Saturday, November 24, 2012


بعد دخول الحِراك الأردني المجال الحيوي لـ"الربيع العربي" وخروج "حماس"- غزة بشرعيّة أقوى و"السلطة الفلسطينية"- الضفة الغربية أضعف... ما هي الاحتمالات على وضع المملكة الهاشمية بين مصير النظام ومصير "الوطن البديل"؟

من سوء الحظ، حظ الخيار الديموقراطي للنخب والشعوب العربية أن الثورة السورية دمجت بين الخطر على النظام والخطر على الكيان، والكيان السوري هو، للتذكير الضروري هنا، كيانٌ سياسيٌّ وحّدت أجزاءه الأربعةَ خلال الانتداب الفرنسي نضالاتُ الحركة الوطنية السورية بين الحربين العالميّتين الأولى والثانية. أي أن الدولة السورية المعاصرة، كما كان السياسي اللبناني الراحل ريمون إده يقول وعلى صواب في سجاله مع حكُام دمشق منذ الخمسينات وبصورة خاصة مع حافظ الأسد، هي كيانٌ سياسيٌّ حديث النشأة مثل "لبنان الكبير" والعراق والأردن.(طبعا كان الراحل الطيب الذكر في السياسة اللبنانية يبالغ، نكاية بالقيادة السورية، في اعتبار شرعية لبنان أعرق من شرعية سوريا كدولة!!).
سوء الحظ الذي تواجهه شعوب "الهلال الخصيب" مع مسار "الربيع العربي" هو عكسه على هذا المستوى في مصر وفي تونس حيث وحدةُ كلٍ من هاتين الدولتين متماسكة وغيرُ مطروحٍ أصلاً أيُّ تهديد جدّي لسلامة الكيانين.
في لبنان – باختصار- تغيير النظام السياسي غير ممكن. فلبنان اليوم بكامل هشاشته كدولة وإنما بكامل قوّته كنظام سياسي. زعماؤه الذين يتناوبون على الدولة ويتناهشونها هم شخصيات مسيطِرةٌ على طوائفها ويحظون بتعاطف لا سابقة له في تاريخ الدولة اللبنانية منذ العام 1920 من قبل الجمهور الطائفي الخاص بكل واحدٍ منهم ويحمون هذا الوضع بشبكة مصالح مُحْكَمة نخبوية وشعبية استنزفت معظم الطاقة المالية للدولة التي باتت مهَدّدة بالإفلاس.
في سوريا تتحوّل الثورة إلى حربٍ أهليّةٍ فتّاكة ومدمّرة كما هو واضح في المدن السبع وضواحيها التي تدور فيها المعارك دفعةً واحدةً بما يتجاوز عنف الحربين الأهليّتين اللبنانية والعراقية.
ها نحن الآن في مطلع الانخراط الأردني في "الربيع العربي". بعض المواصفات "الربيعية" نفسها: اختناق سياسي (وإن بنسبة أقل قطعا من مصر و تونس وليبيا وسوريا سابقا)، صعود إسلامي "إخواني" بقيادة الحركتين السياسية والاجتماعية.
لكن، وكل تعقيد المسألة يكمن في هذه "اللكن"، يتداخل الخطر على النظام مع الخطر على الكيان مثل لبنان وسوريا وحتى العراق ولكن ضمن الخصوصية الأردنية:
كيف؟يؤكُد مطّلعون أردنيون – وهم من المتمسّكين بالولاء للملكية الهاشمية لهذا فإن شهادتهم هنا لها قيمة إضافية - أن ضعف الدولة في الأردن اصبح ملموسا في المناطق الشرقْ أردنية الموالية تقليديا للملك بل تشكّل بيئاتها مصدر التعبئة الأمنية والسياسية للنظام منذ تأسيس كيان شرق الأردن عام 1921 إلى اليوم. مع ذلك فإن تفاقم الأزمة الاجتماعية ومظاهر الفساد جعل هذه البيئات مسرحا لـ"الحِراك" الحالي فيما كان التململ في السابق ينحصر في البيئة ذات الأصول الفلسطينية حيث النفوذ التقليدي لـ"الإخوان المسلمين" الأردنيين "الفلسطينيين".
كل هذا الجوّ، على خطورته، كان يُمكن أن يكون جزءا من "الربيع العربي" على الطريقة غير الثورية الأشبه بما حصل في المملكة المغربية من حيث تحسّس النظام بضرورة تلبية المطالب الشعبية وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية وهذا ما فعله بنجاح حتى الآن الملك المغربي محمد السادس. ففي المغرب أيضا وصل الإسلاميّون إلى الحكم عبر الانتخابات ويديرون الحكومة الحالية أيضا من داخل الشرعية الملكية.
لكن لأننا في المشرق وخصوصياته عادت الأسئلة حول الأردن لتطرح بصيغةٍ جديدة التداخل بين مصير الكيان ومصير النظام. والمفارقة هنا أن اللبنانيين رغم كثرة ضجيجهم حول خطر التوطين الفلسطيني فقد ثبُت أن مصدر الخطر على الكيان اللبناني لا يُمكن أن يكون فلسطينيا رغم العبء الديموغرافي للوجود الفلسطيني لأن نسبة اللاجئين الفلسطينيين في أعلى أرقامها لا تتخطّى العشرة بالماية من النسبة السكّانية اللبنانية. أما في الأردن حيث التقديرات لعدد السكّان الفلسطينيين، ومعظمهم مجنّس، تتراوح بين50 إلى ستين وحتى خمسةٍ وستين بالماية. إذن الأبعاد الديموغرافية للموضوع الفلسطيني أكبر بكثير في الأردن منه في لبنان. ففي لبنان الخطر في أسوأ حالاته "تقسيميٌّ" أما في الأردن فالكيان بكامله على بساط البحث.
