Friday, November 9, 2012

لبنان وصيغة «اللقاء الأرثوذكسيّ»:
مشـروع إنقـاذي لمنـع الاحـتراب

جورج عبيد
ليس الهمّ الغوص في جوف الخائف كما في جوف المخيف للاستنباط، وقد أظهرت الوقائع التاريخيّة والسياسيّة، أن الخائف سيصير مخيفًا والمخيف سيرضخ للخوف ويصير خائفًا. ولذا هما واحد. غير أن الهمّ هو اكتشاف الجميع الأسباب الموجبة التي أينعت الأطروحات الطائفيّة وعززتها وبات التعزيز كلّ الكلام، كلّ الشريعة. والأهمّ من كلّ ذلك، أن الخلل في العلاقة بين المكونات، الناتج من زرع الخوف والشكوك، يبيح الاحتراب من أنّى أتت مصادره. لذلك وجب التفتيش عن مشاريع تكوينيّة، تسعى إلى تأمين الحماية الذاتيّة، التي تعوّض عن الوصايات وما نجم عنها من أدبيّات وسلوكيات مقيتة وممجوجة للغاية.
من هذا الرحم أو السعي بالذات، ولد مشروع «اللقاء الأرثوذكسيّ» الانتخابيّ. ليس الخوف مشتله أو رحمه، وبخاصّة ذلك الخوف الملتحم بمعادلة التواجد بين فريق أكثريّ، وفريق أقلويّ. ذلك أن الخوف لا ينتج مشاريع منقذة في كثير من الأحيان، بل ينتج فراغًا، كما الفراغ يسبّب الزوال.
إنّ هدف هذا المشروع من حيث الرؤية إبادة الخوف بلغة العقل، وإباحة التوازن بمعايير المنطق. وقد أصاب الرئيس نبيه برّي لمّا قال، بأنّ المشروع ليس هدفًا بل هو نتيجة، فالهدف أن يصطبغ الميثاق الوطنيّ ببهاء التوازن، ويترسّخ بتجسيد المناصفة الموضوعيّة على الأرض. إنّ رسوخ الطائفيّة، وما نتج منها من مخاوف وهواجس أدّت إلى صدامات وحروب، لا يعود أصله، وبالضبط، إلى مشروع «اللقاء الأرثوذكسيّ»، أو ما يشابهه من مشاريع. بل إلى الاختلال الذي اعترى الميثاق الوطنيّ - الذي سطعت مفرداته في العام 1943- حينما تداخلت القضيّة الفلسطينيّة بالقضيّة اللبنانيّة، وتحوّل هذا التداخل إلى حالة بركانيّة انفجرت على أرض لبنان وبلبنان أكثر من ثلاثين عامًا، قبل أن تطويها وثيقة قيل بأنّها ستعيد التوازن من جديد إلى الصيغة اللبنانيّة، لكن ازداد معها منسوب الخلل في علاقة الطوائف اللبنانيّة ببعضها البعض، وفي نظرتها إلى الكيان اللبنانيّ وماهيّته، على الرغم من إقرار الجميع بنهائيّة الكيان.
فالوثيقة، التي غدت دستور لبنان، وُئدت حين وُلدت. وُئدت بصفقات دوليّة - إقليميّة على حساب لبنان ونهائيّة وجوده، أو ديمومة تلك النهائيّة. وما لبث هذا الخلل أن انفجر تباعًا، في اعتراضات من جانب المسيحيين على سلوكيات الطوائف الأخرى بحقّهم، وبخاصّة حين أكلت حقوقهم في التوظيفات الإداريّة وما إليها. وقد بدا المسيحيون بفعل عمليّة وأد الطائف، «مستولدين في كنف مذاهب أخرى» منذ التسعينيات من القرن المنصرم، ولا نزال نحيا في سلبيّات هذا الاستيلاد المقيت الذي يحتّم الاختلال وينذر بالانفجار.
