Monday, June 17, 2013

جنبلاط يحاول تسويق الثلث الضامن بقلم جوني منيّر

·  جنبلاط يستعد لتسويق الثلث الضامن (جوني منيّر)
لا شك في انّ انتخاب حسن روحاني رئيساً لإيران، شكل منعطفاً اساسياً، ليس فقط على المستوى الإيراني بل ايضاً على مستوى المنطقة.فنجاح روحاني من اكتساب الأغلبية المطلقة من الدورة الأولى بوجه جميع منافسيه، إنّما عكس رغبة شعبية إيرانية في الذهاب الى حلّ المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها البلاد من خلال خطوات انفتاحية مدروسة.

ورغم الكلام الذي تخلّل مرحلة التحضير للانتخابات الرئاسية الإيرانية عن أن العائق امام وصول روحاني، هو كونه رجلاً مصمماً ما سينعكس سلباً على مخاطبة الخارج، الّا أنّ انحسار المنافسة بينه كمرشح اصلاحي وحيد وبين سائر المرشحين الموضوعين في خانة المحافظين، جعل الكفة الشعبية تميل نحوه بقوة وتتجاوز عقبة كونه رجل دين.

اذاً، المرحلة المقبلة سيكون عنوانها مخاطبة الخارج، وستبدأ من خلال إعادة فتح قنوات الحوار مع دول الخليج العربي بهدف التخفيف قدر الإمكان من النزاع السني- الشيعي، الذي يلهب كلّ الساحات والذي بات يهدّد استقرار دول الخليج نفسها.

لكنّ الانفتاح الايراني المتوقَّع لن يصل الى الثوابت الإيرانية، او فيما بات يُعرف بالمصالح الإيرانية-الإقلمية، بدءاً من الملف النووي، وصولاً الى مناطق النفوذ التي منحت إيران حجماً اقليمياً كبيراً وهو التقييم الذي عكسته مختلف الاوساط الدبلوماسية الغربية.

وهذا يعني انّ الرهان على "انقلاب" سيحصل على الساحة السورية او حتى على الساحة اللبنانية، انما يبقى رهاناً مبنيّاً على اوهام. صحيح انّ الامور قد تأخذ منحىً تفاوضياً، وهو ما عوّلت عليه واشنطن منذ اعادة انتخاب أوباما لولاية ثانية، الّا انّ لإيران مصالح واوراق قوة لا يختلف حولها ايّ من اجنحتها الداخلية، اضف الى ذلك، انّ تأثير مرشد الثورة يبقى كبيراً في الامور الاساسية.

لذلك، فإن قراءة الاوضاع السياسية على الساحة اللبنانية، لا بدّ وأن يحصل من خلال هذا التطوّر الإيراني واستناداً الى عاملين اساسيين: الاول، يتعلق بالوزن الكبير الذي بات يحظى به "حزب الله" على صعيد التركيبة اللبنانية الداخلية. والثاني، له علاقة بالارتباط الوثيق الذي بات حاصلاً ما بين استقرار الساحة اللبنانية وتطوّرات الحرب الدائرة على الساحة السورية.

واذا كانت الاحداث الكثيرة التي تحصل تُثبت انّ لبنان بات داخل منطقة الاهتزازات العنيفة، الّا أنها تؤكد في الوقت نفسه انّ الجميع يحرص على عدم الانجرار في المواجهة الشاملة والمفتوحة، على رغم كل العوامل التي باتت متوافرة لذلك، باستثناء القرار السياسي الخارجي.

فاستخدام الساحة اللبنانية في إطار التأثير في مجريات الحرب الدائرة في سوريا سيستمرّ ولوقت ليس بقصير، وهذا ما سيؤدّي الى تفاقم الأزمات الداخلية وفي طليعتها ازمة تأليف الحكومة بعد ازمة التمديد للمجلس النيابي.

فيومَ اعلن الرئيس نجيب ميقاتي استقالته، كان واضحاً انّ وراء الاسباب الداخلية التي برّر بها خطوته اسباب خارجية لها علاقة بالأوضاع السورية، وهي الاسباب الحقيقية لتطيير "حكومة حزب الله". فيومها دبّت الحرارة في شرايين التواصل بين السعودية والمختارة بعد طول برودة.

وزار جنبلاط العاصمة السعودية حيث سمع اجواء جديدة عن الوضع في سوريا، وتتعلق بالتحضيرات القائمة للبدء بمعركة دمشق، وتردّد انّ جنبلاط الذي اجتمع بأحد كبار المسؤولين السعوديين في جلسة بدأت عند العاشرة ليلاً واستمرت حتى ساعات الصباح الاولى، سمع شرحاً مفصلاً وعلى الخرائط عن تفاصيل معركة دمشق وقرب حصولها، وانّ المطلوب بات "تطيير" الحكومة، والإتيان بحكومة جديدة لا تتضمّن الثلث المعطل لـ"حزب الله"، مع الحرص على إشراكه بالحكومة والتعاطي معه بأسلوب مرن.وتولى جنبلاط مهمة "إغراء" ميقاتي، ودفعه لتقديم استقالته قبل ان يُقدِم وزراؤه على ذلك منفردين، مع وعد بإعادة تسميته رئيساً للحكومة المقبلة.

ولكن، ومع التطوّرات التي حصلت والتي أدّت الى تسمية تمام سلام، إزداد ارتياب "حزب الله" مع ظهور هذا "الودّ" السعودي المفاجئ تجاهه، مقروناً بتمسّك سلام الى حدّ التصلب بإعطاء "حزب الله" الثلث المعطّل.