كل هذا تقليدي...كحساسيّات. لكن طرأ عاملان موضوعيّان كبيران يجدّدان إثارةَ "المسألة الوجودية" في الأردن هما:
الأول هو دخول الأردن مع تفاقم الحِراك المطلبي والسياسي في المجال الحيوي لـ"الربيع العربي" ولو أن ذلك الآن لا زال يبدو "على هامش" الوضع السوري. (وكل أوضاعنا في المشرق الشامي والخليجي باتت متّصلة بنتائج الحدث السوري الذي جعل من سوريا كما كتبتُ مؤخّراً "قلب العالم" على أكثر من مستوى في العلاقات الدولية).
العامل الثاني هو "حرب غزة" التي شنّنتها إسرائيل. فهذه الحرب من حيث التوقيت يمكن اعتبارها أول احتكاك كبير للصراع الفلسطيني الإسرائيلي مع النظام العربي الإقليمي الجديد.
لم تتضح بعد النتائج الأعمق لهذا الاحتكاك رغم تولّي مصر الإخوانية الجديدة قيادة المفاوضات على المسرح مع الأميركيين لأن "حرب غزة" في الوقت نفسه هي نوعٌ من المواجهة بين "نظامين إقليميّين" قديم وجديد كلاهما داخل هذه الحرب وسنشهد لاحقاً مدى قدرة أيٍّ منهما على تجاوز الآخر. فالمحور الإيراني السوري لا زال يملك أوراقا "تفجيرية" في الصراع العربي الإسرائيلي يمكن أن تفرض نفسها على الوضع الفلسطيني رغم "خروج" حماس من سوريا ورغم أن الطرف الفلسطيني الآخر، أي السلطة الوطنية الفلسطينية، هو أصلاً ضد المحور السوري الإيراني.
النتيجة البادية بوضوح حتى الآن من "حرب غزة" الأخيرة هي تكريس "حماس" في غزة. أونجاح "حماس" في تكريس نفسها بمجازفات وتضحيات نضالية أكيدة. لكن هل كان المشروع الإسرائيلي الأميركي يهدف إلى استئصال "حماس" من غزة؟ لا يبدو ذلك أبدا رغم العنف بل الوحشية الإسرائيلية في القصف.
أياً تكن الملابسات فإن وضعية "حماس" تبدو أقوى في غزة في المرحلة المقبلة. ومن الملاحظ حسب معلوماتٍ ديبلوماسيّةٍ جادةٍ ودقيقةٍ أن اسرائيل رفضت كل الأشكال حتى الشكلية لإدخال "السلطة الوطنية" بأي نوع من المفاوضات حول غزة خلال الحرب وكان بإمكان الإسرائيليين، على فَرَضِ رفضِ "حماس" المطلق لإشراك الرئيس محمود عباس، أن "يفتعلوا" هذا الإشراك لو أرادوا وحججُهم كثيرة. لكن المعلومات تقول أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان حريصا على استبعاد "السلطة الوطنية".
هل هذا يعني منع أي حضور لـ"السلطة" على أبواب معركة الجمعية العامة للأمم المتحدة حول رفع مرتبة فلسطين من "مراقب" إلى دولة غير عضو بما هي الآن "دولة الضفة الغربية" قلب مشروع الإستيطان الإسرائيلي والمجال الوحيد المفتوح الباقي لـِ"إسرائيل الكبرى"؟
وهل هذا يعني عودة الاستشعار بخطر "الوطن البديل" في الأردن حسب أجواء رفيعة المستوى في عمان ورام الله؟
"حرب غزة" يُمكن أن تكون مفتوحة على كل الاحتمالات ولهذا يجب أن لا ننسى أن معركة الدفاع عن الضفة الغربية هي الأساس لأنها معركة وجود "الدولة" داخل فلسطين وبالتالي معركة الدفاع عن الأردن كوطن غير بديل عن فلسطين.
·         المطران جورج خضر
·         2012-11-24
الدنيا خيبات ان كنت تتوقّع ان ترد لمحبّتك محبّات. ما طلب الله في كتابه ان تسعى إلى ان يحبّك أحد. أمرك أنت ان تحبّ كما أحبّ ابنه حتى الموت. أنت، زارعًا تزرع على الرجاء ولكن ما قال الرب في هذا المجال انك تزرع لنفسك. انه هو الحصاد للخير الذي أنت تعطيه. قد لا يرد أحد لك جميلا وليس عليك ان تنتظر ذلك. أنت تتعزّى بما تعطي لا بما تنتظر اذ قد يرد لطاعتك رفض.
أنت تعطي مجانا وترجو ان يرد المعطى له شكرًا لله. لا ينبغي ان يكون سعيك ان يرد لك أحد جميلا. أنت تعطي الآخر ليحسّن علاقته بالله. تعطيه لخلاصه وهذا يزيد نصيبك بالخلاص. أنت تنتظر من عطائك خلاصًا لك ولمن أعطيت وهذا يأتيك من مجانية الهبة الإلهيّة التي نزلت عليك وأوحت لك ان تحب.