وما يجعل الأسئلة مشروعة لدى المسيحيين، هو اندراجنا في الصدام المذهبيّ الآخذ بالتفاعل أكثر فأكثر في بنية المشرق العربيّ، بفعل تداعيات الأزمة السوريّة الوجوديّة، ولبنان هو الأكثر قربًا منها. «فالاستيلاد» والتعبير لنائب رئيس مجلس النواب سابقًا إيلي الفرزلي، تفاعل كثيرًا في جوف هذا الصدام المذهبيّ، إلى حدّ الخوف الكبير من خلوّ لبنان من مكوّن تاريخيّ وجوهريّ ساهم بتأسيسه وتكوينه وإعلاء شأنه بين الأمم.
والمؤسف في هذا التراكم، بأن الساسة المسيحيين استطابوا بل استلذّوا الاندراج في ماهية الصدام من دون قراءة واعية ونقديّة لانعكاس هذا الصدام على وجودهم التاريخيّ، وإطلالتهم المستقبليّة في لبنان والعالم العربيّ. فكيف إذا أمسى الصدام المذهبيّ في لبنان مطلاًّ للصراع في سوريا وعليها في آن؟
لقد جاء مشروع «اللقاء الأرثوذكسيّ» الانتخابيّ، وفي هذا الخضمّ ليقول بثلاثة أمور:
الأمر الأوّل: تحرير المسيحيين من تلك المولوديّة المسخ. والتحرير يتطلب إرادة كيانيّة وذاتيّة ووجوديّة. ومن شأن الإرادة أن تتجسّد على أرض الواقع، حيث كلّ طائفة تنتخب ممثليها في المجلس النيابيّ. فرادة التحرير، تعيد المسيحيين إلى دورهم الطليعيّ كمكوّن سياديّ للبنان، وفي البعد الجيو- سياسيّ للصراع، تجعلهم حماة للمسيحيين العرب، بدءًا من سوريّا وصولاً إلى مصر. وإذا جئنا بهذه الرؤية وقمنا بقراءتها وبتؤدة، ألا نرى حينئذ أنّ قراءة «اللقاء الأرثوذكسيّ» تبقى استقرائيّة لما يمكن أن يبلغه لبنان، واستباقيّة بحيث تمنع العاصفة من الاقتراب بفعل استهلاك المذاهب الأخرى للإرادة المسيحيّة، وحجبها عن الوجود؟ «الاستيلاد» تأصيل كامل للحالة الطائفيّة، بالإطار السلبيّ، والذي يفرز صدامًا وانسلاخًا مع الأيّام لدى شريحة تعتبر مكوّنًا تاريخيًّا واساسيًّا وجوهريًّا للمدى اللبنانيّ.
الأمر الثاني: لم يدخل مشروع «اللقاء الأرثوذكسيّ» المسيحيين في «غيتوات» مغلقة، تفصلهم عن الحلقة التواصليّة مع الطوائف والمذاهب الأخرى. وقد قرأ منذ تأسيسه، بأنّ المسيحيين كانوا مؤسسين للعروبة وللثقافة العربيّة، ولا يزالون على انكبابهم نحو عروبة بيضاء، تبقى مرجوّة أمام تصاعد القوى السلفيّة وطموحاتها للدخول في جنّة الحكم باسم الشريعة. لقد لفظ اللقاء بمشروعه وقراءته السياسيّة الواقعيّة ثقافة العزل والانعزال، حين تبنّى قول الرئيس نبيه برّي «لبنان دائرة واحدة». وأمعن في القول بأنّ كلّ طائفة تنتخب ممثليها في لبنان دائرة واحدة. حيث الانتخاب الذاتيّ، يكسر حدّة التلاشي في العلاقة بين المسيحيين والمسلمين، والتي جعلت المسلمين بمذاهبهم الثلاثة مستهلكين للإرادة المسيحيّة، فحجبت عنهم القرار والعمل الحرّ لسنوات عديدة، ومنعتهم من المطالبة بالحقوق العائدة لهم في المؤسسات والإدارات العامّة، فاستفضنا في الخلل، حتّى افترسنا. في حين أن انتخاب كلّ طائفة لممثليها في وحدانيّة الدائرة اللبنانيّة تخرج المسيحيين من حالة الاصطفاف، وتحيي التوازن في علاقة المكوّنات ببعضها البعض، وتطرح الخوف جانبًا، محقّقة المناصفة الفعليّة، ومعيدة الروح إلى الميثاق الذي كان قد تمزّق بفعل كلّ هذا التراكم الصداميّ. مشروع «اللقاء الأرثوذكسيّ» في جوهره، إحياء جديّ واستراتيجيّ وواقعيّ - تجسيديّ، لمبدأ قبول الآخر، هذا الذي نادى به الأرثوذكس طوال تاريخهم وفي أدبيّاتهم.
