Monday, August 11, 2014

دراسة مهمة جدّاً – من مصر حتى البحرين : انهيار سرية مخطط الشرق الأوسط الكبير



Dear all,this article is a bit long, but really very close to the fact that our region confront.

دراسة مهمة جدّاً – من مصر حتى البحرين : انهيار سرية مخطط الشرق الأوسط الكبير
الثلاثاء , 15 أكتوبر 2013

يوم 14 مايو 1948 , التاريخ الذي تم فيه الإعلان عن قيام “دولة إسرائيل” على أرض فلسطين , أكد ديفيد بن غوريون زعيم الكيان الصهيوني الجديد أن أمن إسرائيل يتحقق فقط عندما تكون إسرائيل أقوى عسكريا من أي تحالف عربي محتمل . وباتت هذه الرؤية عقيدة إسرائيل الأمنية لعقود عديدة . غير أن العديد من الاستراتيجيين الصهاينة رأوا لاحقا أن هذه النظرية وحدها لا تكفي لضمان أمن إسرائيل ، وأن ضمان هذا الأمن ، واستقرار الكيان وقوته وتماسكه مرهون بانهيار المجتمعات العربية وضعفها وتمزقها .
دراسات عديدة لمختلف الأجهزة الإسرائيلية أشارت إلى أن إتفاقية سايكس بيكو سازانوف المعقودة سنة 1916 والتي كانت تفاهما سريا بين فرنسا والمملكة المتحدة بمصادقة من الإمبراطورية الروسية على اقتسام الهلال الخصيب بين فرنسا وبريطانيا لتحديد مناطق النفوذ في غرب آسيا بعد تهاوي الامبراطورية العثمانية ، لم يكن كافيا لا لضمان هيمنة إسرائيل ولا لتأمين تحكم الغرب في هذه المنطقة الإستراتيجية الأساسية من العالم إقتصاديا وسياسيا وعسكريا ، وإنه يجب العمل على إعادة رسم الحدود في المنطقة الممتدة من باكستان وأفغانستان شرقا مرورا بسوريا ومصر وحتى سواحل المحيط الأطلسي غربا ..
نشر الفوضى
في فبراير 2011 , نشر الكاتب الاميركي “مايكل كولينز بايبر” مقالاً في موقع أميركان فري برس اشار فيه إلى بحث نشرته دورية المنظمة الصهيونية العالمية المعروفة “كيفونيم” بقلم الصحفي الاسرائيلي “عوديد ينون” المعروف بعلاقاته الوثيقة بالخارجية الإسرائيلية وأجهزة إتخاذ القرارات في الدولة العبرية ، دعا فيه بوضوح إلى نشر الفوضى في العالم العربي ، وإحداث انقسام فيها من الداخل إلى درجة تصل إلى “بلقنة” مختلف الدول العربية وتجزئتها إلى جيوب طائفية . هذا كان تردادا لذات الأجندة التي طرحها البرفسور الإسرائيلي “إسرائيل شاحاك” وهدفها تحويل إسرائيل إلى قوة عالمية من خلال نشر الفوضى في الدول العربية وبالتالي إعداد المسرح في الشرق الأوسط للهيمنة الإسرائيلية ..
هذا المخطط سبق وتحدث عن شبيه له الأكاديمي الأميركي “زبغنيو بريجنسكي” قبل أن يصبح فيما بعد مستشار الرئيس كارتر لشؤون الأمن القومي ، وذلك في كتابه “بين عصرين” الصادر في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي والذي دعا فيه للإعتماد على الأصوليات الدينية لمواجهة الخطر الماركسي ، ودعا لهيمنة رجال الدين واشعال حروب الأديان والطوائف ، وتقوية التيارات الدينية التي لا ترى العالم إلا من زاوية الدين والخلافات الدينية .
وفي إحدى تصريحاته يقول : إن منطقة الشرق الأوسط ستحتاج إلى تصحيح الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو ومقررات مؤتمر فرساي ..
وكان قد سبق لوزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنغر أن صرح انه بهذه المنطقة تواجدت كل الاديان ولا يمكن التعامل معها إلا من خلال الدين , أي أن اللعب على وتر الدين هو المدخل المناسب لتنفيذ المشاريع التي تصبو إليها الصهيونية العالمية .
         المستشرق الأميركي , البريطاني الأصل “بيرنارد لويس” , صرح في مقابلة صحفية نشرت يوم 20 مايو 2005 في عدة صحف ومواقع : “ان العرب والمسلمين قوم فاسدون ومفسدون فوضويون ، لا يمكن        تحضرهم . وإذا تركوا لأنفسهم , فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمر الحضارات وتقوض المجتمعات ، ولذلك فإن الحل السليم للتعامل معهم هو إعادة إحتلالهم واستعمارهم . وفي حال قيام أميركا بهذا الدور , فإن عليها أن تستفيد من التجربة البريطانية والفرنسية في استعمار المنطقة ، لتجنب الأخطاء والمواقف السلبية التي اقترفتها الدولتان ، وأنه من الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية ولا داعي لمراعاة خواطرهم أو التأثر بانفعالاتهم وردود الأفعال عندهم . ولذا , يجب تضييق الخناق على هذه الشعوب ومحاصرتها واستثمار التناقضات العرقية والعصبيات القبلية والطائفية فيها ، قبل أن تغزو أميركا وأوروبا لتدمر التوجه المتوحش فيها” ..
إذكاء صراع الحضارات
في كتابه “إسرائيل وصراع الحضارات” الذي صدر سنة 2008 , يكشف الصحفي البريطاني جوناثان كوك الدور الذي لعبته إسرائيل في إذكاء الصراع بين الحضارات ومحاولتها جعل تلك المقولة اساساً لنظرة العالم إلى مكوناته الأساسية لاسيما البلدان الإسلامية وذلك سعيا لإعادة صياغة الشرق الأوسط بأكمله على نحو مواتٍ لها ولمصالحها .
    ويؤكد كوك أن الحروب الأهلية ودعوات التقسيم التي رافقتها كانت على وجه التحديد هي الهدف الأول لغزو العراق ، وأن هذا الهدف لم يوضع في واشنطن ، وإنما في مكان آخر على بعد آلاف الأميال (ويقصد تل ابيب) ..
وبحسب التصور الصهيوني , فإن من يسيطر على العراق يتحكم استراتيجياً في الهلال الخصيب وبالتالي الجزيرة العربية ويكون ذلك مدخلا لكل المنطقة الممتدة من حدود العراق حتى السواحل الشمال أفريقية على المحيط الأطلسي أو ما سماه البعض ببحر الظلمات .
يذكر أنه بعد أبريل سنة 2003 بأشهر ، صرح ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي بوش السابق لآرييل شارون رئيس وزراء إسرائيل ، ان الولايات المتحدة هاجمت العراق أولاً , وقبل أي شيء من أجل الدفاع عن إسرائيل .
