذاكرة الجماعية لما قصروا وبالتأكيد هذا دأبهم وذاك ديدنهم.
وبالتالي فان الشهود على المسيحية في هذا الشرق اما شهداء واما مهجرون والمسيحية ستتحول وفق الجهد اليهودي الى مجرد اسطورة والكنيسة التي تعني جماعة المؤمنين ستتحول الى تراث ورسم دارس.
هذا المشهد المسيحي المرعب اطل عليه مرجع ديني مسيحي رفيع من زاوية نظر حادة مدققة عارفة فاحجب او بالاحرى طلب عدم البوح بكل عناوين المصير المفرغ وتفاصيل المخطط الجهنمي المرسوم للمنطقة المشعة على العالم دينا ونفطا غير ان الواقع المسيحي كان في جل اهتمام المرجعية كونه علاقة فارغة في هذا الشرق ويقول المرجع: ان تقسيم المنطقة بات بحكم القائم وترجمته الميدانية مسألة وقت. لقد نفض الغرب واميركا الغبار عن هذا الملف واعادوا فتحه وترتيب اوراقه تمهيدا لتقطيع المنطقة وتشكيل خريطتها الحبلى بالتناقضات فالدماء والدموع ستلف هذا الشرق الحزين ونحن في مستهل المشوار الرهيب في خواتيمه ومقدماته والفتن سيشتعل اوارها في كل ناحية لان المطلوب واحد انقاذ الدولة اليهودية بالدرجة الاولى وتسويق فكرة الخصوصيات فتأكل شعوب المنطقة بعضها البعض، ويتلاشى معها عناوين ومفاهيم وشعارات وقيم لطالما احتضنتها ذاكرة شعوب هذه المنطقة الحيوية من العالم كالعروبة - العالم العربي - المقاومة... وسيسود الفكر المذهبي المغلق والاطروحات الطائفية في جدل دموي وحوار عنوانه الاحتراب حتى آخر رمق.
ويتابع المرجع: المسيحيون في قلب هذا الواقع لا بل في صميم هذا المخطط الجهنمي ونعيش اليوم المراحل الاخيرة من تصفية الوجود المسيحي في الشرق فهناك من يطرح فكرة العودة الى غيتو يحوي كل المسيحيين في المنطقة وقد يكون لبنان الملاذ بحيث تجمع مسيحيو العراق وسوريا وفلسطين وقسم كبير من اقباط مصر لتشكيل توازن مع توطين الفلسطينيين ويمنع هجرة مسيحيي لبنان ويبعد عنهم كأس الشعور الاقلوي ويعطيهم جرعة قوة يفرضها تزايد العدد وبالتالي امكانية استعادة الدور لكن في ذلك مخاطر جمة حيث سيدخلهم في حروب ايضا تبدأ ولا تنتهي مع محيطهم اذا ما رسمت الحدود وتنوعت الحمايات الخارجية. اما الفكرة الارجح والاخطر والراسخة في العقل الغربي فتتواءم مع ما افصح عنه ساركوزي اي اجلاء المسيحيين الى الغرب لسهولة اندماجهم فيرتاح الغرب من «هم» هذه الاقلية وسبل حمايتها ونزع ستار القلق والخوف عنها سواء بالقوة المادية ام المعنوية. وتفريغ الشرق من المسيحيين يعني انشاء صراع ثلاثي الابعاد بين اسرائيل اليهودية وايران الشيعية وتركيا السنية عندها يسهل توفير الامان لليهود بعد المصالحة الكبرى مع المحيط ويسهل الاستحواذ على النفط كجائزة لترتيب السلطة لاولئك الذين حرموا منها ردها من الزمن.
ويتابع المرجع القول: ان اخطر ما في هذا المخطط، قيامه على رؤية مذهبية عنوانها الخلاص من فوبيا الاسلام في الدول الغربية فالمسلمون في اوروبا يتزايدون باعداد كبيرة ويشكلون عصب الانتاج في العديد من الدول كيد عاملة ومتخصصين في ظل ضمور الولادات لدى المجتمعات الاوروبية واستعانة الحكومات بالعرب والمسلمين الوافدين من دول المشرق والمغرب العربي لتحريك عجلة الاقتصاد ناهيك عن المشاكل السياسية والصراعات التي بدأت تطل برأسها في هذه الدول على خلفية دينية وصولا الى حد تحكم الوافدين المسلمين باللعبة السياسية في السنوات القادمة مع تزايد حضورهم «الم ينصح القذافي باستعادة اسبانيا بالولادات» وبالتالي فان تحرر الاوروبيين من «فوبيا الاسلام» في ربوعهم هو القيام بعملية طرد ناعمة للمسلمين تحت عنوان لقد اقمنا لكم انظمة اسلامية في بلادكم يحكمها اسلاميون ولقد حررنا بلادكم من الديكتاتورات العسكرية وقدمنا لكم فرصة حكم بلادكم بالشريعة الاسلامية عبر ايصال الاخوان المسلمين الى السلطة فتفضلوا عودوا ادراجكم «لكم بلادكم ولنا بلادنا»، وهذا الفراغ الاسلامي في اوروبا بعد طرد المسلمين يملؤه المسيحيون بعملية جذب قسرية تحت وطأة القتل والتطهير الطائفي فينزح المسيحيون بالالاف الى اوروبا ويتركون ديارهم وتاريخهم وتراثهم ليصبحوا في بلادهم الاصلية مجرد «ذكرى» او قلادة اثرية في عنق منطقة تنزف اوردتها بهذا الحكم من الدماء والاحقاد والحروب.
وتختم المرجعية: في ظل هذا الجنون الغربي اللاأخلاقي والتداعي العربي المخجل والمحزن في ان ينتظر المسيحيون مصيرهم الاسود على طاولة لعبة الامم، فالغرب يبحث عن خلاصه ومعه خلاص الدولة العبرية ونحن بين خياري التهجير الجذري والاقتلاع النهائي او التجذر القاتل مع غيرنا من الاقليات في «اسرائيليات»نرفضها في كنف قتلة الانبياء من بني صهيون.