ويروي مطّلعون على خفايا الأزمة الحكومية انّ "حزب الله" كاد يوافق بداية على حكومة لا تلحظ له الثلث المعطل، لولا ارتيابه من الأسلوب الذي جرى اتباعه.لكن، ومع اعلان "حزب الله" التمسك النهائي بالثلث المعطّل، بدا انّ الامور غير قابلة للحلحلة.

الّا أنه ومع دخول تكليف سلام شهره الثالث من دون تحقيق ايّ تقدم، يتجه جنبلاط الى اعادة تنشيط حركته، إنّما في الاتجاه المعاكس هذه المرة لأسباب عدة أبرزها:

اولاً: تمسك "حزب الله" النهائي بالثلث المعطل، خصوصاً بعد دخوله المباشر والمكشوف في المعارك في سوريا.

ثانياً: "إجهاض" عملية دمشق اثر التطورات العسكرية التي قام بها النظام في ريف دمشق، ما أدّى الى تقويض هذه العملية قبل ان تبدأ بدليل عدم حصولها.

ثالثاً: إنّ استمرار حكومة تصريف الاعمال هو واقع يلائم "حزب الله" ولا يؤذيه على عكس فريق تيار "المستقبل"، لا بل إنّ الحزب يستعدّ للتعاطي مع واقع أنّ حكومة تصريف الاعمال باقية لفترة طويلة.

رابعاً: إنّ منح "حزب الله" الثلث المعطّل لن يقدّم ولن يؤخر، طالما انّ لا قدرة لايّ حكومة لبنانية على اتخاذ قرار يرفضه الحزب.وسيعمل جنبلاط على نقل هذه الافكار الى المسؤولين السعوديين والعمل على انتزاع ضوء اخضر يسمح لسلام بتشكيل حكومته.

وسيستفيد من اللحظة السياسية التي انبثقت عن وصول روحاني الى رئاسة ايران، وعلى اساس تحضير المسرح لفتح قنوات التواصل من جديد بين طهران والرياض ما سيعطي دفعاً لتدوير الزوايا في لبنان، والتساهل في بعض المسائل الحساسة كمثل ولادة الحكومة، مع الاشارة الى انّ التفاؤل هنا اذا صحّ، فإنّه سيعني مرور اسابيع عدة قبل حصول الولادة.
Johny mounayer

Top of Form

Saturday, June 15, 2013

المطران جورج خضر يكتب في النهار حول الكتابة البهيّة

الكتابة البهيّة
·         المطران جورج خضر
·         2013-06-15
الكتابة البهيّة أو القول المليح تبدو للشخصيّة الجميلة الطيبة في اقتبالها لآلامها أو في تأججها وهذا أبعد من مخاض. انه ولادة في الحق أو ولادة في البهاء. وهذا أو ذاك صدور من الله واذا خفتم العبارة فخلق من الله. ليس الإنسان خالقًا يؤتينا أشياء من لا شيء. المبدع يجهّز لك ما استلم من إلهامه من حيث ان ربّك وحده هو المبدع وانك تتلقى ما أوحى به اليك ليظهرك جديدًا ويظنّ الناس انهم يعيشون منك والحق انهم يستلمون منك ما استلمت من ربك.
هل الإبداع مشاركة كما الجنين؟ هذا يأتي من ذكر وأنثى تلاقيا. من أين أو ممن يأتي جنين الفكر أو الفن؟ أنت تسمى مبدعا ان قلت الأشياء كما لم يقلها أحد ولكن الأشياء نسميها لك أو منك والحق انك مستودعها. لا يزيد الإنسان شيئا على الخلق الذي وُجد مرة واحدة. انه يرتّب الخلق الذي تلقّاه. ينسب اليه لأنه عرف ان يتقبّل وان يسلّم.
وتسلّم من تراث وليس الثرات تكرارا آليا. هو احتضان بحب أي انه ولادة جديدة. ولكنك تلد من بذرة زرعها الله فيك. الجديد في القول الحسن جميل فالكلمة كان في البدء وما جاء بعده صور عنه فالله وحده مبدع الكلمات. وقياسا على هذا الإبداع الذي لا يزيد على الله شيئا نقول عن أهل الفن والكلمة الكبار انهم مبدعون.
نحن هنا أمام سؤال صعب يتعلّق بطبيعة الكلمة. أنت تقولها جديدة في هذا الالتحام البديع بين معناها وصورتها اللفظية. هذه مشكلة لن نتعرّض لها لأننا في الأخير لا نعرف كيف تجيء الكلمات. ما صورتها فينا، كيف تصير على اللسان؟ أنت طبعا لا تستطيع ان تعقل المعنى ما لم يرتسم اللفظ على لسانك أو قلمك اذ ليس من فكر بلا لباس. ما من كلمة (معنى) بلا جسد لها. عن المسيح قال يوحنا: "الكلمة صار جسدا ونصب خيمته في حيّنا". هذا معنى الترجمة المألوفة: "وحلّ فينا" والمراد حلّ بيننا لأننا نتبدى على الأرض ونصير حضرا ان هو جاورنا فالتصقنا به ينصب خيمتنا إلى خيمته.
في مطلع الإنجيل الرابع نقرأ: "في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وإلها كان الكلمة". وردت لفظة الكلمة بصيغة المذكر وأردنا الترجمة هكذا لنطابق اليونانية ولنعني ان ما ورد هكذا هو كلمة الله أي كيان قائم بذاته، إلهيّ، لا مجرّد نطق إلهي عرضي.
الله يبدو فيك ثم منك لتكون كلمته. وتكون أنت كذاك بمقدار ما أنت مسيح، ذلك ان يسوع الناصري ينتج مسحاء. واذا قلنا ان المسيح حيّ إلى الأبد من بعد قيامته فلكي نعني انه والد الحياة فينا يوما بعد يوم ولحظة من بعد لحظة. فالمسيح يتوالد بمعنى انه يصدر عنه مسحاء أي ناس ممسوحون بنعمة روحه.
لا تصدر منك كلمة حياة ما لم تكن ثمرة العطاء الإلهي. ليس الإنسان بخالق يأتي بالأشياء من لا شيء. ليس للعدم وجود من بعد الخلق. انت يقويك الله ولذلك لك معنى. ولكونه حقا تصبح بقوله ناقل حق. لذلك لا معنى لهذا البحث المزعوم فلسفيا عن العلاقة بينك وبين الله. أفهم التمايز الفلسفي بين هذين الكائنين ولكن العاشقين طلقوا الفلسفة من بعد الاتحاد.
وما دمنا أسرى العقل المحض نبحث عما لنا وعما لله في ثنائية عقليّة ولكن العاشقين لا يناقشون العلاقة بين ما لهذا وما لذاك. اما في العشق فالبحث عما لي بخاصة وعما للآخر هو ثنائية الطلاق. العقل المستضاء بالنعمة لا تميّزه عن النعمة. واذا عشت فيها وبها لا تبحث عن مقولات. انا أفهم هذا الإصرار على العقل في اهتمام فلسفات القرون الوسطى التي كانت أسيرة اليونان. اما الذين عرفوا ضياء الله في الوحي فقد تحرروا من اليونان وباتوا من الكلمة الإلهية التي هي حياة الله.
لا يعني هذا اننا نبطل العقل ولكنا نضيئه بالعقل الإلهي الذي هو الوحي. واذا نزلت علينا كلمته نعيش من النور المسكوب علينا فيسكن في كلماتنا. وفي هذا نتكون أي تأتي كلماتنا صورة عن الكلمة الإلهية والكلمة الإلهية والفم الإلهي واحد في آذاننا وقلوبنا حتى لا نسمع ما وضعه ربك في هذه القلوب.
والنعمة كلمة الله أو هما واحد حتى تزول الكلمات المخلوقة التي على لساننا. ونصغي فقط إلى ما رسب فينا من العقل الإلهي