أنت تفهم من كل هذا أنك فقير إلى الله وحده لأن أحدا لا يستطيع ان يعطيك الا ما عنده وقد لا يكون عنده الا القليل. ما قاله يسوع الناصري ان المحبّة فيها تبادل. هو تكلّم عن أجر لك في السماء بمعنى انه هو الذي أخذ ما ظننت انك تعطيه بشرا ورأى ربّك انه هو الآخذ.
ان لم تبقَ فقيرا إلى الله تغرق في الخيبات. الناس يعطون، حقيقة، في حالة واحدة اذا أحسّوا انهم معطون ربّهم في ما يعطونك. أنت لست غنيا بحد نفسك. أنت تستغني بالله فتبدد نعمته على الآخرين. مَن وهبك ولم يحسب انه يهب الله أو لم يحسب انه يوزع لك الثروة التي اقتناها من ربّه يصبح مستعبِدك. ليس لأحد شيء ليبدّده. انه مؤتمن على ما استودعه ربّه. الانسان يلتمس غنى ربّه فاذا جاءه يشرك الناس فيه وعلى من قدّم للناس عطايا ان يشعرهم بأنه وكيل الله لتوزيع هباته وان ينقلهم إلى شكر الله حتى اذا شكروه. مَن بذل من ماله أو فكره أو حبه مجرد جسر بين الله ومن افتقدهم. الشعور الوحيد الذي لنا الحق فيه ان نذهب بمن نسكب عليهم حنانا إلى ربّهم الذي يعاد إليه بالشكر ما نقدّمه للناس بسبب من محبّته لهم ولنا.
***
ما لم نبق فقراء إلى الله لا نستطيع ان نأخذ منه شيئا. لذلك كانت علاقاتنا بالآخرين ترجمة لعلاقتنا بالله.
غير ان ارتباطنا بالله لا نمتحن حقيقته أو صدقه الا اذا ارتبطنا بالبشر. انهم هم وجه الله الينا. فإن ارتضيناهم نكون قد ارتضيناه وان رفضناهم نكون قد رفضناه. لذلك أهل الطقوس ليسوا بالضرورة أهل الله. أجل كل حب الهيا كان أو بشريا يتطلّب تعابير وتعبيرنا لله عن محبّتنا له تلبس تعبيرنا عن محبتنا للناس. عندهم نلتقيه. انهم مذبح عبادتنا الحقيقيّة له. هذا المذبح يقول يوحنا الذهبي الفم أهمّ من المذبح الذي قدّمنا عليه القرابين. الحب هو القربان.
***
حب البشر للبشر يمكن ان ينعكس فيه حب الله لنا. فاذا ارتقيت أنت على معارج حبك لربّك أمكنك ان تحبّ الناس في صفاء تؤتاه من فوق وفي تجرّد عمّا يمكنك ان تكسبه منهم. اذا صارت مودّتك لهم صورة عن مودّة الله لخلائقه تكون مودّتك لهم غير مختلطة بمنافع لك أو استلذاذ بمشاعرك.
محبة البشر للبشر ان كانت إلهيّة يمكن ان يخامرها تأثّر عاطفي. ليس باطلا ان تطهّرت. والمحبة المبذولة منك إلهيا لإنسان دون ان ترجو منه ما يقابلها كثيرا ما خالطها لهب بشريّ. ليس هذا بمحرم. فاذا أحببنا الهيا يمتزج هذا بالبشرة ولا أذى من ذلك. ليس الحب الالهي النفحات فينا لبشر لحميّ الاندفاع فقط. ان التلاقي بين الألوهة فينا واللحم سرّ من أسرار الوجود. علينا ان نحاول ان نجعله على صورة التلاقي بين الألوهة والبشرية في المسيح. التلاحم بيننا وبين الربوبية الكامنة فينا يبقى سرا نتلقاه ولا نفسره. لكني أيقنت اني أستطيع ان استخدم لفظة التلاحم التي تشير، لغة، إلى لقاء اللحم واللحم. هكذا يكون تداخل الألوهية المتأنسنة فينا والبشرية في ارتقائها إلى هذه الإلهية القابعة فينا.
هذه هي خبرة القديسين التي حاولت في رؤيتي لها من بعيد ان أترجمها لنفسي وللقارئ بلغة البشر. يا ليت ربي يهب كلاّ منّا ان يتلقاها في نفسه كما تريد له النعمة ذلك. مَن حاول يذيقه، بمقدار صدقه، ربه شيئا من ذلك.
في هذا نستقر اذا أردنا أن نفهم. القديسون يستعملون لغة العقل بعد ان رأوا الرؤية. ان العقل الا مجرّد ترجمة لخبرة القديسين الا في المجالات التي تخصّه وحده.
من صار إلى هذه الرؤية لا تحجبها بالضرورة عن أبصاره خطيئاته ولكن ان تكشفت هذه تذهب عنه الرؤية ويعود بشرا من تراب والتراب لا يرى شيئا. والرؤية مسكوبة على من سعى وجاهد نفسه جهادا شرعيا طويلا حتى لا يبقى فيها الا الله أثرا.
هذا المسعى ليس الاعتزال قوته. أنت لا ترى الله الا اذا رأيت الإخوة وضممتهم إلى صدر المسيح ليسمعوا نبضات قلبه والكلمات التي لا يسوغ النطق بها. واذا انضمّ الناس إلى صدره يأخذون إخوتهم إليه حتى يبدأ الملكوت على الأرض ونفرح به معا. اذ ليس الملكوت مرجأ لأن الملكوت هو المَلك وقد جاء ليبشّرنا بأن الله محبّة وان المطلوب ان نقرأ محبّته لنا وان نستمدّها ليقرأ الناس ربّهم اذا انحنى عليهم وأذاقهم حنانه فإنه بهذا يظهر غناه وانحناؤه لنا.
Top of Form
Bottom of Form

