Wednesday, October 24, 2012


قصة الانقلاب: من لقاء بترايوس إلى تـهديد ميقاتي

بعد الأحد، صار الوضع أكثر صعوبة وأشد خطورة (هيثم الموسوي)
«نداء نداء، إلى كل عربي وغربي، لماذا بعتمونا؟». هذه هي الترجمة الحرفية لبيان «بيت الوسط» ليلة اغتيال وسام الحسن. لكن الاستغاثة لم تحل دون وضع أمر عمليات مفصّل لآخر محاولة إنقاذية قبل الكارثة. من تهديد رئيس الحكومة مباشرة، إلى الرهان على ميشال سليمان، تقريباً، هكذا جرت الأمور...
جان عزيز
كل اجتماع «بيت الوسط» تلك الليلة، تختصره تلك العبارة من البيان الذي تلاه نادر الحريري: «الكل مطالب بإثبات أنهم لم يسلّموا وطننا». و«الكل» هذه سبقها تحديد واضح في الفقرة المصيرية نفسها. تحديد يؤكد أن المقصود بها «كل العرب» و«كل المجتمع الدولي». قبل مدة كان الكلام معكوساً. كانت وسائل إعلام المعارضة تفيض بتصاريح وتحليلات عن الإجماع العربي والدولي على دعمها، وعلى مقاطعة «حكومة حزب الله» ومحاصرتها، وعلى انتهاء الوضع في سوريا. ما الذي تغيّر فجأة ليطلق «بيت الوسط» صرخة الاستغاثة تلك؟ وما علاقة اغتيال الحسن بما تغيّر؟ وكيف فكّر أهل «البيت» للردّ على الخطر القاتل الداهم؟
يعترف أصحاب العقول من المعارضة، بأن كل ما كان يضخّه إعلامهم من روايات استقواء واطمئنان وتبشير بحتمية «النصر» ودنوّه، كان من باب الاستهلاك المحلي، في الشارع كما لضمان بقاء القيادات. أما الحقيقة، فكانت في مكان آخر. منذ أشهر طويلة بات واضحاً للجميع أن توازناً ثابتاً قد استتبّ في سوريا، على ثلاثة مستويات. دولياً بين واشنطن من جهة ومحور موسكو ــــ بيجينغ. إقليمياً بين الرياض ــــ قطر من جهة وتركيبة «الهلال الشيعي» من جهة أخرى. وسورياً داخلياً بين النظام ومعارضيه. وكنا نعرف أنه في توازن كهذا، الوقت لن يكون لمصلحتنا، ولا لمصلحة المعارضة في سوريا، رغم كل دعاياتنا المغايرة. بعدها بدأت الأمور تتخذ منحى أكثر خطورة. فيما «الخدّاميون» و«الكنعانيون» ضمن المعارضة غارقون في غوغائياتهم، لم يغب عن عقول «اللبنانيين» في 14 آذار تسجيل مؤشرات القلق الجدي: تركيا ذهبت إلى الإيرانيين طالبة شبه مخرج من المستنقع السوري. فكانت تركيبة «الرباعية»، ثم خروج رياض الأسعد من أراضيها. حاولت السعودية عرقلة مسعاها. فدخلت في تورط أمني عسكري في إدلب، لم يلبث أن تحول صراعاً بين الرياض والدوحة هناك. صراع أُجبر سعد الدين الحريري على الانخراط فيه، حتى المقتل. حتى إنه أُجبر على تبني «جناحه» الميليشياوي هناك علناً.
منذ تلك اللحظة، بدا واضحاً أن محاولة الخروج التركيّة لم تكن معزولة ولا فردية. كان خلفها سعي أوروبي إلى تنصل مماثل. كأنَّ أهل بروكسل قالوا لسلطان أنقرة: أنت حبل سرّتنا في الوحول السورية. دخلنا حين دخلت، غرقنا يوم غرقت، أما الآن فنطلب منك إعادة التموضع التدريجي، كي نتمكن نحن من تنفيذ تراجعنا التكتي. في واشنطن لم تكن الأجواء أفضل. الاتصالات السياسية لم تفض إلى نتيجة، ولم تحمل أي أجوبة شافية. عندها ذهب وسام الحسن مباشرة إلى لانغلي، ليلتقي مدير سي آي إيه، دايفيد بترايوس، سعياً إلى جلاء الصورة. هناك كانت الصدمة أكبر: لا اهتمام أميركياً إلا بالأصوليين في شمال لبنان. فضلاً عن كلام فيه أكثر من النقد، حيال التورط في هذا الملف، في عكار وطرابلس، كما في إدلب بين السعوديين والقطريين.
لحظة وقوع انفجار الأشرفية، كانت كل تلك الوقائع ماثلة في أذهان أصحاب العقول من «لبنانيي» 14 آذار. وكان الاستنتاج بين حدين: رُفع الغطاء عنه، فقتله السوري أو «حزب الله» أو الإيراني مباشرة. أو أن المسألة أبعد من مجرد رفع غطاء، وصولاً إلى نظرية المؤامرة. في اجتماع «بيت الوسط» كان إحساس بأنهم باتوا وحدهم، شبه مستفردين في المواجهة. عرضة حتى للصيد مثل العصافير. تذكّروا شباط 2005. يومها لم يكن الوضع أفضل. دايفيد ساترفيلد قال لنا: انتهت مهمتنا هنا. اقبلوا بإعادة تموضع الجيش السوري حتى البقاع، واكتفوا بذلك وانتظروا ظرفاً أفضل. نسيب لحود وقف صارخاً في أحد الاجتماعات: «إذا كنتم تتوهمون بأن السعودية توافق على ذهابكم أبعد، فأنتم مخطئون مضللون. وتعرفون أنني أعرف عمّا أتكلم ولا أحلل أو أخمن». جيفري فيلتمان نفسه وعلى مائدة أحد «حكماء» قرنة شهوان بعد أيام، رفض إطلاقاً لقاء سمير جعجع، واكتفى بإطلاق الطرائف حول زوجته. كان الوضع مماثلاً لليوم. قبل أن يهدر الشارع في 14 آذار، فيبدل كل المشهد...
بين هلالين، الذين تابعوا تلك المرحلة من الطرف المقابل يؤكدون أن ما قلب المعادلة هو قرار بشار الأسد الانسحاب الكامل من لبنان، والذي أعلنه في 5 آذار 2005 بشكل مباغت للخصوم كما للأصدقاء، وحتى للسيد حسن نصر الله.
لكن في «بيت الوسط» ظلّت الصورة هي نفسها: نحشد الناس غداً، بمئات الآلاف، فنقلب الطاولة على أهل السرايا كما على كل العرب والمجتمع الدولي «الكاذب»، كما وصفه حليفنا السري، وليد جنبلاط. لكن ثمة معالجات أخرى متمّمة ومساعدة يجب القيام بها في شكل متزامن. أولها استقالة نجيب ميقاتي. الرجل معروف جيداً من قبل المجتمعين. يرون أنه لا يقف إلا على رجلين: واحدة خارجية دبلوماسية، وثانية بلدية أو طرابلسية تحديداً. إذا كسرنا إحدى رجليه عطبناه. ساقه الدبلوماسية تبدو محصّنة. السفراء قد يغيبون عن تشييع شهيدنا، لكنهم سيذهبون حتماً لتأييده. هلالان آخران: في هذا الوقت تحديداً، كانت رسائل الدعم الدبلوماسي «الدائم» تصل إلى ميقاتي خطياً. هكذا لم يبق إلا كسر الرجل الطرابلسية لرئيس الحكومة: تهويل، حشد، تعبئة، إنذارات بمشاكل ودم، تصحيح لمسخرة «يوم الغضب» في كانون الثاني 2011، وتركيز على تفليس ميقاتي طرابلسياً، بكل الوسائل. حتى إن «كل الوسائل» هذه سمحت لأحد نواب 14 آذار بالاجتهاد، وصولاً إلى التهديد الشخصي لرئيس الحكومة. التقاه وجهاً لوجه في مقر عسكري، فنظر إليه مباشرة وقال له كلاماً كبيراً. استفظع المسؤول عن المقر أن يسمع بأذنيه وفي مكتبه تهديداً لرئيسه. فتدخل رافضاً الأسلوب، فما كان من النائب المستقبلي إلا أن ذهب أبعد، قائلاً لميقاتي: إذاً نلتقي في مكان آخر...
ثمة مكمن آخر يمكن استخدامه للضغط بغية الاستقالة: ميشال سليمان. أصلاً في صميمه هو معنا، يعتقد أهل «بيت الوسط». ثانياً، لا بد أن يفكر أن لديه مصلحة في استقالة الحكومة. بعدها إما أن يشكلها بموازين أفضل لمصلحته، وإما أن يكون الفراغ، بما يخدم أكثر حساباته لنهاية ولايته. وقد يكون هناك من تذكر معادلة «الجنرال الرابع» في الحكم: لا حكمة فؤاد شهاب، ولا جنون ميشال عون، ولا ركبتا إميل لحود. من السهل إذاً «إقناعه» بمزيد من التهويل على ميقاتي... ولم يتكذّب الخبر. ففي مجلس الوزراء يوم السبت، كان هناك من كلف «تهبيط الحيطان»: أن نستقيل بحد أدنى من كرامتنا اليوم، خير لنا من أن يقيلنا تسونامي التشييع غداً، بلا كرامة ولا من يكرمون...
كل ذلك لم ينفع. يوم الأحد عاد كل شيء إلى حجمه الحقيقي. مجلس الأمن مع ميقاتي بالإجماع. حركة الشارع تحوّلت شغباً عزز رصيده الطرابلسي. جنبلاط نأى بنفسه أكثر. سعد لم يجرؤ على المغامرة ــــ المفاجأة، فما كان من فؤاد السنيورة إلا أن حاول بالوساطة، فأطلق متحايل آخر رصاصاته في الهواء.
بعد الأحد، صار الوضع أكثر صعوبة وأشد خطورة. هل ينتبه أهل الأكثرية إلى ذلك، فيبادروا إلى استيعاب «لبنانيي» المعارضة، قبل ذهاب الوطن إلى إحباط جديد، يمهد لانفجار كبير؟ هل يفكرون مثلاً بصفقة حكومة انتخابات مع قانون جديد لتلك الانتخابات؟ أم يركبون المكابرة نفسها التي اقترفها خصومهم مراراً؟ سؤال مشروع رغم هزيمة المعارضة، لأن الوطن يستحق.
سياسة
العدد ١٨٤٢ الاربعاء ٢٤ تشرين الأول ٢٠١٢