جهاد الزين و القوة التفكيكية و الابادية للثورات

·         جهاد الزين
·         2013-06-15
كيف نفسّر هذه القوة التدميرية بل الإبادية الحاصلة راهنا في "بلدين" هما العراق وسوريا وقبلهما أفغانستان والقوة التفكيكية في دولة "متماسكة" مثل مصر أو مجتمع "منسجم" دينياً مثل ليبيا؟

تستمد فكرة "المحافَظَة" من الثقافة و التقاليد الدينية قوةً رئيسية إنْ لم تكن قوّتها الرئيسية. فـ"المحافظون" في الحياة السياسية من المعنى البريطاني حيث هو اسم الحزب إلى المعنى الألماني حيث الصفة الدينية "المسيحيّون الديموقراطيّون" إلى "المحافظين" بالمعنى الإيراني حيث الاسم الثابت غير الرسمي للفريق الحاكم بقيادة الولي الفقيه... كل هذه التنظيمات السياسية تشترك في اعتبار الدين قوة حفاظ على التقاليد الاجتماعية... وقوة استيعاب للتغييرات الشاملة ولو في إطار فصل الدين عن الدولة بالنسبة للأحزاب الغربية المشار إليها وغيرها. ومن المفيد هنا ذكر أن قيادة "حزب العدالة والتنمية" ذي الجذور الإسلامية الحاكم في تركيا تُفضّل وصفَه كحزب محافظ.
لماذا يظهر وكأن الدين – وهو عنوان المحافظة – يبلغ عندنا درجة خطيرة من عدم المحافظة؟ بمعنى تحوّلِه إلى قوة تفكيك بل تدمير لوشائج مجتمعاتنا ودولنا أو للكثير منها كما في أفغانستان وباكستان والسودان ومصر والعراق وحاليا سوريا؟
هو نفسه الدين الذي حفظ ثقافتنا بل ثقافاتنا وكان طويلا القوة التي لا تنضب لضبط مجتمعاتنا والحيلولة دون انهيارها رغم الفقر والتخلف وتَغيّرِ العهود السياسية هو نفسه اليوم يصبح مصدر تدمير لِبُنانا ؟
الجواب الأول البديهي أن التعبير خطأ لأن الذي تغيّر هم المتديّنون لا الدين أي المسلمون لا الإسلام. فلا تتغيّر النصوص والتعاليم بل يتغيّر حاملوها؟
مسلمو اليوم في أزمة: مع دولهم وفي دولهم. هناك "أدب" غزير عن أن المسلمين لم يختاروا الكيانات التي يعيشون فيها وأنها فُرِضتْ عليهم فرضا. هذا تعليل عدا عن كونه تعميميّاً فهو ليس صحيحا من جهتين: الأولى أن هناك كيانات تاريخية احتفظت بتركيبها الموروث منذ ما قبل عصر النهضة والسيطرة الأوروبية على العالم المسلم. والثانية أن التوتر بل الصدام بين المكوّن الديني في المجتمع وبين الكيان السياسي الذي يعيش ضمنه ليس سمةً "إسلامية" في العصر الحديث بل هو سمة موجودة في مناطق وثقافات عديدة في العالم.
إذاً لماذا نبلغ اليوم في العالم العربي وفي ذروة تبنّي نُخَبِنا العربية والمسلمة أو معظمها للقيم الديموقراطية الغربية كما لم يحصل في أي حقبة سابقة مرحلة تحويل الدين عبر الصدام مع غير المسلمين أو عبر الفتنة بين المسلمين إلى قوة تدمير لعناصر التماسك التي صمدت في مجتمعاتنا قروناً وفي دولنا الحديثة حوالى القرن؟
كيف نفسّر هذه القوة التدميرية بل الإبادية الحاصلة راهنا في "بلدين" هما العراق وسوريا وقبلهما أفغانستان والقوة التفكيكية في دولة "متماسكة" مثل مصر أو مجتمع "منسجم" دينياً مثل ليبيا وسابقا الجزائر؟
نحن هنا في لبنان – في قلب سوريا لا على أطرافها – نشاهد بأم العين والأعصاب لا انهيار دولة فحسب بل انهيار مجتمع عريق بالمعنى الكامل لكلمة عراقة؟
السؤال "الدهري" في الأحداث السورية الراهنة التي استمدّتْ انطلاقتها – أياً تكن الألاعيب الخطيرة الأخرى – من علاقة انفجارية بين نظام سياسي عسكري ومجتمع هو لماذا لم تستطع البنية السورية المعارضة أن تُنتِج قوة توحيدية تفصل بين ضرب النظام وضرب الدولة وتدمير البلد؟
أعرف الكثير من الإجابات المتصارعة على هذا السؤال بل نحن جميعاً نعيش معها منذ اندلاع الثورة ولاسيما منذ عسكرتها البائسة؟
هناك جواب "المؤامرة"، وجواب "العجز"، وجواب "عنف النظام"، وجواب "سيطرة الفكر الأصولي" – الإخواني والسلفي، السني والشيعي – الذي هو بطبيعته قطْعِيٌّ لا وصْلِيٌّ، وجوابُ "الوحدة الكيانية المفتعلة"، وجوابُ "هامشية النخب المدنية" ووو....
دون أن يكون التحليل السياسي أشبه بـ"السَلَطة الروسية" قد لا يكون من التبسيط القول ان في الأزمة السورية سبباً من كل هذه الأسباب. لكن لنلاحظ أن موقف "قوى"هذه العوامل يرتبط بصورة من الصور بالعامل الديني... العامل الموجود في كل العوامل الأخرى.
والسؤال المنصِف والصارم يتعلّق بالمسلمين لا بالإسلام. هم المسؤولون وهم العاجزون والقادرون في منطقة تصبح على صورة قدرتهم على التدمير وعجزهم عن البناء.
...
أتحدّث هنا عن المسلمين بما هم متديّنون وعلمانيون وملحِدون!