Wednesday, November 21, 2012

بين «القبّة الحريرية»و«القبضة الحديدية»

«إن إسرائيل تنفّذ سياسة «جز العشب»، أي محاربة الإرهاب،
لكن قصف غزة يمثّل رش سماد على عشب الحقد والكراهية».
عن «النيويورك تايمز»

نجح الرئيس نجيب ميقاتي في تجاوز «القبّة الحريرية» التي نُصبت له في الفضاء الباريسي، فاستقبلته العاصمة الفرنسية بـ«الأحضان» مؤكدة مرة جديدة انها «أم حنون» لجميع اللبنانيين وليس للمسيحيين فحسب، إذ ان لديها عطفاً على المسلمين تستمد حرارته حالياً من آبار الذهب الأسود، في حين يحاول بعض المسيحيين استمداد عطف إضافي متصل بمفاعيل «معاهدة الامتيازات» مع الباب العالي التي وقّعت عام 1535 وجعلت من فرنسا لأجيال عدة حامية لمسيحيي الشرق.
وقد شجعت الزيارة الفرنسية الرئيس ميقاتي، وجرعات الدعم التي تلقاها من الإدارة الفرنسية، من أعلى مستوياتها، من الرئيس فرنسوا هولاند إلى وزير الخارجية لوران فابيوس مروراً برئيسي مجلس النواب كلود بارتلون ومجلس الوزراء جان مارك ايرولت، على طرح مبادرة للخروج من المأزق السياسي الذي يواجهه لبنان منذ اغتيال اللواء وسام الحسن الشهر الماضي وإعلان المعارضة مقاطعة طاولة الحوار، وكذلك مؤسستي مجلس النواب ومجلس الوزراء، وهي تقضي بإجراء حوار بإشراف رئيس الجمهورية حول نقطتين أساسيتين، هما قانون جديد للانتخاب وحكومة «استثنائية» تشرف على الانتخابات التي يخشى ألا تُجرى في موعدها، في حال استمرت مقاطعة الحكومة وجلسات مجلس النواب التي يناقش في إطارها مشروع الحكومة لقانون جديد للانتخاب على أساس النسبية. واشترط ميقاتي لإعلان استقالة حكومته ان يجري توافق في شأنهما كرزمة واحدة من شأنها إعادة وضع آليات الحكم على السكة الصحيحة.
بالطبع، لا يمكن الوصول إلى مثل هذا التوافق إلا بالعودة إلى الميثاق الوطني وثوابت العيش المشترك، التي تقرن التعهد الذي قطعه آباء الاستقلال على أنفسهم، واليوم الذكرى التاسعة والستون لهذا التعهد، بأن يقيموا دولة مستقلة عن الشرق والغرب، وان يوثّقوا أنفسهم بهذا العهد ومندرجاته في تحقيق المساواة والعدالة بين اللبنانيين، وكذلك تعهد الذين يقرون القوانين باحترامها والتزام تنفيذها.
وبينما يعرّض السياسيون البلاد لمزيد من الانقسامات والفوضى، ارتفعت القبضة الحديدية لقائد الجيش العماد جان قهوجي، رأس المؤسسة التي ألقيت على عاتقها مسؤولية حفظ الاستقرار وضمان السلم الأهلي اللذين هددهما السياسيون، فجاء بـ«أمر اليوم» عشية عيد الاستقلال، محذّراً من ان ثمة انقسامات «قد لامست بعض المحرمات التي تمس العيش المشترك» الذي هو لب الميثاق الوطني. وبعدما أكد التزام المؤسسة العسكرية «الثوابت والمسلمات الوطنية»، ومعاهداً الشعب، أعلن ان الجيش سيحافظ على الثوابت الآتية:
ـ لبنان وطن نهائي، حر سيد مستقل.
ـ حماية الديموقراطية والحريات.
ـ صون العيش المشترك.
ـ التصدي لأي محاولة للتقسيم أو للتجزئة أو التوطين.
ـ المحافظة على الدستور.
ـ توفير إقامة آمنة وكريمة في ظل سيادة القانون.
ـ الدفاع عن العدالة والمساواة.
ولعمري، ان هذا ليس «أمر اليوم» في ذكرى استقلال، بل هو «بلاغٌ» يدق ناقوس الخطر على الكيان الذي تستشعر المؤسسة العسكرية الحاجة إلى إنقاذه سريعاً بالحوار والتفاهم، قبل اللجوء إلى «الكي».
وقد بادر النائب وليد جنبلاط، إلى ملاقاة أصحاب الأفكار التوفيقية وفي مقدمهم الرؤساء ميشال سليمان ونبيه بري ونجيب ميقاتي والعماد جان قهوجي، في منتصف الطريق، عن طريق المبادرة التي أطلقها من أجل تقريب وجهات النظر حيال المشكلات المطروحة والتي عطّلت التواصل والحوار بين السياسيين.
وهو يأمل ان تشكّل استفتاء حول السبل الآيلة إلى إقامة وفاق وطني يمنع الانزلاق إلى الفتنة، ويساعد الجيش والأجهزة الأمنية على القيام بدورها.
ويبدو ان المبادرة التي ستشمل أعضاء هيئة الحوار الوطني وشخصيات فاعلة في مجالات مختلفة سياسية واقتصادية ومالية واجتماعية وروحية، إضافة إلى هيئات المجتمع المدني، تطمح للوصول إلى قواسم مشتركة من شأنها مساعدة رئيس الجمهورية «الحَكَم والحكيم»، على ما وصفه الرئيس ميقاتي من باريس، لإيجاد مخرج من الأزمة الوطنية.
edmond@edmondsaab.com


< المقال السابقرجوعالمقال التالي >

Tuesday, November 20, 2012


عاما وما اتّعظنا .... لفلسطين الحبيبة نتقدم    عاما60) بالإعتذار
by Maryse M. Ferzli on Thursday, November 15, 2012 at 5:46pm ·
،لأرضٍ تعلّمنا معنى حريّة تولد من رحم الحصار
،لأمّة لم تعتزل الموت يوماً و لم تملّ التضحية والإنتظار
،لأمّهات علّمن أطفالهنّ معنى المقاومة وهم بعد صغار
،لرجال إستقبلوا الصواريخ بصدور عارية لانهم أبوا الذلّ وعشقوا الإنتصار
،لابطالٍ اغتصبت ارضهم
،ماتت نسائهم
،ارتوى التراب من دماء أطفالهم
،فلم يرضخوا لانهم من نسل لا ينجب سوى الاحرار
، لأطفال روت دموع المقلتين شفاههم
،ألفت آذانهم صوت الموت
،ولم ترى عيونهم يوماً نور النهار
،لصرخة طالبت العرب بالرحمة والإغاثة فكان الرد خبثاً وكذباً ودماراً ما بعده دمار
،لعصفور تعلم أن يغرد بين رصاصات الغدر و صواريخ الجبن
،لأرض الحرية والمقاومة
.
لفلسطين الحبيبةالجريحة نتقدم بالإعتذار