الحسن والابراهيمي
يسير الابراهيمي على خلفية تفاهم دولي اقليمي يسحب من التداول المطالبة بتنحي الرئيس الأسد ويعلن سقوط المرحلة القطرية السعودية من قيادة الحرب على سوريا ونقل الراية لتركيا التي تغيرت معالم موقفها بتفاهم تركي إيراني يظلله تفاهم روسي أميركي .
المسار طويل ومتعرج لنهاية العام ومهندس المهمة جيفري فيلتمان .
نجاح التراجع في سوريا نحو التسوية يستدعي إمتصاص التوتر المحتشد في لبنان للتخريب في سوريا نخو هدف آخر لكنه يستدعي أكثر منع المقاومة وحلفاء سوريا من توظيف نصر سوريا نصرا داخليا لهم .
إغتيال وسام الحسن تكفل بجذب الطاقة الجاهزة للفوضى نحو الداخل اللبناني بدل الجبهة السورية بما فيها مسلحي المعارضة السورية وسيبقى هذا الإنجذاب لمدة غير قصيرة تمنح خلالها مهمة الإبراهيمي فرص النجاح .
الأهم أن معادلة الإتهام والتهديد بالفتنة بوجه حزب الله و حلفاء سوريا تطرح مقايضة الإستقرار وسحب الإتهام مقابل التنازل عن السلطة والمكاسب او جزء منها او اقله دفع ثمن دماء الحسن حصة في السلطة لفريق الحرب على سوريا من لبنان تعويضا عن الخسارة في سوريا .
العنوان سيبدأ أشرف ريفي رئيس حكومة انتخابات