«فالآخر ضروري حتّى التنفّس» كما كتب المطران جورج خضر. وانكباب «اللقاء» بمشروعه على تلك الثقافة بجوهرها وتفعيلها، يبيد ثقافة الانعزال التي سادت لبنان خلال حروبه من أجل الآخرين، ويوطّد العلاقة بين المسيحيين والمسلمين، في إطار من المعيّة المتوازنة والفعليّة، حيث تمنع انزلاق تلك العلاقة نحو المعيّة المتلاشية، التي تذيب تاريخيّة المسيحيين في محصولهم النوعيّ بوهج الديموقراطيّة العدديّة، حيث يأخذ هذا الانزلاق لبنان إلى مشاريع احتراب تنقلنا من جديد إلى جحيم الموت المتنقّل. لا بدّ وأن يلتقي المنتخبون - الممثلون لطوائفهم في رحاب المجلس النيابي ويؤلّفوا الكتل الوطنيّة، بروح ديموقراطيّة متوثبة. فالتأليف، وبهذا المعنى، سيرتكز حتمًا على المعيّة المتوازنة التي تبيد الهواجس والمخاوف بالحريّة الذاتية ومبدأ قبول الآخر، وتكتب بأحرف من ذهب شراكة جديدة أو متجدّدة ومؤسسة للبنان حقيقيّ، ومنها يبزغ فجر المواطنة الكاملة.
الأمر الثالث: إنّ مشروع «اللقاء» استقى من مشروع فؤاد بطرس ما تمّ رفضه في انتخابات 2009 وهو النسبيّة، وهو مبدأ يعزّز حركة المواطنة متجاوزًا الطائفيّات السياسيّة. وهو مبدأ مكمّل للأمرين وموطّد للوحدانية اللبنانيّة المنشودة.
إنّ مشروع «اللقاء الأرثوذكسيّ» استراتيجيّ وضروريّ في هذه الظروف التي تمرّ بها المنطقة. إنّه مشروع إنقاذي للجميع يرنو الى معالجة الطائفيّة السلبيّة والمتلاشية، بالطائفيّة الإيجابية والمتوازنة التي تمنع الاحتراب وتحجب الخوف وتعيد الثقة وتمنحنا الطمأنينة، وتنقلنا إلى روح السلام.
أمّا الإصرار على قانون 1960، فهو إمعان في زجّ لبنان بأتون الحرب السوريّة، التي ستُستورد إلى أرضنا وتجعل النار تأكل أرزنا. لبنان سيحيا في هذا المشروع وستكتب له الحياة الجديدة. والمسؤوليّة ليست ملقاة على عاتق المسلمين سواء تفهمّوا أم لم يتفهمّوا هواجس المسيحيين، بل هي ملقاة بالدرجة الأولى على كاهل القادة المسيحيين، والموارنة بصورة خاصّة.