بعد صدور كتابه بما يقرب من عقد , قال جوناثان كوك أن إسرائيل منذ عام 1980 قررت إتباع سياسة ملخصها هو تقسيم كل شيء على الضفة الأخرى ، أي في الجانب العربي ، بداية من الفلسطينيين ثم زحفاً إلى بقية الدول العربية . ويضيف كوك أن المحافظين الجدد كانوا يشاركون إسرائيل بقوة في ضرورة مواصلة هذه الإستراتيجية لإلغاء أي دور لدول الشرق الأوسط في السياسة الدولية وإغراقها في مشكلات داخلية تعمق من ضعفها ومنع موسكو أو بكين من الاستفادة من إقامة تحالفات مع الدول العربية للنفاذ إلى البحار الجنوبية الموصوفة بالدافئة وذلك في نطاق صراعهما لتقزيم الدور العالمي المهيمن للغرب وفي مقدمته الولايات المتحدة .
ويتابع كوك ، أن الهدف هو بدء موجة من الصراعات الطائفية انطلاقا من العراق تمتد لاحقا إلى كل المنطقة، وكان العراق مكانا جيداً لإختيار هذه الاستراتيجية لأسباب متعددة كان منها ، انه تمكن في السابق من تحقيق وئام طائفي وإعلاء لراية الوطن على راية الطائفية ، فقد كانت نسبة الزيجات المختلطة بين الطوائف المتباينة هي الأعلى في الشرق الأوسط ، وكان من الواضح انه إذا نجحت تلك الاستراتيجية في العراق فان بامكانها ان تنجح في أماكن أخرى كثيرة .
ويقول كوك أن هدف إسرائيل من ذلك كان إدخال العراق في دائرة الاضطراب الدائم وزرع بذور شقاق طائفي إقليمي يقطع الطريق على دعوة القومية العربية، واطلاق اليد الإسرائيلية بترحيل عرب 1948 من فلسطين إلى خارج ارض “إسرائيل الكبرى” بحجة أن الجميع في الشرق الأوسط يبتعدون عن بعضهم على أسس دينية وعرقية، فلماذا لا تفعلها إسرائيل .
ويقول كوك أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 أتاحت فرصة ذهبية لأصحاب هذه الرؤية وجعلت الحديث عن صراع الحضارات وتفتيت الشرق الأوسط يخرج من مجالس الهمس إلى العلن .
معلقون غربيون في تكملة لما قاله كوك يذكرون أن ساسة الغرب يعملون الآن بدأب لنقل الصراع المذهبي إلى سوريا لنشر الفوضى والتفتيت في كل المنطقة ، مع الأخذ بعين الاعتبار أن السودان قد انفصل قسمه الجنوبي مسبقا ولا تزال هناك مشاريع لمزيد من التقسيم فيه ، وأن الفوضى تعم ليبيا واليمن ومصر وحتى تونس ، وكل شيء في هذه البلدان يشير أنها سائرة في هذا الإتجاه ، وليس العكس .
وتجدر الإشارة هنا إلى ما قاله ساسة واشنطن للزعيم الراحل ياسر عرفات خلال المفاوضات على إتفاق أوسلو من أجل الضغط عليه : “إعلم أنك من منطقة قابلة لتعديل الحدود والبشر في أي وقت” .
أفادت دراسات صادرة عن مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى ، ومعهد الدراسات السياسية الاستراتيجية المتقدمة خلال عقدي الثمانينات والتسعينيات ، أن إسرائيل تريد حصار العراق وسوريا من الشمال من خلال وجودها في تركيا والتجسس عليهما من خلال علاقاتها مع الأكراد والحكومة التركية وتريد تل أبيب كذلك التغلغل في الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى عن طريق تركيا لتكون قطبا مهما يساهم في المخطط الأميركي لمحاصرة روسيا من كل الاتجاهات ، ومنعها من إستعادة دورها العالمي البارز خلال عهد الإتحاد السوفيتي .
ذكر احد العاملين في مكتب رئيسة لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأميركي أن إسرائيل تدفع باتجاه قيام حرب أهلية في سوريا على الطريقة العراقية أو اللبنانية، وان مصلحتها تكمن في انهيار النظام الحالي دون قيام نظام آخر متماسك في مكانه ، وهذا يؤكد وجود مشروع يتعمد إغراق سوريا في الفوضى والإقتتال ،       وليس غير ذلك ، وإخراجها كلية من معادلات التوازنات الإستراتيجية في المنطقة لتسترخي إسرائيل وتطمئن .
البداية تقسيم 5 دول
نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية يوم 28 سبتمبر 2013 خريطة تظهر تقسيم 5 دول في الشرق الأوسط إلى 14 دولة ، لافتة إلى أن المنطقة التي تعد المحور السياسي والاقتصادي الأكثر أهمية في النظام الدولي الذي يعاد تصميمه في حالة تقلب ..
وركز التقسيم الذي قدمه المحلل “روبرت رايت” يوم السبت 28 سبتمبر  على سوريا وقسمها إلى 3 دويلات وهي : "الدويلة العلوية التي تسيطر على الممر الساحلي . والدويلة الثانية هي كردستان السورية التي بإمكانها الانفصال والاندماج مع أكراد العراق في نهاية المطاف . أما الثالثة فهي الدويلة السنية التي بإمكانها الانفصال ومن ثم الاتحاد مع المحافظات الوسط في العراق” .
وسلطت الصحيفة الأميركية ، الضوء على المملكة العربية السعودية ، كثاني الدول التي يمكن تقسمها إلى 5 دويلات وتضم : “السعودية الشمالية ، والشرقية ، والغربية ، والجنوبية ، والدولة الوهابية” ..
أما عن ثالث الدول , فهي ليبيا التي قسمتها الصحيفة الأميركية إلى  دويلتين هما : "طرابلس وبرقة ومن الممكن أن تصبح ثلاثة بإقامة دولة فزان في الجنوب الغربي” .
كما أوضحت الـ “نيويورك تايمز” أن العراق يظهر كرابع الدول التي تم تقسيمها ,  حيث من الممكن أن ينضم أكراد الشمال إلى أكراد سوريا ، وتنضم العديد من المناطق المركزية التي يسيطر عليها السنة إلى السنة في سوريا ، ويصبح الجنوب خاصا بالشيعة” .
أما الدولة الأخيرة حسب الصحيفة الأميركية فهي اليمن ، وتم تقسيمها إلى دويلتين . واشارت أنه من الممكن أن يصبح جزء من اليمن جزءا من دويلة السعودية الجنوبية .
ويختم رايت الذي أعد هذا التقسيم بالقول : "أن رسم خريطة مختلفة سيكون تغييرا استراتيجيا في اللعبة للجميع ، ومن المحتمل أن يكون التقسيم الجديد هو إعادة لتشكيل التحالفات والتحديات الأمنية وتدفق التجارة والطاقة لجزء كبير من العالم” ..
صحيفة “نيويورك تايمز” تحدثت فقط عن مخطط تقسيم 5 أقطار عربية إلى 14 دويلة ، وهذا هو جزء من مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي ينص على تفتيت دول المنطقة إلى ما بين 54 و56 دويلة متصارعة والذي فضحته وسائل إعلام عربية منذ سنوات كثيرة ولكن لم يثر نفس ردود الفعل الحالية أو الإنفجار الإعلامي الحالي لسبب بسيط أنه لم يصدر عن مصادر غربية معتمدة .
 