هل اغتيال الحسن هو بداية تصفية الرؤوس الحامية لتبريد الأزمة السورية؟ محمد حمية
في حدث هو الأول من نوعه بعد اغتيال النائب انطوان غانم وسلسلة الإغتيالات التي سبقتها منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري هز بيروت انفجار كبير ذهب ضحيته رئيس جهاز فرع المعلومات العميد وسام الحسن ومرافقه وعدد من المدنيين في منطقة الاشرفية، وما هي الا بضع ساعات حتى بدأ اطلاق الإتهامات يمنة ويسرى بحق النظام السوري وحزب الله، فمن قتل وسام الحسن ومن له مصلحة؟ وهل لهذا الإغتيال علاقة بما يجري من احداث في سوريا؟
سبق عملية الإغتيال حملة إعلامية وسياسية شنها النائب سعد الحريري وقوى 14 اذار على حزب الله والمقاومة، فهل يعتبر ذلك بمثابة تغطية لعمل امني ما عبر اثارة النعرات المذهبية وتوتير الأجواء الداخلية واطلاق جملة من الاتهامات لخلق بيئة مناسبة لإستثمارها بعد عملية الإغتيال! كما سبق الإغتيال تحذيرات غربية من مسؤولين غربيين ومن المبعوث الدولي الأخضر الابراهيمي من انتقال الأزمة السورية الى لبنان! ومن المعروف ان العميد وسام الحسن له صلة وعلاقة مع العديد من اجهزة استخبارات غربية وعربية ويقوم بالتنسيق معها منها المخابرات السعودية ورئيس الاستخبارات بندر بن سلطان والمخابرات الاميركية والفرنسية والمصرية والاردنية كما ارتبط اسمه بالعديد من الملفات الحساسة والساخنة كملف المحكمة الدولية وخاصة الدور الامني الذي لعبه لإسقاط النظام السوري وهذا ما كشفت عنه صحيفة الديار مؤخرا كما له الدور الرئيسي في ملف الوزير السابق ميشال سماحة مما يعني ان هناك العديد من هذه الأجهزة لها مصلحة في اغتيال الحسن ومن غير المستبعد ان يكون احد هذه الاجهزة اخترق امن الحسن ونفذ عملية الإغتيال.
وتسأل اوساط مراقبة للمشهد الإقليمي هل تحاول بعض الأطراف الإقليمية المتضررة من اي تسوية قريبة في الملف السوري والداعمة لفريق 14 اذار واهمها قطر والمملكة العربية السعودية لتغيير موازين القوى الداخلية في لبنان لتحقيق بعض المكاسب السياسية قبل ان تنضج اي تسوية في سوريا ومدخل ذلك هو الضغط لإسقاط الحكومة وتشكيل حكومة ائتلافية يكون فريق 14 اذار شريكا فيها لأن هذا هذا الفريق يعتبر انه اذا تمت التسوية في الملف السوري فسيبقى خارج السلطة واذا طالت الأزمة السورية ايضا سيبقى خارج السلطة طويلا وخاصة اذا تم تأجيل او الغاء الإنتخابات النيابية فحينها سيمدد للمجلس النيابي وتبقى الحكومة لتصريف الاعمال.
وما يعزز ذلك ما كشفته مواقع غربية عن لقاء وزير الخارجية التركي داوود اوغلو ورئيس مجلس الامن القومي سعيد جليلي من ان اتفاقا تم بين الجانبين على حل الأزمة السورية بالطرق السلمية والدبلوماسية مما يشير الى وقف الدعم التركي للمجموعات المسلحة وتحول واضح في الموقف التركي ظهر بكلام رئيس الحكومة التركية اردوغان بعد ان هاجم الأمم المتحدة ومجلس الأمن لعجزهما عن التدخل في سوريا كما ان هناك تغيير في الموقف الأميركي والأوروبي لإعتبارات عديدة ويكفي الإشارة الى غياب واضح في تصريحات المسؤولين الغربيين لدعوة الرئيس الأسد الى التنحي بل شهدنا في الآونة الأخيرة كثافة في تصريحات ومعلومات كشفتها صحف اجنبية عن التشكيك بوحدة المعارضة وبسلميتها وبقدرتها على حكم سوريا في حال تنحي الأسد كما يمكن ملاحظة بوادرتنصل الولايات المتحدة الاميركية من المعارضة السورية وهذا ما دفع الى تظاهرات للمعارضة السورية تهاجم الولايات المتحدة الاميركية .فهل اغتيال العميد وسام الحسن هو التمهيد لتسوية ما عبر تصفية بعض الرؤوس الحامية الضالعة في اسقاط الرئيس الاسد ؟
يبدو ان هناك قناعة من الحلف الغربي العربي المعادي لسوريا باستحالة اسقاط النظام السوري والتسليم بهزيمته في سوريا فبدأ باعداد خطة للإنسحاب عبر افتعال الحرائق في عدد من الدول المجاورة لسوريا كغطاء للإنسحاب الهادئ باقل الخسائر الممكنة ولإشغال النظام السوري وحلفاؤه ومنعهم من تثمير هذا الإنتصار وهذا ما قامت به الادارة الاميركية عند انسحابها من العراق عبر نقل المعركة الى سوريا ويعزز هذا الاحتمال ما سرب من معلومات حول اشعال الساحة الاردنية واسقاط نظام الملك عبدالله الثاني والتفجيرات التي تحصل في العراق ليست بعيدة عن هذا المخطط وهنا يمكن وضع اغتيال العميد وسام الحسن لإشعال الساحة اللبنانية ايضا.
ويبقى السؤال هل سيتكرر سيناريو ال2004 عند اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما تلاه من احداث امنية وانقسام حاد بين اللبنانيين وخلق بيئة طائفية ومذهبية واستثمار الدماء للسيطرة على مقاليد السلطة وحصار المقاومة؟ وهل سيستمرون في تحركاتهم حتى تحقيق هدف اسقاط الحكومة؟ وهل سينجحون في قلب المعادلة الداخلية في ظل الموقف الاميركي الاوروبي المتمسك باستمرار حكومة الرئيس ميقاتي وفي ظل انقسام الموقف في الطائفة السنية من استقالة الحكومة؟

Monday, October 22, 2012



19 تشرين الأول، بيت الوسط...