Friday, June 14, 2013

الخرطة الجيوسياسية الجديدة بين واشنطن و موسكو


ما هي الخريطة الجيوسياسية التي تؤسس لها ثنائية موسكو واشنطن؟

الجمعة 14 حزيران 2013، آخر تحديث 08:46 أنطوان الحايك - مقالات النشرة



من المسلم به، بحسب دبلوماسي عربي يعمل في الأمم المتحدة، أن المنطقة برمتها تسير بثبات نحو خريطة جيوسياسية جديدة عنوانها اقتسام الأدوار وحماية المصالح واسقاط الاحادية الأميركية التي تحكمت في العالم منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، ولهذا فأنه من الغباء السياسي البناء على تطورات الساعات الأخيرة الماضية أو ما سيليها من محطات أمنية أو ميدانية أكان في سوريا أم في لبنان، فالمنطقة برمتها مقبلة على متغيرات لن توفر الدول الخليجية ولا العربية ولا حتى تركيا العازمة على الدخول في منظومة الاتحاد الأوروبي.
ويستند الدبلوماسي إلى معلومات يصفها بالأكيدة ليعتبر أن الدول العربية والاسلامية ستشهد متغيرات كبيرة على مستوى الأنظمة والحكام أكان ذلك من خلال السبل السلمية والسياسية أو عبر الضغط الأمني والعسكري، خصوصاً أن قطار التغيير انطلق بتوافق كامل بين واشنطن من جهة ودول البريكس من جهة ثانية، ولن يتوقف الا بعد أن يصل إلى محطته الأخيرة التي حددتها واشنطن وموسكو بالتكافل والتضامن بحسب التعبير، فصحيح أن الرئيس السوري بشار الأسد لم ولن يسقط، الا أن الصحيح أيضاً أن نظامه سقط منذ أن أعلن التعديلات الدستورية في أيار العام الماضي، وبالتالي فأنه بات ملزماً بالتعديلات التي تسقط حكم نظام البعث وتقارب الديمقراطيات المعتمدة في دول الشرق الأوسط عموماً، وهي ليست على مستوى الديمقراطية في دول القرار.
ويكشف أن النظامين السعودي والقطري على أبواب متغيرات أساسية من شأنها أن تبصر النور بالتزامن مع الانطلاق بتنفيذ المتفق عليه بين كبار اللاعبين، الأول من خلال متغيرات على صعيد المناصب الحساسة والمؤثرة على غرار تعديلات على مستوى القيادات السياسية والأمنية، والثاني عبر تحضير ولي العهد لاستلام زمام المبادرة في قطر واستبعاد الصقور التي خرجت كثيراً عن توجهات الادارة الأميركية وتفردت بأمور استراتيجية على غرار دعم وتمويل تنظيمات كانت واشنطن قد أدرجتها على لائحة الارهاب أو المنظمات المحظورة نظراً لخطورتها التكفيرية.
ويعود للحديث عن سوريا ولبنان فيكشف أن الأولى تسير بخطى ثابتة على طريق الخروج من عنق الزجاجة وإن كان هذا لا يعني بالطبع عودة الأمور إلى ما كانت عليه، بل تظهير المشهد بشكل عام، لاسيما أن القضاء على المزيد من البنى التحتية للتنظيمات التكفيرية لا يزعج واشنطن، ولا أي من حلفائها الاقليميين والأوروبيين بل على العكس تماماً، فإن استمرار حرب الاستنزاف الأمنية والاستخبارية مطلوبة لاضعاف الأفرقاء كافة بما يسهل عملية الجلوس إلى طاولة الحوار المفترضة، وذلك في ظل ارباك عارم لدى الدول الأوروبية من عودة رعاياها التي كانت قد شاركت في الحرب على سوريا، خصوصاً أن الوثائق التي بحوذة موسكو تؤكد على مشاركة كوادر عسكرية وخبراء استراتيجيين من التابعية الأوروبية في الحرب على سوريا، أما لبنان فان شيئا جذرياً لن يحدث قبل جلاء الموقف العام والاتفاق الكامل بين المحورين الأميركي والروسي، خصوصاً أن الاستحقاقات التي ينتظرها هي استراتيجية بامتياز ولا يجوز التفريط بها، فالتركيبة اللبنانية لا بد أن تأتي استكمالا لتلك التي ستحكم في سوريا، ولا يمكن عزلها عن كل تحولات المنطقة مهما تغنت الحكومة بسياسة النأي بالنفس أو ما شاكلها، فالمطلوب في هذه المرحلة استكمال الوقت الضائع بالفراغ المطلق بانتظار الدخان الأبيض الذي سيحدد شكل الاستحقاقات وما يليها