دراسة للبنتاغون
خلال صيف سنة 2013 , سربت بعض المصادر الإعلامية الغربية دراسة ذكرت أنها وضعت لحساب البنتاغون الأميركي تحتوي على ما يقارب من 1736 صفحة تتضمن تشخيصا ووصفا دقيقا لأوضاع الدول العربية مع تركيز على دول الخليج العربي التي تتحكم في جزء كبير من إنتاج النفط في العالم .
عسكريا صنفت الدراسة جيوش سوريا ومصر والسعودية وباكستان كأقوى الجيوش في المنطقة الشرق أوسطية الشرقية التي تمتلك ترسانة أسلحة ضخمة وقدرات تسليح ذاتية وخبرات مثل الجيش العراقي سابقا . وفي بحث مكون من 432 صفحة , أشارت الدراسة إلى كيفية تفتيت تلك الجيوش وذلك بتحييد الجيش الباكستاني عبر شغله بصراعات مختلفة وعمليات عنف داخلية تضعف الإقتصاد وتؤلب فئات المجتمع ضد بعضها ، بينما أشير إلى أن الجيش السوري قد تم استنزافه بشكل كبير حتى نهاية فبراير 2013 رغم الدعم الروسي الكبير بالسلاح . وأشارت الدراسة أيضا إلى التكنيك الواجب إتباعه في تفتيت الجيش المصري وخاصة عبر الزج به في مواجهات داخلية واسعة والعمل على نسف التناسق بين قياداته والعمل على بروز إنشقاقات تقود إلى جيش مواز مناهض للقيادة الحالية ..
ووضعت الدراسة أكثر من 69 سيناريوها متوقعا للمواجهة بين شعوب المنطقة قبل الشروع في عملية التقسيم إلى دويلات وولايات بحجم قطر .
تراهن الدراسة على تحقيق النجاحات المتتالية رغم قصر المدة التي تتوقعها للوصول إلى النتيجة وتعزو ذلك إلى عمق الإنقسام الأيدلوجي والفكري والعرقي والطائفي ..
تتضمن الدراسة سبل تخدير الشعوب بشعارات الربيع العربي والثورات لمحاربة الفساد والغزو الإعلامي عن طريق أكثر من 38 قناة مرئية ومسموعة وعبر مواقع التواصل الاجتماعي .
ليس كل التاريخ مؤامرة
يقول الكاتب والمؤرخ محمد حسنين هيكل : “ليس كل التاريخ مؤامرة , ولكن المؤامرة موجودة في التاريخ . إن من لا يرى مؤامرة في كل ما فعله الغرب في المنطقة منذ بدايات القرن الماضي ، من وعد بلفور ، وسايكس بيكو ، وإقامة إسرائيل ، وما فعله منذ بدايات هذا القرن , فمن لا يجد في ذلك مؤامرة ، فإنه لا يفرق بين التمرة والجمرة” .
ويضيف هيكل : إن التفتيت الطائفي على مستوى المنطقة يحتاج بالضرورة إلى طائفيين أو أكثر ، أو إلى نوعيات تدعي الليبرالية والعلمانية ولكن لا تدري خطر ما تفعل ، أو أنها مخترقة بوسيلة أو بأخرى ، أو تحركها دوافع وأحقاد وكيديات خاصة . فالقوى العلمانية واليسارية والقومية والليبرالية الحقيقية والمبدئية والصادقة مع ذاتها ، لا تؤدي هذا الغرض ، لأن تكوينها الفكري والثقافي والعقائدي لا يسمح لها بذلك . إذا من هو المؤهل للقيام بهذا الدور ؟ طبعا هي القوى الدينية المتعصبة والمتطرفة والتكفيرية والنوعيات الأخرى المشابهة ، فضلا عن كل من يغذي الثقافة الطائفية بالقول أو الكتابة أو الفتاوى والخطابات والمقابلات والأحاديث والألفاظ … الخ . هؤلاء جميعا هم الرهان لجر المنطقة إلى الدائرة التي تخطط لها دوائر الصهيونية العالمية ، وهي تفتيت المفتت ، من خلال الضخ والحقن الطائفي حتى الصدام ، ثم تجزئتها على مقاسات تتلاءم مع إسرائيل وتضمن مستقبلها لقرن قادم على الأقل مع حلفائها ، لأن سايكس بيكو قد شاخَت ولم تعد صالحة لخدمة هذه الإستراتيجية الصهيوأميركية .
مخططات التقسيم
إن الدعوات إلى إضعاف العرب وتقسيم المنطقة إلى كانتونات عرقية ودينية وقبلية كانت دوماً موضع مخططات وتصورات استراتيجية لمعاهد البحوث الاميركية التي يسيطر عليها اللوبي الصهيوني مثل : مؤسسة التراث ، والمعهد الأميركي لأبحاث السياسة العامة ، ومعهد أبحاث السياسة الخارجية ، ومعهد بروكنغز ، هذا إضافة إلى العشرات من معاهد الدراسات الأخرى مثل : مركز فريمان للدراسات الإستراتيجية في تكساس ، والمعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي ، ومعهد دراسات السياسة والإستراتيجية المتقدمة ..
وهذه المعاهد طرحت دوماً أهمية الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة وإيجاد نظام ٌقليمي شرق أوسطي بدلاً من النظام الإقليمي العربي . الكل يتذكر طرح شيمون بيريز بعد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 عن قيام شرق أوسط كبير ، ينسجم مع هذه الرؤى والاستراتيجيات الصهيونية . وهذا ما نادت به أيضاً وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس عندما تحدثت عن ولادة شرق أوسط جديد في بداية العدوان الإسرائيلي سنة 2006 على لبنان ، وأعادت الحديث عن نظرية “الفوضى الخلاقة” ..
رئيس أركان أميركي سابق يكشف المحظور
يوم الجمعة 4 أكتوبر 2013 , نقلت عدة وكالات أنباء دولية وصحف مختلفة تصريحات نسبت إلى رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الأسبق الجنرال المتقاعد هيو شيلتون ، ذكر فيها أن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما تعمل على زعزعة استقرار الأنظمة في كل من مصر والبحرين . ونقلت صحيفة “وورلد تربيون” الأميركية على موقعها الإلكتروني عن شيلتون الذي خدم في عهد كل من الرئيسين الأميركيين بيل كلينتون وجورج دبليو بوش والذي يبقى بحكم موقعه القيادي السابق ومهامه الجديدة بعد التقاعد كمستشار للعديد مما يسمى مستودع العقول الأميركي مطلعا على العديد من الملفات المصنفة سرية ، قوله “إن مصر نجحت في إيقاف الحملة التي قام بها أوباما لزعزعة الاستقرار في البلاد خلال عام 2013″ ، لافتا إلى أن وزير الدفاع الفريق أول عبدالفتاح السيسي ، مدير إدارة المخابرات الحربية والاستطلاع السابق , تمكن من كشف المؤامرة الأميركية لدعم الإخوان المسلمين الذين وصلوا إلى سدة الحكم وسط اضطرابات لم يسبق لها       مثيل ، وهو الأمر الذي أدى للإطاحة بالرئيس المعزول محمد مرسي في 3 يوليو 2013 .
وأضاف أنه إذا لم يتم الإطاحة بمرسي بمساعدة الجيش , لكانت مصر قد تحولت إلى سوريا أخرى وتم تدمير الجيش المصري بالكامل .
وأوضح شيلتون ، الذي لم يكشف عن مصادر معلوماته ، أن الحلفاء العرب قد ابتعدوا عن واشنطن وشكلوا تحالفا بين مصر والسعودية والإمارات ضد الإخوان المسلمين ..
وعلى الصعيد ذاته ، قال شيلتون إن أجهزة الاستخبارات الأميركية قادت حملة ضد البحرين التي أرهقتها “الثورات الشيعية" وأن واشنطن قدرت أن البحرين ستكون لقمة سائغة ومن شأنها أن تكون بمثابة المفتاح الذي يؤدي إلى انهيار نظم دول مجلس التعاون الخليجي .
بعد حوالي 48 ساعة على تناقل وكالات الأخبار ما وصف بتصريحات الجنرال المتقاعد هيو شيلتون , أصدرت السفارة الأميركية في البحرين بيانا قالت فيه : لقد تحققت البحرية الأميركية مباشرة من الجنرال هيو شيلتون بأن الادعاءات التي نشرتها إحدى الصحف حوله ملفقة تماما . لقد تأكدنا من الجنرال بنفسه أنه لم ولن يدلي أبدا بتصريح كاذب بكل وضوح مثل هذا . لم يكن الجنرال شيلتون على شبكة فوكس نيوز ابدا ليتحدث عن البحرين . في الواقع , كان آخر ظهور له على شبكة فوكس في عام 2010 عندما كان يقدم سيرته الذاتية .
ان الجنرال شيلتون لم يعمل أبدا في الأسطول الخامس الأميركي مثلما يدعي الخبر . الجنرال شيلتون بطل أميركي ومقاتل مخضرم يحمل أوسمة . لقد تقاعد الجنرال شيلتون من الجيش الأميركي في عام 2001 بعدما أحتل أرفع منصب في العسكرية الأميركية كرئيس لهيئة الأركان المشتركة . ان الولايات المتحدة الأميركية ومملكة البحرين تتمتعان بعلاقات ثنائية قوية على العديد من المستويات وهي علاقة تمتد إلى ما يقارب من سبعة عقود ..
المسجل هنا أن مصدرا إعلاميا واحدا من بين العشرات سقط في خطأ القول أن الجنرال شيلتون كان قائدا للأسطول الخامس .
النفي الأميركي أستقبل بكثير من الشك خاصة لما سبقه من تصريحات من البيت الأبيض تكذب تسريبات خطيرة ومحرجة وفي مقدمتها ما نشر على موقع ويكيليكس الذي وضع أمام الجميع على الانترنت مئات آلاف الوثائق المصنفة سرية ..
قضية الإنكار في سياسة البيت إنطبقت كذلك على إدوارد جوزيف سنودن المتعاقد والتقني والعميل السابق لدى وكالة المخابرات المركزية والذي عمل كمتعاقد مع وكالة الأمن القومي قبل أن يسرب تفاصيل برنامج التجسس بريسم إلى الصحافة ..
في يونيو 2013 , سرب سنودن مواد مصنفة على أنها سرية للغاية من وكالة الأمن القومي ، منها برنامج “بريسم” إلى صحيفة الغارديان وصحيفة الواشنطن بوست ..
في البداية , ذكرت واشنطن أن تصريحات سندون خيالية ومغرضة ونابعة عن عقل مريض . ولكن بعد أن إتضح أن الكاذب , هو البيت الأبيض تبدلت أساليب التعامل مع الرأي العالمي .