جان عزيز
كان المجتمعون حول طاولة «بيت الوسط» مساء الجمعة الماضي يستطلع بعضهم وجوه بعض بصمت، اللبنانيون منهم كما «الخدَّاميون»، الميثاقيون منهم كما «الكنعانيون». المخضرمون سرحوا بالبصر والبصيرة ردحاً في الزمن، ومسافة في الجغرافيا. عودة سبعة أعوام ونيفاً إلى الوراء، وبضع مئات الأمتار صوب قلب العاصمة. في 14 شباط 2005 مساءً، اجتمعنا كما اليوم. الحزن نفسه. الغضب نفسه. الانتفاض الداخلي نفسه، ممزوجاً قلقاً وضياعاً وبعض خوف، حيال آلة القتل والحقد نفسها. ما الذي تغيّر بين الاجتماعين، حتى كنا يومها نحسّ بقوة ضعفنا، فيما اليوم نعيش مرارة ما يشبه الانهزام أو يلامس الاستسلام؟ لم تتمالكوا أيدي البعض من أن تمسك قلماً ووريقات وتبدأوا لعبة تعداد الفوارق بين المشهدين.
في 14 شباط 2005، كنّا أولاً في بيت رفيق الحريري. كان هو الغائب غدراً واغتيالاً. وكان بيته الجامع لكل من تحت اسمه. في 19 تشرين الأول 2012 نلتقي في بيت سعد. وهو الغائب خوفاً من الغدر ربما، هرباً من القتل، ممكن. لكن كثراً ممن حول الطاولة لم يقتنعوا بالأسباب...
تفصيلاً قد يكون ما سبق. تتردد الأقلام في شطبه أو «خرتشته»، قبل أن تمضي في التعداد: في 14 شباط 2005 كانت معنا بكركي. كانت معنا كفريق، وكانت معنا على الطاولة. لا يزال صليب المطران بولس مطر يقرع كرسي لقائنا، حين وقف تلك العشية تاركاً مقعده ليحل أزمة مكان سعد لحظة وصوله من السفر تواً إلى الاجتماع. كانت بكركي كلها، بصليبها وصلبانها معنا. في اليوم التالي كان كافياً أن يمر فارس سعيد على الصرح، ليستقل «مجد لبنان» سيارته ويصير بيننا. اليوم بكركي غائبة. لا لأن البطريرك صفير تقاعد، ولا لأن البطريرك الراعي على سفر، بل لأن بكركي منذ أعوام طويلة لم تعد معنا. منذ أحست بأنها قد غُدرت وخُدعت. منذ أعلى صفير نفسُه صوته في وجهنا في آذار 2005 صارخاً فينا: «الدستور أعطانا 64 مقعداً ونحن نريد أن ننتخب 64 مقعداً. وقد أعذر من أنذر». لم تكن قصة نائب هنا أو لوحة زرقاء هناك. فبكركي أكبر وأرفع وأعلى وأطهر وأقدس. كانت مسألة إحساس بالخيانة الوطنية. فطوال الاحتلال السوري كان أهل الوصاية يمالقون سيد الصرح. يتوسلونه. حتى غازي كنعان الذي كان يرعبنا بنعله، كتب قصيدة للبطريرك متغزلاً بسلامة عينيه يوم أجرى عملية جراحية لإحداهما. كان أهل الوصاية يقولون لصفير: مشكلتك ليست معنا. بل نحن الحل. إذا ذهبنا سيأكلك أهل السرايا. وكان سياديو بكركي من المسيحيين يحاولون إقناعه بالعكس: لا مشكلة إطلاقاً مع شريكنا في الوطن. كل المشكلة مع السوري. فلنراهن على جلائه، ولنعمل لذلك، وسترى كيف ستقوم الشراكة الوطنية تلقائياً من بعده. حتى حسم صفير خياره ورهانه ومشى. إلى أن تحقق النصر الذي صنعه هو، فإذا بنا نغدره ونطعنه ونخون خياره ورهانه ونضاله. فننصِّب له 22 نائباً مسيحياً، ونترك له من فتات حكومتنا ثلاث حقائب مسخرية: السياحة والصناعة والشؤون الاجتماعية... يومها تركتنا بكركي، وما ظل وهماً من أنها معنا، كان لأنها لم تترك لبنان أبداً.
ثم كان معنا ميشال عون في 14 شباط 2005. وهو أيضاً لم يخذلنا. رغم جنونه وتهوّره وطبيعته غير المضبوطة ولا المتوقعة ولا المرتقبة، كان معنا. ومن اللحظة الأولى عملنا على إزاحته. في 14 آذار منعناه من إلقاء كلمة في الساحة. في نيسان طلع أحد جهابذتنا إلى بكركي يقول لسيدها أمام عشرين شخصاً: عون آتٍ ليحدلك ويحدلنا، فلنعطّله قبل أن يعطّلنا. بعدها حاصرناه بالتحالف الرباعي، وما أدراك ما التحالف الرباعي، فرد علينا على طريقة «التحالف بالتفاهم والبادئ أظلم»...
وفي 14 شباط 2005 كان معنا وليد جنبلاط. لا بل تلك العشية كان وليد جنبلاط وحده كل 14 شباط. لم يخف لحظة. كان رفيق قد نقل إليه كلاماً سورياً كبيراً ولم يخف. جاء رجل المخابرات البريطانية من قبرص حاملاً حركة الاتصالات المرصودة من محطتهم هناك، ولم يخف... لم يعد معنا اليوم لأنه يئس منا ومن عقلنا وعملنا. لا لأنه خاف من قميص أو «شحاطة». هو من لم ترعبه جيوش البزات والجزمات. إلا إذا كنتم تتوهمون أن هنري حلو، مرشح حزب البعث في فرعية بعبدا ــــ عاليه سنة 2003، صار اليوم أكثر شجاعة من وليد جنبلاط.
يبقى الموقف الدولي. كيف كان في 14 شباط 2005، وكيف صار في 19 تشرين الأول 2012؟ يومها كانت واشنطن وباريس أشد تأييداً لنا مما هما الآن؟ أم أن كونيللي وباولي توأمان طبق الأصل لكل من فيلتمان وإيمييه؟ ماذا قال لنا ساترفيلد الآتي على عجل ليلة 27 شباط في بيت رينيه معوض؟
المأزق أكبر بكثير. فلنكتب الفقرة الثالثة من بياننا، إنها كل البيان، ولننتظر الشارع غداً في التشييع، فنعرف من قتل وسام الحسن، ولماذا، ماذا بعد... يتبع غداً