([) كاتب وناشط في «اللقاء الأرثوذكسي»

الويل للمسيحيين... فهم ضيوف ثانويّون على مائدة السلطة
Friday, November 09, 2012 - 11:49 PM
مفيد سرحال

مرجعيّة روحيّة مسيحيّة : لماذا تراجع جعجع عن تأييده للقانون الأرثوذكسي؟


مفيد سرحال

منذ أن أدار العثمانيون وفق نظام الملل، التعددية الثقافية والدينية في رحاب السلطنة ولبنان ما زال يستنسخ تلك الصيغة المسماة التوافقية لنظامنا السياسي والتي تعود جذورها الى نظام القائمقاميتين والمتصرفية وصولاً الى ميثاق 1942 واتفاق الطائف عام 1989 وهذا الأخير عزز التوافقية بمنحه ضمانات للجماعات الطائفية التي تقاسمت السلطة بين المسيحيين والمسلمين بصرف النظر عن عدد كلا الطرفين. هذه التوافقية تلتصق بخاصية «الاكثرية» وبالتالي فان النظام اللبناني نظام هجين تجمعه خصائص من النظامين الاكثري والتوافقي. فالشعب اللبناني مقسّم الى طوائف والوطن كونفدرالية طوائف والطوائف كيانات اجتماعية قائمة بذاتها وتشكل حلقات الوصل بين الدولة والمواطنين. اما صياغة السلطة فانها تقوم على الانتخابات وفق النظام الاكثري من تحت، ويتم تقاسمها بين الطوائف من فوق، وبالتالي فان الاقليات الانتخابية تتبخر وتصبح عديمة الوجود لان النظام المأخود به يحرمها من المشاركة. اما التمثيل النسبي على وجه العموم فيفسح في المجال لتمثيل كافة مكونات المجتمع اللبناني في المؤسسات الديموقراطية ويعزز صيغة العيش المشترك.
اليوم في لبنان انقسام حاد بين اتجاهين الأول يتشبث بنظام انتخابي اكثري ألا وهو نظام عام 1960 ويمنح هذا القانون قوى 14 آذار ارجحية في حكم البلد بعد الفوز المحتم بينما فريق 8 آذار طرح النسبية سواء في دوائر متوسطة او لبنان دائرة واحدة بغية افساح المجال امام كل مكونات المجتمع اللبناني في المشاركة بالسلطة بحيث لا يشعر فريق او حزب او فئة او طائفة صغيرة انه غائب سياسياً او بالاحرى مغيب بقوة القانون السائد وهذا الطرح بطبيعة الحال يعطي فريق 8 آذار فرصة الإمساك سياسياً بالبلد. اذاً هناك طرحان كل واحد يشكل بنظر الاخر سحقاً والغاء لحضوره ولان لبنان قام على الفكر التسووي والتفهم والتفاهم وصعوبة الغاء فريق للآخر او شطبه من المعادلة، فان احتمالات التسوية بين الطرفين واردة ولكنها لست محققة راهناً ويصعب تحقيقها الا وفق تفاهمات وتسويات اقليمية ودولية وفي ظل ما ستؤول اليه الأوضاع في الاقليم.
على وقع طاحونة القوانين الانتخابية التي تسمح لكل فريق بأن يحكم البلد لثلاثين سنة الى الأمام وعلى وقع حال التمذهب والتطيف المستشريين في لبنان والأمة العربية جمعاء بدفع من العقل الصهيوني المتربص بكل عوامل الوحدة. برز القانون الارثوذكسي الذي بشر به في المنتديات وعلى المنابر نائب رئيس مجلس النواب الاسبق ايلي الفرزلي الذي دعا الى ان تنتخب كل طائفة نوابها على اساس النسبية وقد لاقى هذا الطرح رواجاً في مكان وامتعاضاًَ في أماكن اخرى وحيث كان الاستحسان تبدى معه اقرار المقرين بأنه طالما لبنان كونفدرالية طوائف وطالما ان نواباً من طوائف مختلفة وفي دوائر مختلفة يستنبتون في حقول الآخرين ويمثلون طوائفهم على نحو غير منطقي وغير تمثيلي بالاحرى. فالأجدى ان تنتخب كل طائفة نوابها وهذا بحد ذاته منتهى القبول بالواقع على حقيقته من دون الشعر المسرحي واغاني العيش المشترك.