يقول مراقبون إن تصريح الجنرال شيلتون يقدم تفسيرا منطقيا للتقارب المتسارع بين بلدان خليجية والسلطات المصرية التي جاءت لحكم مصر بعد إزاحة النظام الإخواني بعزل الرئيس المصري السابق محمد مرسي .
ويضيف هؤلاء أن الحزم الذي أبدته دول الخليج في توجهها للتحالف بقوة مع النظام المصري الجديد والتعاون مع الجيش المصري لإسقاط الإخوان يأتي في سياق مواصلة العمل لمواجهة المخطط الأميركي ، بعد أن تبين أن وصول الإخوان المسلمين إلى حكم مصر لم يكن ينفصل عن مخطط الإدارة الأميركية ضد منظومة دول الخليج العربي كلها ..
ويشار أنه منذ اندلاع الاحتجاجات في البحرين لم يسجل الملاحظون أي موقف أميركي واضح مما يجري وخاصة من أحداث عنف إرهابية تمت إدانتها من أكثر من قوة إقليمية ودولية .
وقد حاولت إدارة الرئيس أوباما تسليط الضغط على الحكومة البحرينية عبر تكثيف الانتقادات للملف الحقوقي البحريني سواء بشكل مباشر ، أو عبر منظمات وهيئات معروفة تبعيتها للولايات المتحدة .
حبل التواصل الذي لا ينقطع
البعض مال إلى التشكيك في تصريحات رئيس هيئة الأركان الأميركي السابق ومسايرة النفي الصادر عن السفارة الأميركية في المنامة .
الدكتور مصطفى كامل السيد , أستاذ العلوم السياسية في جامعات بمصر , قال خلال اتصال هاتفي بفضائية “سي بي سي” إنه يجب التوقف عند تصريحات هيو شيلتون ، فهذا الجنرال لم يعمل مع الرئيس الأميركى باراك أوباما ، وإنما عمل مع كلينتون وجورج بوش ، ولذلك يكون السؤال من أين حصل على هذه المعلومات ؟
وتابع : أن الصحيفة التي نشرت هذه الأنباء ليست من الصحف الرئيسية في الولايات المتحدة الأميركية . ومن ناحية أخرى , لم يكشف رئيس هيئة الأركان الأسبق عن مصدر معلوماته ، كما أن الأطراف التي تحمست لهذه التصريحات معروفة بمعارضتها وتحيزها ضد أوباما ، زيادة على أن هناك حملة هجومية في أميركا على أوباما بسبب الشرق الأوسط ، حيث يقول خصومه إنه أفقد الولايات المتحدة قدرتها على التأثير ، وضيع فرصة التخلص من النظام السوري الحالي بسرعة ..
وتابع : أصحاب هذه الانتقادات يلومون الرئيس الأميركي لأنه لم يمارس الضغط الكافي على السلطة المصرية الجديدة لإعادة الرئيس مرسي إلى الحكم ، ومنهم السيناتور جون ماكين ، مؤكدا على أن هذه المعلومات لعسكري سابق وليس تصريحا أو معلومات صحيحة ، ومن الصعب على مسئول أميركي سابق الحصول على معلومات سرية ..
ما نساه الدكتور مصطفى كامل السيد وهو يفند التصريحات المنسوبة للجنرال هيو شيلتون أن مخططات الإدارة الأميركية الخاصة بمصر والبحرين ليست وليدة إدارة الرئيس أوباما ، فهي موضوعة منذ سنوات عديدة وضمن مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد وذلك حتى قبل رئاسة بوش الأبن ، كما نسي الدكتور مصطفى كامل السيد أن الرؤساء الأميركيين المتعاقبين في البيت الأبيض يكملون ما شرع في تنفيذه أو تخطيطه من سبقوهم ، حيث أن قادة البيت الأبيض سواء جمهوريين أو ديمقراطيين لا يختلفون مع بعضهم في الخيارات السياسية سوى في أمور لا تبدل من التوجه الإستراتيجي العام وكل ما قد يختلفون بشأنه يكون في غالب الأحيان التكتيك المتبع للوصول إلى نفس الهدف ..
لهذا , فإن الجنرال هيو شيلتون كان مطلعا على المخططات الأميركية وهو في الخدمة وقبل تقاعده ، زيادة على ذلك فإن هذا القائد العسكري وكغيره من ساسة وقادة الجيوش الأميركية ومسيري أجهزة الأمن يبقون على إتصال وعلم بكثير من مستجدات قرارات البيت الأبيض سواء كمستشارين أو خبراء مستقلين أو كجزء من منظومة الدراسات الأميركية التي تقدم المشورة ليس فقط للسياسيين بل كذلك للشركات التي تستثمر ملايير الدولارات لجني مزيد من الأرباح في مناطق مختلفة من العالم .
المهم أيضا أنه في عملية التعامل مع التصريحات المنسوبة للجنرال هيو شيلتون، من الواجب العودة قليلا إلى الخلف حيث أنه منذ نشر شبكة ويكيليكس مئات ألاف الوثائق السرية الأميركية سنة 2006 , تجتهد الأجهزة الأمنية الأميركية لمنع تكرار الكارثة التي أضرت بواشنطن ولكن دون نجاح كامل . مصادر رصد موثوقة في العاصمة الفدرالية الأميركية تتحدث عن وجود شكوك بشأن شخصيات نافذة في مراكز القرار تقوم مباشرة أو عبر أطراف ثالثة بكشف العديد من الملفات السرية ، وهي مقتنعة أن ذلك يحول دون سقوط بلادهم في منحدر شيخوخة القوى العظمى ويفتح الطريق أمام سياسيين جدد يرغبون في إنقاذ الولايات المتحدة من ملاقاة مصير مشابه لإمبراطوريات عظيمة سابقة ..
مؤذية ومفيدة
يوم 13 سبتمبر 2013 , أعلن مدير المخابرات الأميركية جيمس كلابر ان تسريبات ادوارد سنودن حول برامج المراقبة التابعة لوكالة الأمن القومي الأميركي كانت مؤذية ولكنها فتحت المجال أمام نقاش مفيد حول الحريات العامة .
   وذكر خلال مؤتمر صحفي حول التسريبات التي قام بها المستشار السابق في وكالة الأمن القومي الأميركي : “اكره الاعتراف بذلك ولكن ما جرى وما كان مؤذيا فتح المجال أمام محادثات ونقاشات كان لا بد منها” ..
وأضاف كلابر الذي يترأس 16 وكالة مخابرات ومنها وكالة الأمن القومي الأميركي في حال كان هناك عامل ايجابي لهذا الأمر فهو على الأرجح جذاب ..
وأشار مع ذلك إلى انه قلق جدا من نتائج تسريبات المستشار السابق اللاجئ في موسكو على نشاطات وكالة الامن القومي الاميركي ومجمل وكالات المخابرات ..
التعثر الذي يواجه مشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير يثير قلقا كبيرا في الدوائر التي تتحكم في رسم السياسة الأميركية خاصة لأن موسكو وبكين وقوى أخرى تسعى للإستفادة من التعثرات الأميركية   ..
يوم الثلاثاء فاتح أكتوبر 2013 , نشرت صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية تقريرا عن سعى روسيا إلى ملء الفراغ في الشرق الأوسط ، وقالت إنه بعد عقدين من انهيار الاتحاد السوفيتي وتعزيز الولايات المتحدة لدورها باعتبارها القوة المهيمنة في الشرق الأوسط ، فإن روسيا تعود وتسعى لطرق شتى لملء الفراغ .
وأضافت الصحيفة أن الجهود الدبلوماسية الأخيرة التي ساهمت في تجنب ضربة أميركية إلى سوريا أكدت إلى أي مدى ساعد دعم موسكو الثابت لحليفتها الأخيرة الباقية في العالم العربي في إعادة تأكيد الدور الروسي ..
وقد ظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باعتباره زعيم العالم الذي له التأثير الأكبر الوحيد على نتيجة حرب مستعرة تهدد استقرار المنطقة على نطاق واسع ، وحصل على تنازلات من كل من الرئيس السوري بشار الأسد والأميركي باراك أوباما ممن أجل إصدار قرار من الأمم المتحدة يطالب سوريا بتصفية ترسانتها      الكيماوية ..
وتتابع واشنطن بوست قائلة : وبشكل أقل وضوحا ، قامت سوريا بتدعيم تحالفات جديدة وإحياء صداقات قديمة أبعد منذ ذلك ، والتواصل مع دول طالما اعتبرت أنها تنتمي إلى فضاء النفوذ الأميركي بطرق تكرر تنافسات القوى العظمى في عصر الحرب الباردة .
وتشمل تلك البلدان مصر والعراق ، الدولتين العربيتين ذات الثقل اللتين بدأتا استكشاف علاقات أقرب مع موسكو في الوقت الذي عبرت فيه إدارة أوباما عن تردد في أن تصبح متورطة بشدة في الاضطرابات التي يشهدها الشرق الأوسط ..
ويقول محللون عرب إن الأمر يظل محل تساؤل فيما يتعلق بما إذا كانت روسيا عازمة على عدم التنافس مع الولايات المتحدة على المنطقة الحيوية من الناحية الاستراتيجية ..
ويقول مصطفى العاني ، من مركز أبحاث الخليج في دبي إن السعودية ، القوة العربية الأكبر ، والتي لا تزال أقرب حلفاء أميركا بين العرب تشعر بشكوك عميقة إزاء مناورات روسيا ، ومقتنعة أن موسكو مشاركة في جهود لخداع الولايات المتحدة على حسابها .
ويضيف العاني أن الرأي يذهب إلى أن روسيا تنظر إلى المشكلة الكاملة في الشرق الأوسط في الموقع القديم للحرب الباردة ، فحيثما تكون أميركا ، يجب أن يفسدوا اللعبة .
فهم ليس لديهم أي مبادئ ، وسياستهم الوحيدة هي مواجهة الأميركيين ..
لكن فيودور لوكيانوف ، رئيس مجلس السياسة الخارجية والدفاعية في موسكو ، يرى أن الأمر ليس كذلك . ويقول إن السعودية وحلفاؤها في الخليج هم من يحاولون خوض ألعاب كبيرة بأنفسهم ، ويلقون بغرور الحجارة على بيت زجاجي .
ويضيف قائلا : النوايا الروسية في المنطقة متجذرة في عدة اعتبارات ، لكن يأتي في المقام الأول التأكيد على دور روسيا في العالم كدولة لا غنى عنها ، لاسيما في ظل العجز الأميركي على حل المشكلات ..
ميدل ايست اونلاين
عمر نجيب
  شبكة البصرة