لبنان الضعيف وسوريا القوية!

سامي كليب
وقع لبنان مجددا في فخ الصراع الاقليمي والدولي. رسم اغتيال اللواء وسام الحسن شعارا لمرحلة مقبلة من الفوضى الامنية التي ستهدأ مرة وتتوتر مرات عديدة. صراع المحاور في اوجه. الحسن دفع حياته ثمنا لذلك. لا شيء يبشر بهدوء الاوضاع في المدى المنظور ما لم يحدث انفراج في الازمة السورية. ومن الصعب انتظار انفراج من دون توافق روسي أميركي، وهذا بحاجة الى بعض الوقت.
بعد 19 شهرا من هذه الازمة، بدأ المحور المؤيد للنظام السوري يشعر بأنه يستعيد زمام المبادرة. عشرات التصريحات للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في فترة قصيرة جدا تؤكد على عدد من المسلمات: لا رحيل للرئيس بشار الاسد، لا لاستخدام القوة، ولا حل الا سياسيا بتوافق بين النظام والمعارضة. والاهم من هذا وذاك ان بوتين يتحدى الغرب ويقول ان لا احد يستطيع ان يملي على روسيا الى من تصدر السلاح، ويتهم الغرب وبعض الدول العربية وتحديدا السعودية وقطر بزرع الفوضى. ترسل ايران اشارات انذار.
يتزامن ذلك مع حركة ديبلوماسية روسية ناشطة جدا، بعضها بالعلن ومعظمها سرا، تشمل دولا عديدة، بينها خليجية كايران والامارات العربية وبعضها مع دول لها تأثير مباشر في الازمة السورية. يضاف الى ذلك مساهمة روسيا الفعالة في انتاج معارضة تواجه المجلس الوطني وتكون مستعدة للتفاوض مع نظام الاسد.
بالمقابل، تبدو الدول الغربية مأزومة في سوريا. يجتمع عدد من الديبلوماسيين الاوروبيين قبل فترة في باريس، يسأل ديبلوماسي فرنسي نظراءه: «من يعتقد منكم ان بشار الاسد سيبقى حتى نهاية 2013»، يرفع الجميع اياديهم.
الاستياء الغربي كبير من تفكك المعارضة، والقلق الاميركي اكبر من التمدد السلفي. خريطة الربيع العربي تبدو مقلقة. في ليبيا شبه حرب اهلية. يتغير مناخ البيت الابيض بعد مقتل السفير الاميركي في بنغازي على خلفية الفيلم المسيء للرسول الكريم. تنسق موسكو اجتماعات امنية بين ضباط اميركيين وسوريين. تنفي دمشق حصول ذلك. لكن النفي قد يكون ديبلوماسيا فقط.
في تونس، «حركة النهضة» تلقى معارضة تتعاظم وتشعر بان الامارات والسعودية والكويت بدأت بالابتعاد عنها لتشجيع خيار ثالث يسمى «نداء تونس» بقيادة الديبلوماسي العريق الباجي قايد السبسي.
يلتقي وزير خارجية تونس مع نظيره التركي قبل فترة. يشعر بأن انقرة شبه عاجزة عن القيام بعمل جدي حيال سوريا. يؤكد له احمد داود اوغلو ذلك صراحة.
تجتمع قيادات من «المؤتمر القومي العربي» بالرئيس التونسي المنصف المرزوقي وبزعيم «حركة النهضة» الشيخ راشد الغنوشي. تتوضح صورة الوضع في سوريا اكثر، يشرح القوميون العرب حقيقة الصراع. يتفاجأ المرزوقي بكثير من المعلومات ويتفاجأ ايضا بمعلومة ان في تركيا علويين.
المناخ في سوريا نفسها يطرح علامات استفهام كثيرة. الذين التقوا الرئيس الاسد قبل فترة شعروا بأن الرجل يتحدث عن مرحلة جديدة، يكاد يقول ان سوريا نجت من الازمة وان المرحلة المقبلة هي للانتهاء من ذيولها. يبدو الاسد اكثر ثقة بالنفس من اي وقت مضى. الوضع العسكري بات افضل في المعارك الكبيرة. اتساع رقعة الاشتباك مع المعارضة المسلحة لا يقلق النظام، يقول ان اميركا بكل قواتها لم تستطع وضع حد لمثل هذه العمليات في العراق وافغانستان. المسألة هي مسألة وقت، يقول اهل النظام. يستعيد الاسد دور واضع الشروط على اي تسوية مقبلة. يريد تصريحا علنيا من السعودية وقطر بوقف دعم المعارضة. قال ذلك للاخضر الابراهيمي.
المعارضة الليبرالية غير مرتاحة. يقول احد ابرز اركانها: «قالوا لنا ان الاسد لن يطلق النار على التظاهر لكنه فعل ولم يتحرك الغرب. قالوا انه لن يستخدم اسلحة ثقيلة، استخدمها ولم يتحرك احد. قالوا الامر ذاته عن الدبابات والطائرات. يتبين لنا ان الغرب لا يريد للمعارضة ان تحسم الامر.. نشعر بشيء من التواطؤ».
تعود الاسئلة الى نقطة المركز. ماذا لو نجا النظام السوري. ماذا عن ايران الواجب تطويقها و«حزب الله» الواجب الغاء دوره واسرائيل الواجبة حمايتها؟
الانتخابات الأميركية في اوجها. لا بد من الانتظار. يرسل «حزب الله» طائرة استطلاع فوق اسرائيل. تصور الطائرة كل ما تريد وترسل المعلومات. الهدف لجم اي مغامرة إسرائيلية.
تأتي معلومات من اليمن تفيد بان ايران باتت تملك ورقة الحوثيين في الشمال وجزءا من المعارضة في الجنوب. تتوتر الاوضاع في السعودية. ترتفع الحرارة في البحرين. تتفاقم حدة اتهامات رجل الامن الاول في الامارات الفريق ضاحي الخلفان ضد الاخوان المسلمين. تشتبك جماعات الاخوان في مصر مع الليبراليين.
ماذا يفعل الغرب؟ راهن على الاخوان لكنه يراهم يترنحون امام السلفيين. الحركة السلفية تتمدد وتقترب من اسرائيل. مسؤول لبناني رفيع يقول ان سلفيي الشمال اللبناني «يريدون اقامة دولة تمتد من طرابلس وصولا الى حمص وحلب.. هذا حلم تاريخي». كان يراد لتنامي السلفية ان تواجه «حزب الله» وتزيد في تأجيج الشعور المذهبي في المنطقة ضد ايران. صارت خطرا على اسرائيل وعلى الولايات المتحدة الاميركية.
في هذه الاجواء، يتم اغتيال اللواء وسام الحسن. يترنح الوضع اللبناني. تجاهر قوى 14 آذار بضرورة اسقاط الحكومة. تتم مهاجمة السرايا الحكومية. لا ينتبه محركو المهاجمين الى ان المناخ الدولي بدأ يتغير وان لميقاتي غطاء دوليا يزداد إحكاما. أي تغيير في لبنان بحاجة الى تسوية ايرانية سعودية اميركية روسية. تأخذ السعودية في لبنان فتعطي في سوريا. هذا المشهد لم يكتمل بعد، لكنه قد يكتمل.
سوريا وإيران تسعيان لتحسين الظروف وإظهار عوامل القوة. هذا طبيعي في كل انتخابات أميركية. الطرف الآخر يريد رفع الضغط لكنه يخشى سقوط السلاح بأيدي السلفيين والقاعدة.
كل طرف يسعى لتحسين موقعه، بينما لبنان يزداد ضعفا. عاد لبنان بفضل بعض قصيري النظر ساحة لصراع الآخرين. الفوضى فيه مرشحة بالتالي للتفاقم. قد يشهد لبنان انفلاتا امينا او تفجيرا او اغتيالات. لحسن الحظ أن بعض الأطراف لم تقبل حتى الآن الانجرار الى الفتنة.. لكن إلى متى؟
ربما حتى تكتمل شروط الطائف السوري، بإعادة إحياء الطائف اللبناني.