اما حيث كان الامتعاض فالمغالاة في تمجيد الوحدة الوطنية ونبذ الطائفية أقل ما يقال فيها بأنها فذلكات لبنانية يجيدها اللبنانيون في «لبنان يا قطعة سما» من خلال ورشة «نفاق ووفاق» متبادلة يزيّن فيها البلد بأنه جنة عدن.
ان الحكمة من طرح هذا القانون حسب المنظرين له انه ينقل الصراع الى داخل الطوائف بشكل ديموقراطي بدل ان يكون بين الطوائف ومن حسناته يقول المنظرون لهذا القانون انه يسقط سلطة الحزب الواحد داخل الطوائف ويفسح في المجال امام تمثيل كل ابناء الطائفة كل حسب حجمه مع اعتماد النسبية وبالتالي ما من قانون كامل الأوصاف الا ان القانون الارثوذكسي على ما يبدو فتح كوة في جدار قوانين الانتخاب الى حد ذهب البعض للقول انه خلق صراعاً وجدلاً نافعين في البلد في حين قال البعض انه قصف عمر الستين وجدد شباب نماذج اخرى من القوانين الانتخابية.
من جهتها مرجعية روحية مسيحية ابدت اعجابها بطرح اللقاء الارثوذكسي الانتخابي لجهة انتخاب كل طائفة لنوابها على قاعدة النسبية من دون الإخلال بمبدأ المناصفة وعندها يستطيع الناخب الاختيار على اساس حر وعقلاني من يرغب من ممثليه من دون ان يفرض النواب بأصوات الغير ومن دون ان يكون للناخب اي رأي خاصة ان الحديث عن «طائفية» هذا القانون وتقوقعه في المذاهب والطوائف ليس صحيحاً بل يبقى أفضل بكثير من نظام انتخابي يعمّق الطائفية لا بل هو طائفي بامتياز مهما سعينا لتجميله على الطريقة اللبنانية بالتوافق وغير ذلك من التوصيفات الخادعة فطالما نحن طائفيون الى هذه الدرجة وطالما نحن غارقون بالمحاصصة الطائفية حتى الرأس وكثيرون من نوابنا من مختلف الطوائف يركبون الحافلات الكبرى للوصول الى المجلس في مناطق متعددة ودوائر متعددة، وطوائف متعددة ما يعني عدم صحة التمثيل ويعني ايضاً التغني بديكور العيش المشترك ظاهراً والتلبس بالطائفية باطناً.
وتتابع المرجعية: ليس من شأننا نحن، التدخل في السياسة والغوص في اشكالاتها متجاوزين دورنا الارشادي التوجهي، لكن واقع الحال في بلدنا يلزمنا بالتدخل ورفع الصوت بعدما جرت قوانين الانتخاب الويل على المسيحيين وجعلتهم مجرد ضيوف ثانويين على مائدة السلطة في لبنان يأكلون باستحياء من ثمرات جنتها بعد ان يصاب الآخرون بالتخمة اللهم اذا اكلوا او بقي لهم شيء من زادها.