Tuesday, June 11, 2013

جورج عبيد " العاصفة السورية و المطلوب لبنانيا"

العاصفة السوريّة والمطلوب لبنانياً

جورج عبيد
لبنان عاجز اليوم عن الجواب على أيّ سؤال وجوديّ أو كيانيّ. هو جزء من مدى متمزّق بنيويًّا ومذهبيًّا. وفي كلّ الظروف التاريخيّة القديمة والحديثة، ظهر لبنان مجرّد حالة جغرافيّة لصيقة بالظروف التي زجّ فيها. لم يعطَ هذا البلد أن يصنع نفسه بنفسه، ويتكوّن بميراثه الداخلي الفريد والغنيّ. وقد قيل عنه بأنّه أنموذج راق في العيش بين الأديان التي منها تفرّعت الطوائف والمذاهب. لكنّ الذروة التي دُعي إليها مع مجموعة من العقلاء والحكماء، ما لبثت أن ذبلت وتبخّرت، بفعل استعمال ما هو فريد واستهلاكه باتجاه ما هو سلبيّ وغبيّ، يغذّي جهالة الجهلاء، ويغني سفاهة السفهاء، على حساب ما هو عليه من كبر وغنى.
لم يعُد لبنان يملك الرؤى الكاملة التي تجعله مؤهّلاً ليكون خارج كلّ صراع، كما تأسّس خلال حقبة استقلال 1943، لما اصطبغ بالميثاق، وحيّد عن أن يكون مقرًّا ومستقرًّا، أي أن يكون وطنًا نهائيًّا كاملاً ببنيته وبنيويّته وإرثه، ذا ديمومة مؤسسيّة تحمله بحيّزه الشرعيّ وحضوره القانونيّ إلى الأمم فاعلاً مختبرًا. غير أنّنا وفي الصراع المرير الدائر في سوريا وعليها، والمطلّ بسخاء وقوة على العمق اللبنانيّ، عدنا إلى نقطة الصفر التي فيها تتلاشى الأوطان لمصلحة الدويلات.
وما العاصفة السوريّة المتمادية سوى تعبير فصيح بعد العراق على ما سيؤول إليه المشرق العربيّ. بمعنى أننا بتنا نستقرئ النتائج من رحم التداعيات وتراكم الأحداث.
ثلاثة عوامل خطيرة تجعلنا قابلين لهذا الاستشراف من معين الاستقراء، وهي على النحو التالي:
- رفض مشروع اللقاء الأرثوذكسيّ، وهو الفرصة الميثاقيّة الحيّة التي كادت أن تعيد لبنان إلى توازنه من باب ترسيخ المناصفة. ما من مشروع إلاّ ويملك ثغرات واضحة. لكنّ القيمة الجوهريّة أنّه يحيي العلاقة بين الطوائف والمذاهب في إطار من الحقّ المتوازن، ويوضّب تفاصيل تلك العلاقة في إطار من الطائفيّة المتوازنة الخلاّقة بدلاً من الطائفيّة الفوضويّة. ينعش المسيحيين ولا يسمح بأن يكونوا مستولدين في كنف المذاهب الأخرى، ولا يفتئت على حقوق المسلمين أو يسلبهم ما هو لهم على الإطلاق. كما يسمح، تاليًا، بتحييد لبنان عن الصراعات المذهبيّة، الضاربة في عمق المشرق العربيّ. ولا شيء أفضل من التوازن الميثاقيّ المكتوب بأحرف من نور، لإرساء مبدأ التحييد، والنأي بالنفس.
- امتداد الصراع في سوريا وعليها إلى لبنان، من القصير إلى طرابلس وصيدا مرورًا بعرسال وعكار. خطورة هذا الصراع أنّه يسير على دروب الفلسفة التفكيكيّة، والتجسيد بهذا المعنى يفرغ لبنان من مكوناته الجوهريّة الناشئة في قلب الحياة الليبراليّة، فيصير ساحة لصراع ثيوقراطيّ، يحمل في مفرداته الموروثات القديمة، من تاريخيّة وعقائديّة، ويجعل الإنسان اللبنانيّ متحجّرًا ومختنقًا في ثقافة الحروف المغلقة.
المأساة التراجيديّة التي دخلنا في حلقاتها المفرغة وأتّونها الملتهب، أنّ عناصر التفجير في لبنان بدأت تتراكم، وتأسر الحياة اللبنانيّة في قيودها الحديديّة. هذا خبرناه كمقدمات للحرب اللبنانيّة حين بدأت القوى الطائفيّة تخطف وتقتل على الهويّة. فتلاشى دور الجيش اللبنانيّ والقوى الأمنيّة الشرعيّة لمصلحة العجز والشلل، والتي نبتت في صحرائه تلك القوى لتشتد الصحراء في نفوسنا. وهذه القوى تعود بحللها الثيوقراطيّة لتفرض نفسها على حياتنا، فتبدو وكما قال السيد هاني فحص «كالمقت في سمائنا»، فتأكل وتقتات من فرادة حضورنا المشترك، المعبّر عنه بالديموقراطيّة التوافقيّة، والتي تصهرها بالمعنى السياسيّ الطائفيّة المتوازنة وترفدها بعقلانية متسقة، لحساب آحادياتها المترامية الأطراف.
- تمديد المجلس النيابيّ لنفسه، وهو أخطر ما بلغته الحياة السياسيّة في لبنان، بل بلغته الأنظمة السياسيّة في تاريخها. يتماهى التمديد مع هذا الصراع لتثبيته والتسليم به، وكأنّه أمر مفروض، لكأنّ القوى السياسيّة المسلّمة بالتمديد، والمراهنة على نتائج الصراع في سوريا وعليها، سلّمت سلفًا بالنتيجة ـ المنظومة التي ستبلغها المنطقة ككلّ، وهذا يتطلّب توضيحًا على الأقل من تلك القوى. ذلك أنّ التمديد يجرّ إلى تمديد آخر، ويصير الشواذ والنشاز القاعدة الشرعيّة لإمرار ما يمكن إمراره، على حساب الدستور والنظام والشعب.
أمام هذا التراكم يُطلب من لبنان، أن يقوم بقراءة تأسيسيّة جديدة لذاته ودوره ومؤسساته، ليس فقط مع القوى السياسيّة اللاعبة التي لها جمهورها، ولكن مع معظم العقلاء والحكماء، الخاشين من زواله تدريجيًّا. من يستطيع الدعوة إلى تلك القراءة في ظلّ هذا الفراغ؟
السؤال موجّه إلى رئيس الجمهوريّة. وبداءة الجواب عنده إعطاء الجيش صلاحيّة التطهير الكامل من القوى المسلحة، وبعد التطهير يبدأ العقل بالعمل والنقاش بالخيارات المتوازنة التي تعيد لبنان إلى فرادته وبهائه المفقود حتّى إشعار آخر.