،٦٠ عاماً وفلسطين تعلّمنا كيف يولد الأمل من عتمة اليأس
،كيف تكتب الحياة بريشة الموت
،كيف يتحول دفن الشهداء عرسا للأحرار
،كيف تفوح رائحة الإنتصار من جثث مهزومة
،كيف يشتعل جمر العزيمة من رماد القهر
،كيف تظهر الشجاعة من خلف قناع جبان
، ٦٠ عاماً و فلسطين تنزف
،٦٠ عاما وارضها تغتصب
،٦٠عاما وما اتعظنا
.
٦٠ عاما و الدرس نفسه تكرره للعالم وللعرب
،لفلسطين الحبيبة نتقدم بالإعتذار
لعل المستحيل لا يصبح ممكنا إلا في فلسطين
وطن الأحرار

ماريز فرزلي

Monday, November 19, 2012


مقابلات

الفرزلي لـ"ليبانون فايلز": أيّ قيادة مارونية تتلكأ في التوصل الى قانون انتخابي يؤمن التمثيل الصحيح متهمة بالعمل على إلغاء الدور المسيحي

ابراهيم درويش

الاثنين 19 تشرين الثاني 2012
لا يمكنك أن تجالس هذاالرجل من دون أن تبقي أذنيك صاغيتين لكلّ حرف يقوله. فبأسلوبه اللبق، وبحنكة سياسيّة معتادة، يغرف نائب رئيس المجلس النيابي السابق ايلي الفرزلي من عصارة تجربته السياسيّة، ليقرأ في ماضي وحاضر لبنان، مستشرفاً محطات تفصلنا عنها أيام وأشهر..
لا يصعب التمييز بين الكلام الطائفي والحرص، الا أنّ الرجل لا يخفي قلقه على الوجود المسيحي، والدور المهدور، جرّاء استهتار القيادات المسيحيّة بمصالح الطائفة.
يدقّ ناقوس الخطر، يدعو الى قانون انتخابي يؤمن الشراكة والمناصفة، ويحذّر من الدخول في الفراغ فالصدام السياسي.


أكد نائب رئيس المجلس النيابي السابق ايليالفرزلي على أنّ "مناقشة قانون الانتخاب غير مرتبطة بفترة قانونيّة أو فترة عمليّة للنقاش حوله، إلا أنّه من المستحسن التوصل الى قانون انتخابات قبل ردحة من الزمن، الامر الذي لم يكن متوفراً في العقدين الماضيين".
ولفت الفرزلي الى أنّ "الاهم في قانون الانتخاب هو اقرار المبدأ بصرف النظر عن الانتقال الى الخطوة العملية (أي اقرار القانون)، حيث بات هناك شبه اجماع وطني على "أنّ قانون الستين يلحق إجحافاً بالمسيحيين، الذين هم مكون اساس من مكونات المجتمع اللبناني لا بل مكوّن تأسيسي في الشراكة التي قامت فلسفتها على اساس التنازل عن صلاحيات رئاسة الجمهورية لصالح مجلس الوزراء مجتمعاً على اساس المناصفة مهما كان العدد".
وأوضح الفرزلي أنّ "القوانين الانتخابية التي صدرت في العقدين الماضيين، إبان فترة الوجود السوري وبعده انما في ظلّ وجود الطبقة السياسيّة الحاليّة، كانت تحمل عنوان كيفيّة تأمين استتباع وفي الحدّ الادنى نصف المسيحيين للكيانات المذهبيّة المختلفة، هذا ما تأكد في العام 2005 وأكثر في العام 2009، في ظلّ تشكل وتكوّن كيانات مذهبيّة بمؤسسات إعلاميّة وماليّة وعلاقات خاصّة بالخارج، فأصبحت الطوائف المسلمة من شيعة وسنّة ودروز تختار نوابها بنسبة مئة في المئة، أما الطوائف المسيحيّة فيكون التعاطي معها على انها تفليسة توزّع ذممها النيابيّة على مختلف الكيانات، الامر الذي اصبح ممجوجاً. ومن هنا كان موقف مجلس المطارنة برئاسة صاحب الغبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي الذي رفض قانون الستين الذي يكفل استمرار تبعيّة المسيحيّين الى ما شاء الله".
وتابع: "اذا كانوا بالفعل يطمحون الى الشراكة الحقيقيّة فالمطلوب اعتماد قانون جديد يلحظ المناصفة الفعلية وفقاً لما نصّت عليه المادة 24 من الدستور اللبناني، ولا اقصد فقط قانون اللقاء الاورثوذكسي، بشرط أن يوفروا قانوناً بديلاً يؤمّن المناصفة وحسن التمثيل، مع تأكيدي على تمسّكي بالاسباب الموجبة لوجود قانون اللقاء الاورثوذكسي".
وشدّد الفرزلي على أنّه "لا يحمّل القيادات المسلمة المختلفة عدم اصدار قانون جديد"، معتبراً أنّ "القيادات المارونيّة هي المسؤولة وعليها أن تطلّ اطلالة واحدة جامعة، وتلتزم بما تمّ الاتفاق عليه حينما أكدت على أنّ قانون اللقاء الاورثوذكسي يجسّد المناصفة ويؤمّن اختيار 64 نائباً بالاصوات المسيحيّة، فأيّ تلكؤ من أيّ قيادة مسيحيّة هو انخراط في مؤامرة تستهدف الدور المسيحي وبالتالي الوجود المسيحي في لبنان، لذا إنّ أيّ قيادة مارونيّة تتلكأ في تأمين المناصفة متهمة بالعمل على إلغاء الدور المسيحي والوجود المسيحي حتى لو كانت من فخذ مار مارون شخصيّاً، وستكون متهمة بأنها تآمرت على الوجود المسيحي لأسباب خاصة أو خدمة لمصالح خارجية".
ورداً على سؤال عن أنّه وفي ظلّ المعطيات الميدانيّة والتطورات بات البعض يعتبر أنّ قانون الانتخاب لم يعد أولوية في النقاش، قال الفرزلي: "عندما يقال إنّه ليس أولويّة فهذا اصطناع كلام لأنّه بالنسبة الى الشريحة المسيحيّة يجب أن يكون الموضوع الاول، وتبرير عدم استصدار قانون لأعذار معيّنة يضعه في خانة الاتهام، ولن نقبل إلا بالـ 64 نائباً بأصوات مسيحيّة".
وحول نقل الصدامات السياسيّة والاصطفاف من الطوائف الى المذاهب، قال الفرزلي "المطلوب نقل الصراع الى المذاهب لأنّنا نعيش في كيانات وصراعات مذهبية، والجميع يذكر أنني كنت أول من رفع الصوت في برنامج "كلام الناس" عندما حذرت من الفتنة بعد اغتيال رئيس الحكومة الاسبق الشهيد رفيق الحريري، واليوم ها نحن نشهد صراعاً سنياً شيعياً، فما الاشكالية في نقل الاصطفاف الى داخل المذاهب، بما يخفّف الاحتقان المذهبي".
وأكد الفرزلي على أنّه "بالطبع وبعيداً عن التمنيات لا تزال هناك امكانيّة لاقرار قانون جديد وهذا خاضع للبزار السياسي"، مشدّداً على أنّ "أيّ قانون كاللقاء الاورثوذكسي يفسح المجال للتيارات لانتاج نفسها، لا سيما في ظلّ النسبية التي من شأنها أن تخرج البلد من الاصطفاف الثنائي، الا أنه وللاسف يجري العمل الآن على قانون ييخدم فريق 14 أو 8 آذار وهذا امر مرفوض، لأنّنا نريد قانون انتخاب يخدم العيش المشترك، ولا يصادر قرار الناس".
وعن حاجة البلد الى حكومة جديدة، قال الفرزلي: "نحن بحاجة الى حكومة جديدة إنّما، في ظلّ الاصطفافات القاسية، تحوّل لبنان الى غابة سلاح، وهذا ما أكده بيان الجيش عندما تحدث عن جنسيّات معيّنة اطلقت النار عليه خصوصاً في ظلّ الانفلات الامني بأعلى درجاته وفي ظلّ وضع المنطقة والازمة السورية وانعكاساتها، لذا نخشى من الفراغ ومن أن نصل الى مرحلة نعجز فيها عن تأليف حكومة فيدخل البلد في صراعات تفقده المناعة، ما دفع بعض الدول الى التأكيد على ضرورة الحوار، والتأكيد على المناعة الداخليّة وانتظار التطورات في الدول العربيّة في الصالون لا في القبو".
ورأى أنّ "سياسة النأي بالنفس كانت مشتبهة ولم تكن الا على مستوى رسمي ضيّق، فلبنان كان مصدراً لعدم الاستقرار في سوريا والعكس بالعكس".