Monday, August 4, 2014

أميركا في ذكرى الاستقلال: مكابرة، ارتباك، وتصدع في بنى مؤسسات الدولة

أميركا في ذكرى الاستقلال:
مكابرة، ارتباك، وتصدع في بنى مؤسسات الدولة
          يشب الفرد الاميركي منذ نعومة اظفاره متشبعا بنموذجية واستثنائية نظام بلاده السياسي ويزج به باتجاه انه النظام الامثل والافضل في العالم مرجعيته نصوص الدستور وفصل السلطات فيما بينها، من ناحية، وبين السلطة الدينية، بل لما يتميز عن نظام اسلافه في الامبراطورية البريطانية؛ واحتكاره الميزات والخصوصيات والتحكم بمقدرات الشعوب البشرية.
          في ذكرى احتفال الولايات المتحدة "باستقلالها" عن اصولها الامبراطورية وزهوها بنص دستوري يعطي مواطنيها الحق في اسقاط الحكومة التي تنتهك حرياتهم، برزت حديثا مؤشرات تدل على تصدع آليات الحكم والاجهزة المتعددة وتوارث التوازنات فيما بينها، بالتوازي مع تنامي مشاعر جماعية ضد استغلال الحكومة لنفوذها للحد من الحريات المدنية المصانة بدلا من تعزيزها وحمايتها. مؤشرات استطلاعات الرأي، التي ابتكرتها القوى النافذة في السلطة لتشريع تدخلها في الوقت الانسب لخدمة مصالحها، تشير مؤخرا بوتيرة ثابتة الى حالة الاحباط العامة من القادة والمؤسسات السياسية، وانحراف مؤسسة المحكمة العليا عن رسالتها في الانتصار لاولوية النصوص الدستورية على الممارسات المُخِلّة بالتوازن والاصطفاف الى جانب فريق ضد آخر، مما استدعى قوى كيرة وشرائح متضررة الى الاحتجاج والتظاهر باستمرار ضد توجهاتها المقيدة للحريات.
          في الجانب التقني البحت، اصدرت المحكمة العليا قرارات اربعة متتالية، الاسبوع الماضي، ارضيتها المشتركة ان ادارة الرئيس اوباما "تجاوزت نطاق صلاحياتها الدستورية" وقوضت مساحة الحرية، ليس صونا لنصوص الدستور كما تفترض مهمتها ومبرر وجودها، بل اصطفافا لجانب القوى المناهضة لسياسات الادارة الداخلية، ابرزها برنامج الرعاية الصحية الشامل – اوباما كير، ومصالح الشركات والمصالح الاقتصادية الضخمة. ايضا، عززت قرارات المحكمة العليا جنوح القوى الاجتماعية المحافظة  توجيه غضبها واحباطها السياسي نحو ما تصر على تسميته "الهجرة غير الشرعية" لمواطني دول اميركا الوسطى واللاتينية الى الاراضي الاميركية، واحتجاز الناجين من عذاب الرحلة، صغارا وكبارا من الجنسين، في معسكرات اعتقال لاذلالهم قبل اعادتهم قسرا الى المناطق الحدودية المشتركة مع المكسيك. بالمقابل، سارع الرئيس اوباما، في ذكرى الاستقلال، الى ترويج "تاريخ البلاد الغني كدولة مكونة من المهاجرين تمتثل لسلطة القانون .." التي تشكل احدى ثوابت الخطاب الرسمي الاميركي، داخليا وعالميا.
          الاحتجاجات الشعبية تدل على تنامي الشرخ الاجتماعي، بجذوره السياسية والاقتصادية، مما يستدعي التساؤل ان كان المجتمع الاميركي على ابواب انشقاق اوسع وتصاعد موجات الاحتجاج. المرجح الاكبر ان المشهد الاميركي مقبل على تنامي وتيرة الاحتجاجات والتظاهرات يعززها تفاقم الفروقات الاجتماعية والاقتصادية وتراجع مساحة الحريات وتنامي المعارضة للمتضررين من سطوة الأجهزة الأمنية التي لا زالت اسرار تدخلاتها في صغائر الحياة اليومية للمواطنين تتوارد باضطراد. اوضاع وصفها استاذ القانون في جامعة هارفارد، لورنس لَسيغ، بالقول "يعتقد الاميركيون من كافة انتماءات الطيف السياسي ان النظام السياسي الاميركي محطم ومعطل. ما ينوف عن 90% منا (كمواطنين) يرجح جذر الفشل الى دور المال الطاغي على السياسة" والسياسيين. واضاف محرضا المواطنين على التحرك ان مراكز القوى في "واشنطن معطوبة ولن تبادر لاصلاح نفسها – يتعين على المواطنين القيام باتخاذ مبادرات" لوضح حد لفساد رأس المال والسياسيين.
          تنوعت المساهمات والتحقيقات الساعية لاماطة اللثام عن آليات نظام الحكم الاميركي، قلة منها لامست جوهر النظام وتركيبته والغوص في القوانين الاجتماعية والتاريخية الناظمة، ولجأ الجزء الاكبر منها الى اطلاق الاحكام الجاهزة والمعلبة طمعا في التغني بمحاسن النظام مقارة بالنظم الاخرى، لا سيما في عدد من الدول النامية ومن ضمنها الدول العربية، في حين تنعدم ارضية المقارنة العلمية بين نظم معظمها جيء به لتأدية وظيفة او جملة وظائف محددة خدمة للنظام السائد ومفاضلة النمط الغربي والاميركي تحديدا.         
          بجرعة واقعية وموضوعية تدعمهما دقة السرد والتحليل سنسلط الضوء للتعرف النقدي على كنه الآليات والعلاقات الناظمة بين المواطنين الاميركيين والسلطة السياسية وتقديمه للجمهور بمقاربات واقعية  لما اضحى ملموس لديه من اتضاح الشرخ الفاصل بين الدعاية والواقع.
سلطات حكومية محدودة، فصل بين السلطات وسيادة مشتركة
          تركيبة النظام الاميركي تقف على دعامة "فصل" السلطات عن بعضها وتعزيز مبدأ الحكم بالتوافق والشراكة بين المكونات الثلاث: التنفيذية (الرئاسة)؛ والتشريعية (الكونغرس بمجلسيه)؛ والقضاء (ممثلا بالمحكمة العليا)، درءا لاحتكار السلطة من قبل احداهن على حساب الاخريتين. مسألة السيادة "الوطنية والقومية" هي ايضا مسألة مشتركة بين الحكومة المركزية وسلطات الولايات المحلية والشعب، تم التوصل الى صيغتها بعد صراع التجربة والخطأ استمر لنحو 15 عاما قبل رسوّ الاختيار على الصيغة الراهنة.
          صيغة الحكم الاولى اضحت تعرف بمجلس "الكونغرس القارّي" الذي التأم يوم 5 أيلول 1774 وانتخب "بيتون راندولف" رئيسا له الذي بات الرئيس الاول للاتحاد الاميركي. ورغم اضطلاعه بالسياسة الخارجية وصلاحيات شن الحروب، الا ان سلطته الحقيقية كانت محدودة الطابع نظرا لطبيعة تكوين المجلس كاطار جامع "لدول (ولايات) سيادية" تحد من سلطاته الا اذ توصلت الى اجماع فيما بينها.
          مع نشوب الحروب وامتدادها في تلك الفترة اثبتت صيغة "الكونغرس القارّي" عن قصورها وعمق مواطن ضعفها، مما استدعى "المسؤولين" استبدالها بنظام يحتكم الى اعلان مواد كونفدرالية، الذي رسم حدود السلطات المتاحة في ايدي الحكومة المركزية، مقابل اقراره بمبدأ السيادة التامة للولايات المحلية على اراضيها؛ واستمر العمل بتلك الصيغة نحو عقد من الزمن، 1779 الى 1788.
          عقب اكتشاف مواطن ضعف بنيوية في تلك الصيغة تم التوصل الى طرح مشروع دستور، الذي بعد المصادقة عليه اضحى دستورا معتمدا لغاية الزمن الراهن. بيد ان ذلك لم يبدد مخاوف الولايات المحلية من تمركز السلطات الحقيقية بيد الحكومة الفيدرالية، الى ان تم التوصل الى وضع بعض الكوابح القانونية في النص، والتي بمجموعها ارست ارضية التوترات وتعارض الصلاحيات التي نشهدها حاليا بين السلطات المركزية والمحلية.
          من بين تلك الكوابح تم اضافة بند على الدستور يقر بسيادة المواطنين / المحكومين مقارنة مع الصيغ السابقة التي ارست مبدأ السيادة لسلطات الولايات المحلية، عززها فقرة افتتاحية الدستور التي تنص على "نحن افراد الشعب الاميركي ..،" اثارت جدلا في مراكز القوى اذ اعتبرت بانها تقوض نطاق نفوذها. للدلالة قال احد "الاباء المؤسسين،" باتريك هنري، تندرا بتلك الافتتاحية "ماذا تعني ’نحن الشعب‘ في الديباجة؟ الصيغة التي نحن بصددها هي اتحاد كونفدرالي بين الولايات؛" شاطره الرئيس المقبل للبلاد، صموئيل آدامز، قائلا "اجد نفسي امام عثرة منذ البداية. نحن عبارة عن اتحاد كونفدرالي بين ولايات."
          وعليه، ارسيت قواعد النظام السياسي على اركان توافقية بين سلطات توزعت على عدة هيئات على خلفية الاعتقاد السائد آنذاك بانها الصيغة الامثل لحماية حقوق الشعب والولايات، مع الاخذ بالاعتبار انه لا يشكل صيغة كفؤة وفعالة لنظام الحكم، بل يحجم نفوذ السلطات المركزية من مراكمة سلطات اخرى.
بالنظر الى صيغة التوازنات المنشودة بين السلطات المختلفة نجد التالي:
الحكومة الفيدرالية تستمد سلطاتها من الدستور:
الرئيس يطبق القوانين الناظمة ويمارس السياسة الخارجية الى جانب موقعه كقائد اعلى للقوات المسلحة؛
مجلس النواب يتحكم باقرار الميزانيات ومنوط به التقدم بميزانية مقترحة وفرض الضرائب؛
مجلس الشيوخ الذي يعد الممثل الاول للولايات اضحى يمارس دوره كمجلس تشريعي اعلى صلاحياته تتضمن اقرار القوانين والمصادقة عليها؛
المحكمة العليا وظيفتها تقتصر على اضفاء التفسير الدستوري على القرارات والاجراءات والتيقن من امتثالها لنصوصه.
سلطة الولايات المحلية منصوص عليها دستوريا عززتها مادتي التعديل العاشرة والحادية عشر.
صلاحيات الشعب:
          تشمل الصلاحيات الفردية ممارسة حق الانتخابات لاختيار ممثليهم في مستويات الحكم المختلفة: قوميا ومحليا ومناطقيا، ورد ذكرها نصا صريحا بالدستور واعلان حقوق المواطنين (مواد التعديل الدستورية 1 الى 10)، تشمل حريات العبادة والتجمهر والتعبير واقتناء الاسلحة، وتحرم ايواء الجنود (الهاربين) ابان زمن السلم، والحصانة ضد التفتيش الشخصي، وحقوق المتهمين لاجراءات محاكمة عادلة بحضور وكيل قانوني ومحاكمة امام هيئة محلفين، وحظر العقوبات المفرطة، والاقرار بأن كافة الصلاحيات الاخرى غير المنصوص عليها لصالح الحكومة الفيدرالية او مجالس الولايات المحلية هي ملك الشعب.
          تجدر الاشارة الى ان اعلان الاستقلال ونصوص الدستور الاميركي بهما اقرار ان "السيادة هي بيد الشعب في نهاية المطاف .. وان الحكومات تستمد سلطاتها من موافقة المحكومين .. واينما نجد ان نظام الحكم  اصبح يهدد الغايات المقصودة، فمن حق الشعب النهوض لتغييره او ازاحته، وتنصيب حكومة جديدة."
اعيدت المصادقة على هذا النص من قبل المحكمة العليا عام 2008 اثناء البت في قضية مرفوعة ضد السلطات المحلية في واشنطن العاصمة، اذ اكدت العليا على "حق الشعب اقتناء السلاح كاحد عناصر الدستور الهامة بحكم انه اوفر قدرة لمقاومة الاستبداد." نظريا، توفر النصوص الحقوقية للشعب الاميركي التمتع بصلاحيات غير متوفرة في عدد من الدول والنظم الاخرى، ويتم استحداث وادخال النص في الخطاب اليومي كوسيلة تذكر الاميركيين "بتفوق" نظامهم السياسي ودلالة على فشل المساعي المتتالية للهيئات الحكومية الحد من انتشار السلاح الفردي في المواطنين الاميركيين.
في هذا السياق، تنبغي الاشارة الى سعي الحكومة المركزية، وخاصة السلطة التنفيذية ممثلة بالرئاسة، بثبات واصرار على تركيز السلطات بيدها، ومضت قدما دون استشارة السلطة التشريعية، بل حاولت الاستيلاء على صلاحيات تخص الحكومات المحلية حصرا، الى جانب جهودها لتقييد مجال الحريات العامة. الامر الذي اثار غضب قواعد شعبية متعددة.
الرئيس اوباما في مواجهة المحكمة العليا
تلجأ السلطات التنفيذية، المركزية والمحلية في الولايات، الاحتكام للمحكة العليا للبت في مسألة استقواء السلطة المركزية وتعديها على صلاحيات الآخرين، اتساقا مع نصوص الدستور المركزي. يشار الى ان تسليم الحزب الديموقراطي بسطوة اليمين واقطابه من المحافظين الجدد على السلطة التشريعية، ابان فترة الرئيس جورج بوش الابن بشكل خاص، اخل بمعادلة التوازن المرجوة وادى لاحقا الى اصدار العليا عدد من القوانين بعيدة المدى المناهضة للرئيس اوباما وحزبه، على الرغم من دعمه وترشيحه لقاضيين من اعضائها خلال ولايته الرئاسية. ومنذ مطلع عام 2009، تعرضت ادارة الرئيس اوباما الى ما لا يقل عن عشرين قرار هزيمة على ايدي العليا، وفقا لما ذكره السيناتور عن تيار حزب الشاي، تيد كروز.
وقال كروز "ان صافي خسارة الرئيس اوباما من معدل قرارات العليا بالاجماع هو ضعف المعدل تقريبا لما تكبده سلفه الرئيس بوش وما يعادل 25% مما لحق بالرئيس الاسبق بيل كلينتون."
امتدادا لهذا السياق، اصدرت المحكمة العليا قرارا بالاجماع، 9 مقابل 0، اعتبرت ان الرئيس اوباما تجاوز حدود صلاحياته الدستورية عند لجوئه لتعيين ثلاثة مسؤولين خلال فترة اجازة الكونغرس ليتفادى خضوعه للابتزاز السياسي. اهمية القرار تكمن ايضا في تأييده لحق مجلس الشيوخ الدستوري التصويت على مرشحين لمناصب حكومية رفيعة.
واتبعت قرارها بصدمة اخرى للحكومة والاجهزة الأمنية اذ صوتت بالاجماع ايضا على قرار يحد من صلاحيات الحكومة واجهزتها تفتيش الهواتف الشخصية دون توفر امر قضائي مسبق يسمح بذلك نصاً، وفشل ادارة الرئيس اوباما انقاذ مشروعها للسطو على صلاحيات اضافية تقيد الحريات الفردية.  واستندت المحكمة الى نص مادة التعديل الدستوري الرابعة التي تحصن المواطنين من تلك الممارسات – التفتيش دون اجازة قضائية.
كما قضت المحكمة العليا ببطلان جهود الادارة الاميركية الزام العمال بعضوية نقابتهم وتسديد رسوم العضوية عند اعتراضهم على توجهاتها السياسية؛ وقضت ايضا بحق المواطنين المناوئين للاجهاض التجمهر والاحتجاج على مقربة من المستوصفات الطبية التي يتم الاجهاض تحت سقفها بذريعة التمتع بحرية الرأي.
 ومن بين القرارات المثيرة للجدل صادقت المحكمة العليا على حق الشركات والمؤسسات الخاصة برفض ضم وسائل منع الحمل كجزء من برنامج الرعاية الصحية، كما ينص عليه "اوباما كير،" بدافع انها تتناقض مع المعتقدات الدينية لاصحاب تلك المصالح.
في المسائل الداخلية الصرفة، اصطفت العليا بقراراتها الى جانب السلطات المحلية في الولايات تعزيزا لسيادتها على قراراتها عند تعارضها مع القرارات المركزية، مما اعاد عقارب الساعة الى الوراء بضعة عقود في مسألة صلاحيات الدولة المركزية لتطبيق بعض مواد قانون التصويت، مثلا، واقرت بمعارضته للنصوص الدستورية.
انحسار هيبة الحكومة المركزية
تسارع وتيرة قرارات المحكمة العليا ومناهضتها لتوجهات الادارة الاميركية الراهنة قوّض مقام ووقار الاداء الحكومي والحق اضرارا جمة بسمعة الرئيس اوباما تحديدا، مما اسهم في انخفاض معدلات شعبيته في استطلاعات الرأي التي اجريت مؤخرا واعتبره احدها "اسوأ رئيس اميركي على مدى 70 عاما."
وتتالت الاخبار السيئة تباعا للرئيس اوباما مع اصدار يومية "انفستر بيزنس ديلي" نتائج استطلاع اشرفت عليه يفيد بأن 59% من الاميركيين يحملون الرئيس اوباما مسؤولية أزمة تفاقم "الهجرة غير الشرعية" للاراضي الاميركية؛ و 56% يحملونه مسؤولية تدهور الاوضاع الأمنية في العراق نتيجة قراره بالانسحاب؛ و 65% منهم يعتقدون ان ادارته تجهد لاخفاء الممارسات والتدابير الخاطئة التي اقدمت عليها مصلحة الضرائب باستهدافها منظمات سياسية مناوئة لها في الرأي.
امعانا في احراج الرئيس اوباما والاداء الحكومي العام، اصدر معهد غالوب الشهير نتائج استطلاعات للرأي منتصف الاسبوع  مشيرة الى ان 79% من الشعب الاميركي اعربوا عن اعتقادهم بأن الفساد يستشري في عموم الاجهزة الحكومية، مسجلا ارتفاعا بنحو 20 نقطة عن ذات الاراء المستطلعة عام 2006، مما يحيل الولايات الى احتلال مرتبة مرتفعة بين الدول المشهورة بالفساد. بالمقارنة، افادت الاستطلاعات ان نسبة المؤيدين للرئيس لم تتعدى 29%، بينما بلغت 36% في مطلع ولاية الرئيس اوباما. اما الكونغرس فلم يحظى الا على نسبة 7% من الرضى الشعبي، بينما حصدت المحكمة العليا نسبة 30% من الرضى، هي الاعلى من بين كافة المؤسسات الرسمية.
ترافقت نتائج الاستطلاعات مع انخفاض نسبة الاميركين الذين يقرون بمركزية بلادهم في مجال الحريات الفردية المتاحة بين الشعوب الاخرى، وانخفض معدل الزهو بالامتيازات بينهم الى نسبة 79% عام 2013 مقارنة مع 91% عام 2006 وفق احصائيات معهد غالوب سالف الذكر.
تداعيات الانحسار على المشهد الاميركي
النظرة الموضوعية لما يمور تحت سطح التحولات الاميركية تؤشر على هشاشة النسيج الاجتماعي بمعدلات مقلقة تفوق توقعات الكثيرين. تتمثل عوارضها في: انخفاض حاد في معدلات مستوى المعيشة؛ تنامي القلق من تقلص مساحة الحريات؛ فضلا عن تصاعد معدلات الاحساس الشعبي بفساد الاجهزة الحكومية التي تتآكل مكانتها باضطراد.
في هذا السياق لا بد من الاشارة الى تصاعد موجة الاحتجاجات سيما التي شهدتها ولاية كاليفورنيا حديثا باقدام نحو 200 مواطن على التعرض باجسادهم لمنع سير ثلاث حافلات كانت تنقل "مهاجرين غير شرعيين" والالقاء بهم على الجانب الآخر من الحدود المشتركة مع المكسيك، تعبيرا عن مشاعر الاحباط التي تنتاب الطبقة الوسطى في المجتمع من الاولويات المقلوبة للشريحة السياسية؛ مذكرا بحادثة مربي البقر "بندي" في ولاية نيفادا وتصدي مسلحين من مؤيديه الى ممثلين الحكومة المركزية؛ فضلا عن توالي معلومات تفيد بتشكيل ميليشيات خاصة من سكان الولايات الجنوبية، تكساس واريزونا، تجوب المناطق الحدودية المشتركة بحثا عن الموجات البشرية من"المهاجرين غير الشرعيين."
تصدع النسيج الاجتماعي، كما تدل التجارب التاريخية، لا يوقف تدهوره الا خطوات وتدابير تراجعية تبادر اليها الحكومات المركزية؛ اما تجاهل الامر فسيؤدي الى تصاعد الاحتجاجات وانزلاق الاوضاع من سيء الى اسوأ – كما دلت تجربة القيصر الروسي نيقولاس الثاني وغيره.
السؤال الذي يتبادر الى الذهن هو هل سيقدم الرئيس اوباما بالابتعاد عن بعض الممارسات التي حصدت توبيخا له من قبل المحكمة العليا وانهيار معدلات شعبيته بين المواطنين؛ الاجابة بالنفي هي الاكثر ترجيحا سيما وانه اعلن عن نيته الاقدام على تعديل قانون الهجرة من جانب احادي، بموازاة تدابير اخرى وعد بها مع ادراكه بعدم تقبل الشعب لها. الأمر الذي سوف يؤدي الى تغذية مسببات الاحتجاج.
من العسير الجزم بالمدى المرئي الذي يمكن الرئيس اوباما الذهاب به، بيد ان الثابت هو عقم المضي في المسار الراهن دون المجازفة بتداعيات سلبية تدهم البنية الحكومية والمجتمع بشكل عام.