< المقال السابقرجوعالمقال التالي >
Bookmark and Share
إقرأ للكاتب نفسه

تشابهـات اللحظـة التاريخيـة: أبعـد مـن الاغتيـال فـي الأشرفيـة

مصطفى اللباد
تتجاوز التداعيات لعملية الاغتيال البشعة للعميد وسام الحسن التي جرت في الأشرفية قبل أيام، مساحة العاصمة اللبنانية، مثلما تفيض على حدود لبنان كله، لتطال توازنات المشرق العربي برمته. تتجلى رمزية المشهد الحالي في إسدال الستار على توازنات لبنانية وإقليمية استمرت لفترة من الزمن، لذلك تحاول السطور الآتية الإضاءة على الموضوع من منظار أوسع بكثير من الأشرفية التي شهدت عملية الاغتيال الإجرامية، ليس من وجهة نظر أمنية، والمغدور شخصية أمنية بارزة، وإنما من منظور تاريخي وجغرافي - سياسي. بعبارة أخرى تحاول هذه السطور إلقاء نظرة طائر على موقع اغتيال العميد وسام الحسن: حفرة الأشرفية هي جزء من بيروت، التي بدورها جزء من لبنان، المرتهن جغرافياً ومصيرياً لتوازنات سورية، والتي بدورها مستندة إلى جغرافيا أكبر هي العراق. من ينظر إلى الخريطة يمكنه ببعض الخيال أن يرى سمكة كبيرة تقضم سمكة أصغر (العراق - سوريا)، والأخيرة تعض في الوقت ذاته على سمكة ثالثة (سوريا - لبنان). قبل العام 2003 انتهى دور العراق الذي رسمته اتفاقية سايكس - بيكو، والتفت لينشغل الآن بمكوناته العرقية والطائفية. أما سوريا فنشهد الآن ربما الفصل الأخير من مأساتها الإغريقية.تجمع الأفرقاء اللبنانيين تناقضات معلومة يشهد عليها الحراك السياسي اللبناني وسيل التصريحات المقروءة والمسموعة والمرئية من الفريقين السياسيين، ولكن تجمعهما أيضاً قبل ذلك مشتركات تتعلق بكينونة وطنهم وموقعه في الترتيبات الإقليمية الكبرى التي يجري إعدادها على قدم وساق. يكثف لبنان في جغرافيته الصغيرة توازنات المشرق العربي كله، وتنخرط القوى الإقليمية في نزاعات لبنان منذ قيامه - إمارة أولاً وجمهورية ناجزة ثانياً، فتتصارع مع بعضها البعض على أرضه بالتحالف مع قوى محلية. هكذا شكل المشهد اللبناني على الدوام امتداداً لمشهد أعمق مشارقي وعربي، وأصبح الترمومتر الذي لا يخيب لقياس حرارة الأوزان الإقليمية. وإذ تقلبت الأيديولوجيات والشخصيات والأحزاب على لبنان، فصعدت وهبطت، إلا أن لبنان بقي محكوماً بذات الجغرافيا. ما يحدث في سوريا يؤثر بشدة على لبنان، وما يحدث في توازنات المنطقة يؤثر على سوريا، وتوازنات المنطقة محكومة على الدوام بتوازنات دولية من خارجها. على ذلك لم يتخيل أحد من سكان لبنان العام 1915 أنه سيعاصر في السنوات القليلة اللاحقة تغييرات ستعصف بأقدار المشرق العربي، فتتغير حدوده إلى الحد الذي تظهرت فيه كيانات واختفت أخرى. لم يتخيل أحد في لبنان أن مسميات استدعيت من كتب التاريخ، بتؤدة أو على عجل، ستمسي في سنوات قليلة لاحقة بعد العام 1915 أسماء لكيانات جديدة قسمت في ما بينها المشرق العربي وخرائطه. تغير نهر الأردن من معطى جغرافي ـ تاريخي بحمولة دينية مسيحية إلى ملكية هاشمية ناجزة، وتحول جبل لبنان بثنائيته المارونية ـ الدرزية إلى دولة بتكوينها الطائفي الحالي، الذي تجاوز فعلياً وعملياً تركيبته الأساسية إلى خلطته الطائفية الراهنة. وتمثل العامل الحاسم في هذه التغييرات التي عصفت بالمشرق العربي قبل قرن من الزمان في القطعة الكبيرة من «بلاد الشام»، التي أصبحت دولة اسمها سوريا. اقتبس اسم الأخيرة من حضارة الأشوريين، فيما انعكست حضارات بين النهرين السومرية والبابلية على جغرافيا العراق الوليد. من وقتها تتحكم جغرافيا سوريا في لبنان، وبدوره لعب العراق دور الغطاء الجغرافي للنواة السورية؛ حتى وان اختلفا على الدوام سياسياً.يشبه العام 2012 تماماً العام 1915، من حيث كونه الفترة الانتقالية الواقعة بين حالة من الثبات النسبي والتناقضات المُسَيطَر عليها، إلى الحالة الجديدة التي تعيش المنطقة الآن مخاضها العسير. لا يفوت التذكير هنا أن الحرب العالمية الأولى 1914-1918 قد اندلعت بعد عملية اغتيال موصوفة ومشهودة لولي عهد النمسا فرانز فرديناند، لا أحد يتذكر ذلك الاغتيال الآن، لكن الكل يتذكر نتائج وتبعات هذه الحرب على المنطقة والعالم. كان العام 1915 مقدمة لاتفاق سري مصيري بين انكلترا وفرنسا وقعه وزيرا خارجية البلدين على الخرائط (سايكس-بيكو)، فرسما بموجب الاتفاق مصائر وأقدار المشرق العربي من وقتها وحتى الآن. بعد العام 1915 بعامين صدر «وعد بلفور» في العام 1917، الذي وعد اليهود بوطن قومي في فلسطين فتغير وجه المنطقة وشكل من وقتها وحتى اللحظة الصراع الأساسي للمنطقة. بعدها بثلاث سنوات انتهت الحرب العالمية الأولى 1918 بنتائجها الواضحة على توازنات القوى العالمية، وبالتالي على المنطقة. وحين أعلنت «معاهدة سان ريمو» في العام 1920 الانتداب على سوريا، فقد اختبر العام ذاته «معاهدة سيفر»، التي أعطت الأكراد والأرمن في السلطنة العثمانية أقل من استقلال كامل وأكثر من حكم ذاتي. تلى ذلك مباشرة إبرام «معاهدة لوزان» عام 1923، لتنظم انهيار السلطنة العثمانية وتشكل الأساس المادي والقانوني للجمهورية التركية التي قامت على أنقاضها، قبل إلغاء الخلافة في العام 1924.