وحول ما اذا كان سيترشح في الانتخابات النيابيّة المقبلة، قال الفرزلي "أصوّب عملي كلّه حاليّاً على قانون الانتخابات، والترشح أمر تحكمه ظروف المعطى الانتخابي في اللحظة الانتخابيّة التي تختلف عمّا يسبقها".
وأضاف: "أعتقد أنّه في الافق المنظور لا حلول جذريّة، انما المطلوب الذهاب الى الحوار، وعلى الجيش إمساك الواقع القائم في انتظار الحلول المستمرة"، وأعتقد أنّ " فريق الرابع عشر من آذار يدرك جيّداً أنّ نزع سلاح حزب الله غير قابل للتحقيق، وطرح هذا الشعار هو تخوّف من استدارات على الصعيدين الدولي والاقليمي قد تجعل حصته في النظام اللبناني حصّة ملتبسة، لذا رفع السقف الآن في ظلّ المعطى الاقليمي القائم حيث الاستدارة لا تزال غامضة، عسى أن يتوصل الى إنتاج تفاهمات تحت السقف وتحت الطاولة تمهّد الطريق لإعادة إنتاج دوره في النظام السياسي وأعتقد أنّ رئيس الجمهورية سيكون الوسيط لتحقيق هذا الهدف

Saturday, November 17, 2012


  • جهاد الزين
  • 2012-11-15
آخر مرافعة شاملة عن اختلاف مآل المجتمع السوري عن المجتمعين العراقي واللبناني جاءت من ميشال كيلو تحت عنوان: "صراع لا يشبه غيره: سوريا ليست لبنان أو العراق" في مقاله في "السفير" صباح السبت المنصرم. هنا الحلقة الثانية من المناقشة - الرد على هذا المقال بعد الحلقة الأولى المنشورة الثلثاء الماضي.