Thursday, July 24, 2014

عندما يهزّ التكفير الوجدان المسيحي اللبناني ميشال أبو نجم النهار 24 تموز 2014

http://static.annahar.com/interface/arabic/images/logo.png

عندما يهزّ التكفير الوجدان المسيحي اللبناني

النهار  24 تموز 2014

كان من الصعب على الوجدان المسيحي اللبناني الشعبي أن يتقبَّل فكرة ظهور خطر وجودي وداهم هو الإرهاب التكفيري، يتقدَّم على ما يعتبره الأخطار التقليدية والتاريخية.
أفصل بين "الشعبي" و"السياسي" لأن دوافع القوى المسيحية اللبنانية التي تجاهلت الخطر التكفيري مرتبطة بمصلحة سياسية تقتضي نفي خطر التشدد والتكفير والتخفيف من وطأته أولاً، وثانياً وبعد بروزه، تبريره بتحميل مسؤولية إيقاظه للنفوذ الإيراني في المشرق والنظام السوري و"حزب الله"، وفي أقصى الأحوال المساواة بين ما عرف بمفهومي "داعش" و"حالش"، في قراءة اختزالية وسطحية ومشوِّهة لظهور التكفير في التاريخ الإسلامي وانتشاره.
جوهر القصيد هنا ليس سلوك تلك القوى والشخصيات السياسية، بل محاولة فهم الأسباب التي تجعل وجوهاً عامة مسيحية ومواطنين عاديين مستقلين يطرحون أسئلة من نوع "شو يعني تكفيري"، أو "هلقد خطرين وللا في تضخيم..."، "ما سوريا هيي اللي خلقتن"... وغيرها الكثير التي سمعناها ونسمعها كل يوم. هذه الأسئلة تعبِّر عن الصدمة التي تلقاها الوجدان المسيحي اللبناني التقليدي بعدما ظهر خطر مختلف عن تلك المخاطر التي واجهها منذ تأسيس الإختراع المسيحي، لبنان الكبير، عام 1920. ما عزِّز الصدمة أنَّ الخطر المستجدّ مجهول الملامح، ضبابي، عناصره متشابكة، لا صورة واضحة له، كما هي صور الأخطار التقليدية.

الأسس التقليدية للوجدان المسيحي
كان لبنان الكبير الإبن الشرعي للمسيحية السياسية والمارونية تحديداً، وواجه منذ نشأته أزمة شرعية بين مكوناته، وأزمة عدم اعتراف مع محيطه العربي من البوابة السورية، فضلاً عن الخطر الإسرائيلي. فكان هاجس المسيحيين حماية وطنهم من الإبتلاع والضم ومحاولة استخدامه ورقة في الصراعات الإقليمية وتنفيسها فيه، ومن أي محاولة لتغيير نموذجه ككيان للحرية والعيش بمساواة ومشاركة الطوائف في النظام السياسي من دون تحديد لدين الدولة، والحفاظ على استقراره.
لذلك كان الخطر بالنسبة للوجدان المسيحي، ذلك الذي يهز استقرار الكيان وهدوءه: مصر الناصرية، الأنظمة السورية المتعاقبة، الصراع الإسرائيلي العربي، المنظمات الفلسطينية المسلحة، ولاحقاً إيران الخمينية المتشددة و"حزب الله". وقد حفرت مواجهة هذه المخاطر عميقاً في وجدان مسيحيي لبنان، وخاصة مع النظام السوري لأنها كانت الأقسى. من جهة أخرى، كانت التطورات والمخاطر تدور في ظل نظام إقليمي محدد نشأ بعد سقوط الامبراطورية العثمانية سمي بـ"سايكس – بيكو"، عماده الدول "القُطرية" المحكومة من أنظمة بنت شرعيتها على الفكرة القومية.
تلك المخاطر كانت ذات طبيعة جيواستراتيجية، وثانياً نابعة من دول وأنظمة واضحة صورتها ومصالحها وقيادتها.

زلزال انهيار المشرق وتنامي التكفير

ما بين تلك المخاطر التقليدية والخطر التكفيري المستجد، تختلف ثلاثة عناصر: طبيعة الخطر ومنشأه، صورته، النظام الإقليمي المستولد في كنفه.
تنامت الحالة التفكيرية بعد هزيمة 1967 وحرب أفغانستان، وفي لبنان ظهرت في الثمانينات ولم تكن إيران الأصولية بعيدة عن دعمها، مع حركة التوحيد في طرابلس وغيرها، وصولاً إلى تنظيمات عين الحلوة. وبعد التسعينات بدأنا نسمع بمحاولة تفجير دير البلمند وصولاً لمواجهة الضنية عام 2000، ولاحقاً حرب نهر البارد. لكن كان زلزال سقوط الدولة في العراق عام 2003، وسقوط النظام الإقليمي كما عرفه لبنان ومسيحيوه سابقاً، هو المفصل الذي عزز البؤر والبيئة المناسبة لتنامي العمل التكفيري في المنطقة. وأتت الحرب السورية لتوسع دائرة التفكك. وبات السماع بتنظيمات جديدة، وبتفجيرات وصدامات مع الجيش، دورياً. هنا الخطر صار أكثر بروزاً للعين المجردة.
أمام الحقائق الجديدة، بدا الوجدان المسيحي اللبناني التقليدي أمام هزة كبيرة تزعزع أسسه. بعضه وعى الخطر، لكن شريحة أخرى بدت رافضة، مرتبكة، مشككة: هل يعقل أن يكون هناك خطر أكبر من ذلك النظام الذي قاتلناه في الأشرفية وزحلة؟ هل هناك ما هو أخطر من تنظيم عسكري داخلي ذي ارتباطات خارجية، لديه سلاح ويمارس أمامنا سياسة "فائض القوة"، وفي يده القرار الإستراتيجي؟ إن قوة الهزة تسمح بتفهم حجم التشكيك والأسئلة والرفض، وأكرر "الشعبي" العادي لا السياسي.

الظاهرة التكفيرية مجهولة ومعقّدة
ما اختلف أنَّ الظاهرة التكفيرية مجهولة، غامضة، لا تاريخ لها في المواجهة مع المسيحيين اللبنانيين، مثل القوى الفلسطينية أو النظام السوري. العامل الأساسي المساعد هو اختلاف طبيعة التهديدين أو "الخطرين" وصورتهما، هو الرؤية أمام العين. فالظاهرة التكفيرية هي أولاً حالة اجتماعية سياسية مستمرة ذات طبيعة عقائدية مرتبطة بتفسيرات معينة للدين الإسلامي، تطورت عبر قرون من مجرد حالة عقائدية متشددة إلى تعبير عملي عبر منطلقات سياسية وتنظيمات تكفّر وتفجّر وتستهدف كل آخر مختلف. مرت بمراحل منذ العصر العباسي مع الإمام أحمد بن حنبل، وصولاً إلى الشيخ إبن تيمية، ووجدت الترجمة السياسية الأولى لها بظهور الدعوة الوهابية، ولاحقاً من خلال منظمات بعضها خرج من رحم تنظيم "الإخوان المسلمين" أو على هامشه، خاصة بعد إعدام المنظر الأكبر للتكفير المصري سيد قطب. فانطلقت المنظمات الجهادية، وصارت تتكاثر وتخلق بؤراً لعنفها، وهي في معظمها لا تركيبة متماسكة لها، تريد إلغاء الجميع بالعنف والسيف مما أضفى عليها صورة منفلشة ومجهولة.
ما عقّد الموضوع أكثر، سهولة استخدام التنظيمات التكفيرية من قوى متناقضة، وظاهرة الإنقلاب على مستخدميها. بمعنى يمكن أن يغض السادات النظر عنها لتواجه "مراكز القوى" اليسارية، لكنها ترتد عليه. وتدعمها أميركا في أفغانستان لكنها تضربها لاحقاً، ويضرب النظام السوري "الإخوان" لكنه يدعم مرور الجهاديين لمحاربة الأميركيين في العراق، وتستخدمها قوى لبنانية فزاعة لمحاربة "حزب الله" لكنها تعود لتهددها.
في مقابل تعقيد صورة الخطر التكفيري، من الأسهل لوجدان أي شاب مسيحي لبناني أن يحدِّد الخطر بالعودة إلى الماضي، بدل أن يبدل منظومة أفكاره التي تتعرض لاهتزاز قوي. أقله من الناحية الإعلامية، أسهل جداً أن يتذكَّر القذائف التي أسقطها الجيش السوري من مناقشته بأفكار سيد قطب، وبشرح المودودي، أو تذكيره بأن إبن تيمية لم يميّز بين العلويين والدروز و"النصارى" في تكفيره. هو رأى عناصر المخابرات السورية على الحاجز وسمع عن تدمير حماة لكنه لم يحتكّ بأتباع مروان حديد و"الطليعة المقاتلة"، ولم يقرأ كتب قيادات إخوانية سورية تستخدم المصطلحات التحقيرية كـ"النصيريين". إضافةً إلى ذلك، هو يرى "القوة الصلبة" مثلاً لـ"حزب الله" أمامه، من استعراضات عسكرية وغيرها، فيركز على المظاهر المنفِّرة القريبة منه ويتغافل عن الخطر الأدهى خلف الحدود.
هناك اختلاف مسيحي حول تحديد الأخطار، لكن المهم أن يتذكر مسيحيو لبنان دوماً أن وجع الإلتهاب القريب لا يحجب خطورة المرض الأدهى المستكين.