([) ناشط في «اللقاء الأرثوذكسي

Friday, June 7, 2013

مسؤولية حزب الله بقلم جان عزيز


 مسؤولية حزب الله ...
جان عزيز

مرة جديدة يجد حزب الله نفسه أمام تحد من نوع غير مسبوق، وأمام مسؤولية تترتب عليها احتمالات مصيرية. باختصار بات الكل يدرك، يعرف ويعترف بأن ما بعد معركة القصير ليس كما قبلها. وقد يكون خصوم حزب الله وأعداؤه في الداخل والخارج أكثر من انتبه إلى تلك الما بعد، وأكثر من توقف ونبه وحذر من مترتباتها والتداعيات. ولا ضير ربما، لفهم حقيقة الانطباع والمتصور أو حتى المسوَّق، من سماع ما يقوله هؤلاء في هذا المجال.
يبدأ خصوم حزب الله تحليلهم بالخلاصة، بما يعتبرونه درس الدروس وعبرة العبر من موقعة القصير. يقولون: بعد تلك المعركة، صرنا نحن ولبنان أمام احتمال من اثنين: إما نهاية حزب الله وإما نهاية لبنان. لا احتمال ثالثاً، ولا فرصة أخرى لحالة وسطية بين الاثنتين. إما أن يندثر هذا التنظيم الذي بات أقوى لا من لبنان كدولة وحسب، بل أقوى من أي دولة مجاورة، وإما أن يندثر لبنان كدولة مدنية وكوطن تعايش وككيان تعدد وتوافق وتجاور وتحاور.
ويسهب مناوئو حزب الله في شرح نظرتهم أو نظريتهم: ما حصل في القصير لم يكن وليد خطاب السيد نصرالله في 25 أيار، ولن يكون 5 حزيران بالتالي نهايته. فهو لا شك نتيجة أشهر طويلة من التحضير والتخطيط والاستعداد، بشرياً ولوجستياً. ولذلك الآن فهمنا، والآن فقط، ان معركة القصير هي مجرد محطة في مخطط شامل، مجرد حلقة في سلسلة عرفنا أين بدأت، لكننا لا نعرف أين ستنتهي. وفي كل حال، يمكننا الجزم أن ما أُعد لمعركة القصير لا يمكن أن يكون من أجل إسقاط هذه المدينة الصغيرة بالمقياس السوري. وبالتالي فالآتي أعظم... يجزم مناوئو حزب الله. من هنا، يضيفون، وعلى ضوء القصير، وخصوصاً على ضوء ما بعدها، لا بد من التوقف عند التالي:
أولاً، أن يكون حزب الله قد دخل في مواجهة وجودية نهائية مع وجدان أكثري لجماعة كاملة في المنطقة، وفي لبنان، هي جماعة السنة. مواجهة يخشى ألا تكون هناك معادلة لنهايتها، إلا وفق ثنائية القاتل والمقتول. وما أعلنه الداعية الإسلاموي يوسف القرضاوي من الدوحة مؤشر. وما زاد عليه مفتي العائلة السعودية ومملكتها مؤشر أيضاً. مع الإشارة إلى أن قسماً كبيراً من تلك الجماعة في لبنان أيضاً، يعيش الحالة نفسها، حالة الذات المصدومة والمكسورة وحتى «المغتصبة» في وجدانها. والاعتراف واجب هنا بأن ثمة مسؤولية ذاتية على هؤلاء في الواقع الذي انتهوا إليه. مسؤولية تبدأ بتضخيمهم المسبق لما اعتقدوه نصر القصير الآتي لحسابهم. سموها فييتنام الشيعة، وصبرا وشاتيلا حزب الله. حتى إن أحدهم ، وباسم فريقه بأجمعه، سماها قصيرغراد، تيمناً بمعركة انكسار هتلر على جبهته الشرقية. قبل أن يسحب مفاعيل قصيرغراده المقبلة على وضع جماعته بكاملها، وعلى عهد «التنانير» الشهير. هذا فضلاً عن مسؤولية ذاتية سابقة في الحرب السورية، لتلك الجماعة المهجوسة بشعور الهزيمة الآن. فيوم بدأ يُشتم حسن نصرالله في بروباغاندا المعارضة السورية ـــ اللبنانية، ويوم كُلف أحدهم إدخال «ما لم تروه من قبل» عبر تركيا، ويوم قيل إن أحدهم أقنع بترايوس بإقامة مثلث عكار ـــ عرسال ـــ القصير، لشق نظام الأسد بين الشام والساحل، تمهيداً لإسقاط الاثنين، ويوم بدأت كل التعزيزات البشرية والعسكرية والمالية تُضخ على محاور هذا المثلث وأضلاعه تنفيذاً للمخطط... يومها لم يكن حزب الله قد اجتاز الحدود بعد.