كلا يا عزيزي ميشال سوريا ذاهبة لأن تكون مثل لبنان والعراق أو قد تكون أصبحت أسوأ في المسألة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين، وبين السنّة والعلويين، وهي على الأرجح "أسوأ" في المسألة الكردية. ففي العراق انضمّ الأكراد إلى الحركة التغييرية بل قادوها تاريخيا رغم مشروعهم الانفصالي، أما في سوريا فإن انفصاليّتهم متجهة ضد "الثورة" وتتقاتل مع فصائلها المحلية والوافدة عبر الحدود التركية. أنا أتكلّم هنا عن التفتّت الاجتماعي دون الإشارة إلى أن مستوى العنف التدميري السوري فاق الحربين الأهليّتين في لبنان والعراق. ففي سوريا خلال أقل من عام وثمانية أشهر شمل التدمير سبع مدنٍ رئيسية بل الرئيسية، وبعضها دُمِّر بمعظمه كحمص، وبجزء كبير وثمين منه كحلب ناهيك عن الضواحي والأرياف، وهذا منسوب عنفي رغم مركزية دور النظام الاستبدادي المنهجي فيه لا يمكن إغفال عنف المعارضة المسلّحة ولاسيما اعتبارا من معركة حلب وربما من معركة حمص. فلم يظهر أن المعارضة أبدت قدرا أعلى في منع تدمير سوريا أو في الحد من تدميرها... والآتي أعظم مع الأسف الشديد.
يبني ميشال كيلو مقالته على فكرة رئيسية تتكرر هي أن المجتمع السوري كان يمضي في سيرورة اندماجية منذ قيام دولته الوطنية بعد نهاية الأمبراطورية العثمانية مفترضا أن السيرورتين العراقية واللبنانية الاندماجيّتين كانت مساحتهما أقل من مساحة السيرورة السورية.
يفوت ميشال كيلو أن هذه البلدان الثلاثة، العراق وسوريا حتى العام 1958 ولبنان حتى العام 1975، كانت تجربتها الاجتماعية الثقافية الاقتصادية السياسية تشهد كلٌ منها تعايش ديناميّتين اندماجية وتفكّكية معا. حتى لبنان حيث المظاهر الطائفية السياسية معلنة وظاهرة كانت التجربة الرائدة لشرائح واسعة من طبقته الوسطى والعليا عبر بيروت تحديدا تكتب تاريخا حداثيا اندماجيا حقيقيا. لكن تطور الأحداث أدى في النتيجة إلى غلبة الدينامية التفكيكية على الدينامية الاندماجية فيه. أين تختلف سوريا على هذا الصعيد - أقول على هذا الصعيد - عن لبنان والعراق؟ لا تختلف جوهريا. ففي سوريا أيضا كانت الدولة المركزية فيه تقود تجربة تفاعل فوق طائفي حداثي مسرحها الأساسي دمشق. كذلك في العراق مسرحها بغداد. دعنا لا ننسى أن الحديث هنا يدور حصرا حول ثلاث عواصم احتضنت بالضرورة "وحدها" التجربة الاندماجية للدولة الوطنية هي بغداد ودمشق وبيروت رغم اختلاف مناخاتها السياسية والاجتماعية. صحيح أن البلدان الثلاثة ورثت مدنا عريقة في تنوّعها كالبصرة والموصل وحلب وحمص وطرابلس وصيدا، غير أن "تاريخ الدينامية الاندماجية" كان في ظل الدولة الوطنية في العواصم الثلات "فقط". كانت كلٌ من هذه التجارب تحمل في طياتها دينامية تفكّكية... هي التي انتصرت في النهاية في بيروت وبغداد... فكيف يمكن أن تُفلت دمشق منها؟! بعد أن تحوّلت ثورةٌ حقيقية ضد نظام استبدادي إلى حربٍ أهليةٍ ضارية.
يا عزيزي ميشال: لبنان - سويسرا الشرق - انهار بكامله عندما انهارت بيروت عام 1975. إياك أن تصدّق أن التعايش اللبناني كان موجودا خارج بيروت مع بعض الاستثناءات ... المدينية طبعا. وبغداد التي وصفها الجواهري في مذكراته عندما انتقل اليها من النجف عام 1920 كأنك تصف نيويورك اليوم، انهار العراق عندما "انهارت" هي كمدينة جامعة في سيرورة طويلة بدأت عام 1958 وهي اليوم بعدما أكملت عليها تجربة صدام حسين المتوحّشة "محروسة" بجدارات تقسيم طائفية وأيديولوجية أصولية تمنع "مدينيّتها" العريقة.
دمشق طوّرت الريفيين الذين قصدوها في الجيش والإدارة والجامعات منذ العشرينات من القرن العشرين ولكن تطور التجربة بعد 1958 جعل فضاءات دمشق السياسية مختنقة إلى أن أصبحت تواجه اليوم مع تبلور حاد طائفي وتضخّم ديموغرافي احتمال انهيار العصب الرئيسي للبيئة الاندماجية السورية. الفارق الكرونولوجي أنه في لبنان انهار التعايش في بيروت فلحقتها الأرياف التي كانت معظمها حتى في الزمن الذهبي اللبناني تعيش في "غيتوات" شبه مغلقة. في سوريا يبدو أن الأرياف انهارت قبل العاصمة.
دعنا لا نبتعد كثيرا:
تعايش وتصارع الديناميكيّتين التفكّكية و الاندماجية موجودٌ في الثورة السورية نفسها: فبين المجموعات الشبابية التي "أطلقت" الثورة وأيّدها مثقفون علمانيون في الداخل والخارج وبين القوى الأصولية والسلفية التي انخرطت فيها وقادت عسكرتَها مسافة راهنة ومستقبلية بين الاندماج والتفكك. وأنت تعرف جيّدا تعايش وتصارع الديناميكيّتين "على الأرض"... وفي الواقع غلبة الأولى التفككية على الثانية التوحيدية.
إذن في كل من بلداننا الثلاثة كان يمكن في ظروف داخلية وخارجية أخرى أن يتعزز المسار التوحيدي الاندماجي على المسار التفككي. الذي حصل هو العكس وعلينا أن نتابع درس أسباب ذلك في بلداننا التي هي كيانات متصلة جغرافيا واجتماعيا وطائفيا. فلماذا تكون سوريا مختلفة وهي التي كانت طوائفها في العهد العثماني، خلافا لما تقول أنت، مثل كل الطوائف الأخرى في لبنان ذات كيانات "مستقلة" في ظل نظام الملل العثماني. وأريد أن أذكّرك أن قوانين الانتخابات السورية في العهود الاستقلالية لما قبل 1958 كانت تقوم على أساس التوزيع الطائفي في مناطق الاختلاط.
ثبت أنها دول ومجتمعات متشابهة أو عادت عناصر تشابهها عديدة... تجمعها حتى إشعار آخر، وهي تكافح من أجل الديموقراطية، حربٌ أهليّةٌ واحدة! 