كاتب سياسي

Monday, July 21, 2014

"اللقاء المسيحي - بيت عنيا" يناشد الحريري الثبات في جوهر الميثاق:


 "اللقاء المسيحي - بيت عنيا" يناشد الحريري الثبات في جوهر الميثاق:
نطالب  بملاحقة إسرائيل على جرائم الحرب وإحراق الكنائس وفرض الذمية جريمة ضد الإنسانية
بيروت 20 تموز 2014

عقد اللقاء المسيحي – بيت عنيا لبنان، اجتماعاً استثنائياً، تداول خلاله التطورات الراهنة، وأصدر على أثره البيان التالي:
أولاً، يتوقف اللقاء بألم وغضب شديدين، حيال المجازر التي يرتكبها جيش الاحتلال الاسرائيلي ضد المواطنين الفلسطينيين في غزة، ويعتبر أن كل صرخات الاستنكار والشجب والإدانة انما هي قاصرة وعاجزة أمام تلك الفظائع الواقعة على أناس مدنيين محاصرين في أرضهم. لذلك، يؤكد اللقاء أن التضامن مع تلك المأساة واجب إنساني وأخلاقي ومسؤولية دولية وعربية، لا يمكن لأي كان التنصل منها، وانه يجب التأسيس عليها من السلطة الفلسطينية لملاحقة دولة اسرائيل لدى المحكمة الجنائية الدولية بمادة جرائم الحرب، التي هي من اقبح الجرائم ضد الانسانية.
ثانياً، يوجه اللقاء صرخة مناشدة إلى جميع أبناء الدول العربية، وإلى المجتمع الدولي ومرجعيات الشرعية والقانون الدوليين، لوقف حروب الإبادة وجرائم التهجير القسري والتطهير العرقي والتمييز الديني التي ترتكب في الموصل وفي مناطق أخرى من العراق، ويهيب بجميع المسؤولين العمل الفوري على وقف الاضطهاد السافر الذي يتعرض له المسيحيون وسواهم من المواطنين العراقيين، على أيدي ميليشيات التكفيريين، وهم برابرة هذا العصر. إن إحراق الكنائس وهدم المقدسات الدينية ومصادرة بيوت الناس وفرض مساوئ الذمية عليهم، ستظل وصمة عار على جبين كل صامت أو متفرج، وجريمة ضد الإنسانية بحق كل مرتكب ومتواطئ.
ثالثاً، توقف اللقاء باهتمام كبير، أمام كلمة رئيس الحكومة الأسبق، الأستاذ سعد الدين الحريري، يوم الجمعة في 18 تموز 2014، وتدارس كل ما جاء فيها، إن لجهة بعض المضمون بشكل محدد، أو لجهة المقاربة العامة التي اعتمدها الخطاب المذكور حيال القضايا الوطنية الطارئة والمصيرية.
وبناء عليه، يجد اللقاء نفسه ملزماً توضيح التالي:
1-    إن اللقاء المسيحي يربأ بأن يكون نجل الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ووريثه والمؤتمن على نهجه، قد أطلق كلاماً يُفهم منه ان المناصفة بخطر، وبالتالي الميثاق، في حال لم يقدم المسيحيون بالتوافق على استحقاق دستوري يخصهم والوطن اجمع، وان العد قد توقف بفعل المناصفة تلك التي نصت عليها وثيقة الوفاق الوطني. لذلك يهم اللقاء أن يؤكد أن المسيحيين ليسوا مهووسين بالعدد، بل هم مؤمنون بالتعدد الحضاري الخلاق، ركيزة للحياة الإنسانية الحرة والكريمة، في وطن ميزته الاساسية تعدديته تلك وعيش مكوناته معا في ظلها، كما ان المسيحيين ليسوا معنيين بنصائح احتكار النوع وأحادية الفكر والرأي والمرجعية، بل هم ملتزمون بالتنوع وحرية الرأي والممارسة السياسية، نهجا لمقاربتهم المسائل الوطنية.
2-    يشدد اللقاء المسيحي في هذا السياق بأن ليس لاحد ان يملي على المسيحيين دروسا او امثولات بموضوع وثيقة الوفاق الوطني وظروفها ومبادئها واحكامها وسائر مندرجاتها، ذلك انهم يدركون كل ذلك، وقد رفضوا الممارسات التي اختزلت الوثيقة وانقلبت عليها وصادرت حقوق المسيحيين فيها لاهداف سلطوية بحتة تتعارض وجوهر هذه الوثيقة وعنوانها العريض المتمثل بشراكة كل مكونات الشعب في صناعة القرار الوطني. ان ما ارتضاه المسيحيون في وثيقة الوفاق الوطني كان من باب الشراكة الفعلية وليس الصورية، في حين ان الممارسة انصبت دائما على السعي الحثيث لالغاء حضورهم الدستوري وتصحير دورهم السياسي والوطني، ووصلت الامور الى مستوى محاولة اقتلاع جغرافيتهم وديمغرافيتهم، بخرق قوانين التملك وفرض مراسيم التجنيس المشبوهة.
3-    يذكر اللقاء بأن جوهر وثيقة الوفاق الوطني انما يكمن في المبادىء التي وردت فيها تحت عنوان "احكام اساسية"، تلك المبادىء التي اقتبسها حرفيا المشرع الدستوري سنة 1990 جاعلا منها مقدمة دستورنا، وقد اعتبرها فقيه اصيل من عندنا انها تتمتع بصفة القدسية، لانها في حقيقتها الموضوعية انما هي بمثابة الاعلان الدستوري لما يستند اليه لبنان من الاركان الثابتة وما يؤمن به الشعب اللبناني من العقيدة القومية، وهي الخاصية التي تتضح صراحة في كل بند من بنود هذه المقدمة – الاعلان،  الذي تنضوي كل كلمة منه على حل لاشكال نفسي وسياسي. ان خاتمة هذه المبادىء هي ان "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك"، وهو الميثاق المرتكز على معادلة حسابية رقمية واحدة واضحة، لا لبس فيها ولا مجال للاجتهاد حولها، وهي المعادلة التي كرستها المادة 24 من الدستور، حول "التساوي بين المسيحيين والمسلمين"، تساويا فعليا حقيقيا بين جماعتين كاملتين، لا بين 64 شخصاً من كل منهما في مجلس نيابي، ولا بين مجموعة من أشخاصهما في مجلس وزراء تتمثل فيه الطوائف "بصورة عادلة"، وفقا للمادة 95 من الدستور. ان هذا التساوي لا يتأمن، بحسب وثيقة الوفاق الوطني، إلا بإقرار قانون انتخاب "يراعي القواعد التي تضمن العيش المشترك بين اللبنانيين وتؤمن صحة التمثيل السياسي لشتى فئات الشعب واجياله وفعالية ذلك التمثيل". هذا هو جوهر وثيقة الوفاق الوطني. فلا شرعية لأي سلطة تناقض التساوي. ولا تساو حقيقياً من دون قانون يؤمن صحة التمثيل وفعاليته، وهو ما أكدته مذكرة بكركي الوطنية بكلام صارخ واضح. ان اغفال هذا الركن من حياتنا معا والاصرار على صوريته واختزاله وتسويق مفهوم خاطىء ومموه له، هو قمّة الانقلاب على وثيقة الوفاق الوطني بحجّة المحافظة عليها والتمسك بها، ما يشكل فعليا اخطر ما يتهدد لبنان في ظل قهر مكوّن وتقهقر وطن.
4-    يتوقف اللقاء بمرارة شديدة، عند قول الرئيس الحريري في خطابه نفسه، أن اقتراح انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب اللبناني، هو من باب "جعل رئاسة الجمهورية رهينة الاقتراع الطائفي والمحميات المذهبية من هنا أو هناك"، وأنه وفق التهويل المتكرر، "مغامرة بصيغة المشاركة الوطنية وقواعد المناصفة". إن اللقاء يرى في هذا الكلام موقفا خطيراً، يربأ بأن يكون مقصوداً، لأنه انقلاب ايضا على جوهر وثيقة الوفاق الوطني، ذلك أنه يترك رئاسة الجمهورية اللبنانية نهباً للصفقات الخارجية والتسويات الفوقية وافرازات اروقة السفارات. ان كلام الرئيس الحريري في هذا السياق يبقي التعطيل قائما على مستوى الآليات اللبنانية الذاتية والحرة لانتخاب رئيس، ويوحي بتهديد المسيحيين بالقول المبطن لهم: لقد وافقنا في اتفاق الطائف على إبقاء رئاسة الجمهورية لكم، شرط أن نحدد  لكم نحن من يكون الرئيس. وهو المنطق نفسه الذي تصرف به البعض ولا يزال، حيال قانون الانتخاب: أعطيناكم نصف النواب، شرط أن نعيّن لكم ثلثي نصفكم. أما إذا اردتم أن تنتخبوا فعلاً نوابكم، عندها نعيد النظر في المناصفة والشراكة!. اما اقتراح انتخاب رئيس الجمهورية من الشعب اللبناني، مباشرة وعلى مرحلتين، فهو يسقط تلك المخاطر، ويحسم الاستحقاق الرئاسي في موعده، من دون أي تدخل خارجي أو تلاعب داخلي بمقام الرئاسة وموقعها الميثاقي. 
5-    إن اللقاء كان يتمنى في هذا المجال، أن يسمع من الرئيس الحريري مقاربته لما رفعته بكركي في مذكرتها الوطنية من مطالب ميثاقية. بدءاً "بقانون إنتخابي نيابي جديد (...) يلغي فرض نواب على طوائفهم بقوة تكتلات مذهبية"، إلى "إقرار اللامركزية الإدارية الموسعة وتطبيقها، كونها تؤمن إدارة أفضل للتنوع في الوحدة". مروراً بضرورة "اعتبار محاربة الفساد أولوية مطلقة، لأنه معطل أساسي لقيام الدولة"، وصولاً إلى تعديل "صلاحيات رئيس الجمهورية (...) بغية تحقيق ما يتطلبه الدستور من رئيس الجمهورية كرئيس للدولة".
6-    أخيراً، واستناداً إلى كل ما تقدم، يناشد اللقاء المسيحي رئيس الحكومة الأسبق سعد الدين الحريري، الثبات في جوهر الميثاق والصيغة، كما العودة إلى لبنان، فلا نتغرّب عن أسس وثيقة الوفاق الوطني، ولا نغترب عن أرض الوطن الكليم. إن الظروف الداخلية والخارجية التي نعيش، بما تحمل من أخطار كبرى، تفرض ذلك عليه وعلينا جميعاً، كي ننقذ لبنان، وطناً نهائياً، وطن الشركاء لا الأجراء، وطن سيادة الدولة التامة، وتوازن الجماعات الكامل، وحريات المواطنين الشاملة.