غير أنه يظل ثابتاً اللحظة، أن حزب الله قد دخل فعلاً في تلك المواجهة، وعليه توقع تداعياتها وترقب نتائجها. وأول مخاوف تلك العواقب استجرار الجهاد الإسلاموي إلى قلب لبنان، تفجيراً أو إرهاباً أو انتحاريين.
ثانياً، أن يكون حزب الله قد أثار مرة أخرى حذر اسرائيل، لا بل استنفارها وحفيظتها ووتر البقاء عندها. كان صوت اسحق موردخاي معبراً جداً لهذه الناحية، وهو يعلق على إحدى قنوات التلفزة الاسرائيلية على سقوط القصير. قال لمحاورته: أعطيني دقائق قليلة لأحدد لك عناصر حزب الله من بين كل تلك الجموع. ثم راح يفعل ذلك. قبل أن ينتهي إلى الخلاصة الأساسية، قال: «الآن انتقل حزب الله من الدفاع إلى الهجوم. ما الذي يضمن عدم تكراره لاقتحام القصير في أي مكان آخر؟ هذا هو السؤال الذي علينا التوقف عنده». سؤال يفرض على حزب الله تحدياً جديداً ايضاً، ويفتح في وجوده وحساباته مرحلة جديدة.
ثالثاً، أن تكون واشنطن قد استيقظت من وهم حساباتها السابقة بعد القصير. فحتى عشية 5 حزيران، كان أهلها يضحكون طويلاً وهم يشرحون لسائلهم كيف أن «جبهة النصرة» مصنفة لديهم إرهابية، وحزب الله كذلك، وهما الآن يقتتلان، فيما واشنطن لم تستثمر في اقتتالهما سنتاً ولا جزمة، كما اضطرت في كابول وبغداد. كانوا يتفرجون على ما سموه حصادا أميركياً وفيراً، من دون زرع ولا بذر وبالمجان. لكن فجأة انتهى هذا المشهد. وأفاقت واشنطن على واقع جديد، فهل تقبله وتحتمله؟
رابعاً، لا ينسى مناوئو حزب الله التوجه إلى حلفائه المسيحيين بالذات، قائلين: هل فكرتم في ما لو انتصر حزب الله في سوريا، كما انتصر في لبنان، ماذا سيبقى لكم من «مونة» عليه، وماذا ستبقى له من حاجة إليكم؟ كل نظرية موازنتكم بين بشار ونصر الله تكون قد انتهت. وستكونون عندها تحت رحمة «ضاحية كبرى» واحدة، تمتد من بئر العبد إلى السيدة زينب. فعلى أي تفاهم عندها ستعولون، اللهم إلا دينكم في عنق السيد تجاهكم، لكن ليس الآن، بل يوم القيامة...
كل ذلك يقوله خصوم حزب الله اليوم. وكل ذلك يفرض على هذا الحزب اللبناني تحدي الجواب للمرحلة الجديدة. تماماً كما فعل بعد تحرير الألفين، وبعد نصر 2006. تحدي الإثبات أن لا نهاية لهذه القوة اللبنانية، ولا نهاية بالتالي للبنان، لأنه لا تناقض ولا تنافر بين الاثنين، بل مواءمة ومطابقة وتلازم حتى التكامل. تحد لا ضرورة لأن ينتظر لما بعد القصير، مع أن الكل ينتظر ما بعدها.
سياسة
العدد ٢٠٢٣ السبت ٨ حزيران ٢٠١٣
·          
·          
·          
·         نسخة للطباعة
·         أرسل لصديق