Friday, November 16, 2012


  • المطران جورج خضر
  • 2012-11-17
"انهم أبغضوني بلا سبب" (مزمور 29: 15) وفي ترجمة حديثة "بحماسة يبغضونني". هل كان صاحب لسان العرب واعيا وعيا عميقا لما عرّفه على انه نقيض الحب. أليس هو أسوأ من ذلك بكثير؟ فإن للحب مراتب او كثافات. اما البغض فهو العداء بالذات بحيث لا تبقى عند المبغض ذرّة واحدة من المحبة.
انه بدءًا، فصل الآخر عن نفسك وعيشك موته فيك ولو كنت لا تريد إماتته الجسديّة خوفا من عواقبها في دنيا الجزاء او لكونك لم توهب شجاعة الإبادة للآخر. لكن شهوة القتل قائمة فيك. ليس هناك نصف بغض او ربع بغض. هناك ذوق قتل انت خائف من اتمامه. الذات فيك اعني أعمق كيانك نافرة من ذاته ولا تلتقيان في الخيال لأنك في خياله غير موجود. المقولة الداخلية فيك هي محو الآخر.
هناك نفوس مبغضة. لا تتأثر بالمحبة المسكوبة عليها. هناك مطويون على الكراهية ونفوس منفتحة على الحب. هذا سر الإثم كما يقول بولس ولا نعرف كيف انغلق ناس على عتمات نفوسهم ولماذا رحّبوا بالظلام. نلاحظ احيانا ان بعضاً تأذّوا من كلام او معاملة ولم يقدروا على تحمّلها. كأن الآخر قتلهم او قرأوا معاملته قتلا فوضعوا في وجوده سلبية رهيبة فهموها انها تلغيهم.

في هذه الحال سبب لكن المسبب ضخم جدا لا يفهم بخلل نفساني على ما أرى لكنه يفهم بأهواء كثيرة معششة انفجرت بلا معادلة بين من آذى ومن تأذّى، هناك خروج عن العقل الطبيعي أو المألوف للدخول في عواصف لا نفهمها بالتحليل بحيث لا نستطيع ان نلمس صلة بين الضربة التي حدثت وردّة الفعل عليها. عند غياب الصلة بين ما قام به المعتدي وما قام به المعتدى عليه لكوننا قد خرجنا عن المألوف من المعقول ودخلنا في عالم الجنون.
نحن في انعدام المحاكمة، في غياب العقل، في الانفعال الكامل، ولذا قال الكتاب: "انهم أبغضوني بلا سبب" وتضخم السبب الى حجم يزيد كثيرا عن سبب انفعالي حتى صحّ قول المزامير "انهم ابغضوني بلا سبب".
¶¶¶
ما المسيرة التي توصل الى البغض؟ في هذا يسعفني القديس دوروثيوس الغزاوي وكان ناسكا من غزة في القرن السادس للميلاد. هذا يقول: الضغينة شيء والبغض شيء آخر ثم السخط وأخيراً الكدر. نساكنا كانوا يعرفون الخطيئة في جزئياتها. جاؤوا الى ما يشبه علم النفس من علمهم بالخطيئة.
في العهد القديم الغضب والبغض متلاقيان او متلازمان وكأن الغضب تعبير خارجي للبغض. الغضب يشبه بالنار. يحرق صاحبه وقد يحرق من انصبّ عليه. هناك ايضا حديث عن غضب الله وهذا من باب التشبيه. على هذا هناك رجاء على ان يعبّر الغضب. ما من شك عند الأبرار ان ثمّة إمكانا للتحرّر من الشهوات والبغض في قراءتي شهوة رهيبة لا تضربها الا عاصفة من المحبة تنزل برضاء الرب فقط لأن القلب على طبيعته يقصفه البغض قصفًا شديدا.
كثيراً ما وقع علينا بغض المبغضين من حسدهم بلا كلمة جارحة. فهناك من لا يريدك موهوبا او ناجحا او جميلا او فصيحا او طاهرا او متقدسا. لذلك يصبّ عليك كل المساوئ بعد ان يخترعها اختراعا ليقتلك أدبياً. وكثيرا ما استعمل النميمة لكي يلطّخ سمعتك فيجعلك سارقًا وناهبا او كذوبا ولا تعجب ان قال هذا ولم يكن فيك شيء منه. هناك ناس عندهم رغبة التحطيم وقد لا تنتشر الكذبة انتشارا رهيبا. من يرد الكذب والناس بسطاء او أغبياء وتلصق بك التهمة عشرات من السنين ولا يقطعها احد.
كثرة من الصادقين لا يصدقهم احد لأن الآهون ان يصدّق الكاذبون. احيانا كثيرة انت ذبيح الى الأبد ويراك الله وحده وهو وحده يزكيك، وقد لا يعرف هذا ابدا في هذه الحياة الدنيا. ويجب ان تكون مكتفيا بتزكية الله حتى لا تحزن فتبكي وحدك والرب وحده يمسح كل دمعة عن عينيك.
¶¶¶
أنت تحمل مبغضك بقوتك الوحيدة التي هي الغفران. لا شيء يؤكّد ان الغفران يشفي العدو ولكن لا حيلة لك فقد كتب: "احبّوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا الى مبغضيكم... لأنكم ان احببتم الذين يحبونكم فأي أجر لكم" (متى 5: 44-46).
رجاؤنا شفاء المبغضين حتى يستقيم العالم. "العالم واقع كلّه تحت الشرور" (1يوحنا 5: 19). هذا لا يقودنا الى اليأس ولكن قد يقودنا الى ألم شديد اذا كنا نحب خلاص الناس.
خلاص العالم سعي من المتقدسين وصلاة لهم لا تنقطع. المحبة في الأخير تنتصر ولكن قد لا نعرف في حياتنا نصرها. الرجاء هو ايضا سعي. ونحن مخلّصون على الرجاء.
لا ينبغي ان تذهب نفوسنا ضدّ الخطأة. لا نكرههم. نكره خطاياهم. ولا نبغض المبغضين. لا نيأس من توبتهم واذا عادوا الى ربّهم لا شيء يفرحنا مثل توبتهم لأنها وحدها تنقذ نفوسهم من شرورها. متى يصبح المبغض قيامياً؟
http://s0.2mdn.net/dot.gif