الآن تبدو توازنات العالم والمنطقة مستدعية لإعادة ترتيب جديد، يشبه كثيراً ترتيبات معاهدة «سايكس-بيكو»، ولكن اللاعبين الحاليين ليسوا القوى الخارجية حصراً كما كان الحال قبل مئة عام، وإنما القوى الإقليمية غير العربية، على اختلاف مواقعها وشعاراتها وتحالفاتها. ما يجمع بين اللحظتين 1915 و2012 لبنانياً أن البلد الأخضر الصغير ليس بمنأى من التغيرات الإقليمية، بل على العكس هو مسرح تظهيرها الأساسي. جرت مياه كثيرة في أنهار المشرق العربي وفي الفرات، فتغيرت صورة المشهد بالكامل. لم تعد «الصيغة اللبنانية 1943» محلاً لإجماع القوى السياسية اللبنانية منذ سنوات. وفي العقد الأخير لم يعد الجوار السوري ممتلكاً لذات المهارات الجيو-سياسية والوعي بتعقيد التركيبة التي قام عليها المشرق العربي، ولم يعد العراق قائماً بذات دوره في خرائط سايكس-بيكو. كما أن التوازنات الإقليمية قد فاضت بشدة على المنطقة العربية، فأصبح الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط محتكراً بين القــوى غير العــربية الثــلاث دون وجود قوة عربية مكافئة أو حتى قدرة عربية على رص اصطفاف مقابل.كانت سوريا وخرائطها عقدة سايكس ـ بيكو المركزية، وفي التطورات المصيرية اللاحقة لهذه الاتفاقية تربعت سوريا في قلب الحدث، والآن ومع التطورات التي تختبرها المنطقة تقع سوريا في عين العاصفة. وإذ اختزلت الجمهورية العربية السورية في طياتها لب وجوهر المشرق العربي: جغرافيته وتاريخه، فضلاً عن فسيفسائه العرقي والطائفي. وكثٌف موقع سوريا الجيو ـ سياسي كل توازنات القوى الإقليمية في الشرق الأوسط والمنطقة، حيث تمنع جغرافيا سوريا تركيا من الوصول إلى عمق شبه الجزيرة العربية، مثلما تحبس العراق عن شرق البحر المتوسط. وسوريا في الوقت عينه هي متنفس لبنان الجغرافي الذي يعطيه معناه المدَوّي، كما تتجاور سوريا مع فلسطين بحيث تشكل عبر جنوبها الغربي الرئة الجغرافية والتاريخية لها. لا تستطيع سوريا ممارسة دور إقليمي خاص ومحدود النطاق، إلا وفق توازن إقليمي ودولي دقيق للقوى، لأن إمكاناتها البشرية والاقتصادية لا تؤهلها سوى لدور «صانع الملوك»، وليس ممارسة النفوذ الإقليمي في كامل المنطقة. وفي إطار هذا التوازن الدقيق من القيود والقدرات أمكن لأي نظام في الجمهورية العربية السورية ـ بشرط امتلاك بعض الطموح وكثير من الخيال وإمساك لبنان وورقة فلسطين ـ أن يصبح نقطة التوازن لكل الصراعات الإقليمية في المنطقة بظهير عربي، حتى دون التمتع بإمكانات اقتصادية ومالية خاصة أو كتلة سكانية وازنة. كانت سوريا ـ وما زالت ـ الرافع الحصري للأدوار الإقليمية في المشرق العربي، وهي نتيجة يمكن التثبت من صوابيتها بتطبيقها تاريخياً على الأدوار الإقليمية لمصر منذ عصر الفاطميين والمماليك، وصولاً إلى محمد علي وعبد الناصر. وينطبق الحال نفسه على إيران منذ انتصار ثورتها وحتى اليوم، وعلى تركيا منذ تولي حزب العدالة والتنمية مقاليد السلطة في تركيا قبل نحو عقد من الزمان. باختصار يقول درس الجغرافيا والتاريخ الرقم واحد في الشرق الأوسط إنه لا دور إقليميا ممكنا دون الهيمنة على سوريا أو التحالف معها. وبدورها تستمر سوريا قطباً للرحى الإقليمية بشرط امتلاكها قدرة المناورة على الأطراف الإقليمية؛ بالاستناد الى ظهير عربي وبموازنة كل هذه الأطراف بعضها ببعض. كان ذلك حال سوريا حتى نهاية حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد. غاب هذا الشرط عن النظام السوري الحالي، فلم تعد سوريا قادرة على القيام بأدوارها «السايكس-بيكوية» لافتقارها إلى مهاراته ومقوماته، والراجعة إلى انغلاق مروحة تحالفاتها الإقليمية بسبب عجزها عن استيعاب درس الحدود والقيود. يمكنك أيضاً أن تعتقد أن تحييد سوريا عن هذا الدور المحوري هو المدخل الضروري لإعادة ترتيب المنطقة. لم تعد التوازنات الدولية والإقليمية التي حققت لسوريا مركزيتها وموقعها العقدي في المشرق العربي موجودة الآن في العام 2012، وخرائط سايكس ـ بيكو يبدو أنها لم تعد قادرة على إنتاج ذات التوازنات التي أنتجتها طوال قرن كامل، وبالتالي تقف المنطقة الآن على أعتاب تغيير كامل لبه ومحتواه هي سوريا. نضجت الظروف الذاتية والموضوعية لتغيير المشرق العربي، على غرار سايكس-بيكو 1916، ولكن بمسميات جديدة وبمتعهدين جدد. أفضل وسيلة للتنديد بعملية الاغتيال البشعة هو استبصار مراميها وموقعها ضمن السياق العام للمنطقة، وصورة المشهد لا تنبئ بالخير للبنان واللبنانيين، لأي فريق سياسي انتموا. التركيز الحصــري على تفاصيل حفرة الأشرفية يشتت الانتباه عن الصورة الكامـلة للمـشهد الإقليمي الـتي تتظـهر الآن. ما أشبه اليوم بالعام 1915!.ـ رئيس مركز الشرق للدراسات الإقليمية والاستراتيجية-القاهرة.