Tuesday, June 4, 2013

الرجاء بقلم المطران جورج خضر


الرجاء        بقلم المطران جورج خضر
عند بولس الرجاء فضيلة يرصفها بين الإيمان والمحبة وكأنه يوحي أنك ان آمنت ترجو الله فتحب. في عمق الأعماق طبعا الفضائل لا ترصف واحدتها مع الأخرى. انها جميعا متداخلة ولكن يريك الوحي انك تبدأ بالإيمان لأنه هو انعطاف الله عليك. يبدأك كائنا روحيا ويرافقك في مسيرتك اليه. بتعبير جسور، الله يخلقك بالروح القدس بعد ان أنشأك جسديا. هذا كيانك الجديد وحياتك الحق. ومكوث الله فيك هو ما نسميه الإيمان اي قناعتك ان الرب مكونك بروحه. والإيمان من الأمانة لله والأمانة من المأمن. ولست أقول هذا لغويا ولكن روحيا. أنت في بشرتك لست في مأمن، في مقر. الله فيك هو مقرك.ان رأيت الله في ذاته ومعانيه وإشعاعاته فيك وفي الاخوة تكون قد أدركت مقره الذي بات مقرك.
ولكن بينك وبين الله بون تتجاوزه بالإيمان بحيث تبيت في ربك وانت في الجسد. ذلك ان الإيمان انتقال وعلى الأرض أنت في حال انتقال إلى ان يحفظك الرب اليه في الرؤية. الإيمان ليس كل الرؤية. يحتاج إلى حركة إلى الله بالرجاء. ذلك ان الرب آتيك اليوم وغدا. الإيمان في حاجة إلى المحبة ليصبح إقامة في الله. وهو يبدأ بتربيتك على المحبة اذا زرع فيك الرجاء اليه.
الحضور الإلهي فيك ينشأ بالإيمان وهو "قيام الأمور التي ترجى وبرهان الحقائق التي لا ترى" (عبرانيين 11: 1). الأمور التي ترجى اي المستقبلية قائمة الآن في إيمانك. ويمتد قلبك اليها بالرجاء باعتبارها حاضرة في كلمة الله. هنا يمكن ان نقول ان الرجاء امتداد الإيمان من حاضره فيك إلى ما سيكون بحيث تكون الآتيات كالحاضرات لأن كلمة الله تجمع هذه وتلك. ولأن كلمة الله لا يقيدها زمان.
في المواقف الإلهية فيك لا تفريق بين الآن وما بعد الآن لأن الرب يملأ الزمان بحضرته. من هذه الزاوية أمكن القول انك ترى ما ترجوه. انت متغلب على امتداد الزمان لأن الله الذي فيك يملأه. من هنا ان فضيلة الإيمان حبلى بفضيلة الرجاء الذي هو حركة الإيمان. انت لا ترجو الا لكونك آمنتَ اذ الرجاء ليس أملا عاطفيا. هو معطى مع الإيمان كثمرة له.
ينبغي ان نفهم ان الإيمان ليس فضلا انسانيا. انه انحدار إلهي إلى النفس البشرية، تلاقٍ بينها وبين الصميم الإلهي وذلك في عمق يعسر علينا ان نسبر غوره. الله متحرك فينا اي يحركنا اليه. وحركتنا اليه هي الرجاء اذ نعرفه جزئيا في الإيمان. الإيمان بدء استلذاذنا به ولكن ذوقنا اياه يعطيه هو.
اذا كان الإيمان استقرار الله في القلب فالرجاء تحرك الله والله يتحرك إلى ذاته وبذا يحركنا اليه.
واذا جازت اللغة في هذا النطاق يحق لنا ان نرى ان انطباع الرب في القلب هو وجوده وايماننا به هو حركته الينا ويتبعها اخذه ايانا لإزالة البعد بين الخالق والمخلوق أو المحب والمحبوب. وبعد حركته الينا تأتي حركتنا اليه وهذا هو الرجاء. في اعماق الألوهة لا ينفصل الرجاء عن الإيمان وتتبعهما المحبة التي هي إكليل كل وجود.
كلمة رجاء توحي بالمستقبلات. وهذا صحيح لأننا اليوم نؤمن بما هو آت غدا وفي كل الآتيات الصالحات.
الرجاء ينطلق من حقائق الإيمان إلى ما يعلنه الله فينا من محبته. ولكن منعا لالتباس الكلمة اللغوي نريد ان نؤكد ان الرجاء عطية الهية ولا يأتي من مشاعرنا البشرية. الرجاء ليس مجرد تحرك للنفس. انه عطف الهي يذهب بنا إلى الباقيات الصالحات. هو امتداد مما أنزله الله علينا من نعمته إلى ما نرجوه من نعمته الكاملة حتى الرمق الأخير. الايمان، لغة، يوحي بالشيء القائم فينا ويوحي الرجاء بما سيكون. انهما متلازمان في النعمة التي تنسكب علينا.
ولكون الرجاء هو إلى الله يكون امتداده فينا حتى نبلغ كمال الرؤية. ولكن في السعي الروحي يجب ان نرسخه في الإيمان حتى لايظن المؤمن انه يأتي به كما يأتي بآماله. هو فوق كل أمل بشري. انه نعمة فائقة، انسكاب الهي فينا نبتغي فيه الله نفسه. من هنا انه يلتقي بالإيمان ويصب في المحبة.
المطران جورج خضر