على الصفحة
الأكثر قراءة

http://www.assafir.com/Images/taghtia_03.png
http://www.assafir.com/Images/Shabab.png
http://www.assafir.com/Images/palestine.gif
http://www.assafir.com/Images/Arabi.png

http://www.assafir.com/banners/DMSSupplement_160x90_4_masaref.jpg

<a href='http://ads.assafir.com/www/delivery/ck.php?n=a0d61126&cb=INSERT_RANDOM_NUMBER_HERE' target='_blank'> <img src='http://ads.assafir.com/www/delivery/avw.php?zoneid=34&source=opinion&cb=INSERT_RANDOM_NUMBER_HERE&n=a0d61126' border='0' alt='' /></a>
جريدة-ehttp://www.assafir.com/PDF/templatechannelpdf/Thumbs/22102012.jpg
·http://www.assafir.com/images/Nashra_fb.png
·http://www.assafir.com/images/Nashra_Twitter.png
·http://www.assafir.com/images/Nashra_Email.png
·http://www.assafir.com/images/Nashra_android.png
·http://www.assafir.com/images/Nashra_Ipad.png
·http://www.assafir.com/images/Nashra_iphone.png
·http://www.assafir.com/images/Nashra_mobile.png
·http://www.assafir.com/images/Nashra_RSS.png

http://www.assafir.com/images/MenuSep1.png

http://www.assafir.com/images/icons_05.gif
http://www.assafir.com/images/icons_04.gif
http://www.assafir.com/images/icons_03.gif