وتطرقت المرجعية الى صاحب فكرة انتخاب كل طائفة لنوابها نائب رئيس مجلس النواب الاسبق ايلي الفرزلي قائلة: المعروف لدينا ان آل الفرزلي من غلاة النزعة العروبية وتنكبوا مهام متقدمة منذ نشأة فكرة العروبة خلال وبعيد سقوط السلطة العثمانية وكانوا رواداً في مجال الدفاع عن الفكرة القومية وجامعة العروبة فان يصل ريادي منهم عنيت به «ابننا ايلي» للتفكير بهذه الطريقة وطرح الفكرة للنقاش والبحث كبديل لنظام التكاذب والتحايل الطائفي، نظام الاصطفافات المذهبية والطائفية العقيم الذي لم ينتج الا الويلات والحروب ومزيد من التهميش للمسيحيين على قاعدة انهم «حاضرون ولكنهم غير موجودين» لغياب قوة القرار الحر والمستقل والمعبر عن الشارع المسيحي خير تعبير والمتوسل التحاف العباءات الطائفية والمذهبية الاخرى للعبور الى الندوة البرلمانية... ان يصل شخص مثل ايلي الفرزلي القومي العروبي حتى النخاع الشوكي للتفكير بآلية انتخاب كل طائفة لنوابها على اساس النسبية وخوض النقاش العملي ترويجاً وتذهيناً للناس لخلق رأي عام مؤمن بهذه الفكرة وعياً وارادة فهذا ان دل على شيء فعلى ان سيل الطائفية والمذهبية في البلد قد بلغ الذبى وان العقل المذهبي مَسَخَ كل تفكير منفتح تجاوزي للحالات الفئوية، وحقيقة «الامر مثير للتبصر واعادة ترتيب الاولويات كما اعادة النظر بالواقع القائم وهذا من العلاقات والمؤشرات التي تدل على اندثار الفكر الوجودي لصالح التشظي المذهبي والافكار المغلقة».
وتقول المرجعية الروحية المسيحية المؤيدة لطرح اللقاء الارثوذكسي: طالما نحن نتنفس الطائفية كما نتنفس الهواء ونغالي ونتشاطر بالخطب في تمجيد نظامنا «الوحدوي» فلنجرّب طرح اللقاء الارثوذكسي الذي ينقل الصراع بين الطوائف والمذاهب الى حراك داخل كل طائفة ومذهب فنوفر على البلد موجات الحر المذهبي والطائفي التي لطالما احرقت البلد في مواسم ومحطات مختلفة وعندها نصنع صيغة للشراكة على قواعد ندية مسؤولة «لانو ابنك الخلقان وعايش بحضنك غير ابنك الخلقان وعايش بحضن غيرك».
وتتابع المرجعية: اتساءل لماذا عاد الدكتور جعجع وتراجع عن موقفه تجاه القانون الارثوذكسي بعد ان ابدى اعجابه تأييداً وتفهماً خلال اجتماعات بكركي ليعود ويلتف على هذا القانون بقانون بديل عرف بقانون الخمسين وهو اسوأ من الستين بستين مرة ويعيد انتاج النواب المسيحيين وغير المسيحيين في كنف الاخرين ويختصر دورهم بالتهليل والتبجيل لمرجعيات واحزاب الطوائف الاخرى بعلاقة هي «اشبه بعلاقة اليتيم بالميتم» وعادت المرجعية الروحية المسيحية لتسأل: ما الحكمة من رفض الدكتور جعجع للقانون الارثوذكسي وما سر توقيت هذا الرفض بعد عودته من السعودية التي تجهد للابقاء على قانون الستين وترفض اي صيغة تقوض نفوذها في لبنان عبر الحريرية السياسية، وبالعكس تقول المرجعية: ان للسعودية وللشيخ سعد الحريري مصلحة كبرى بقانون اللقاء الارثوذكسي الذي هو افضل بكثير من اعتماد النسبية في صيغ اخرى خاصة وان جمهور المستقبل واسع وعريض داخل الطائفة السنية ولا خوف على زعامة آل الحريري ودور السعودية من خلالهم وبالامكان حبك تحالفات مع نواب الطوائف الاخرى من دون ان يأتي المستقبل بنواب هذه الطوائف على لائحته بالطريقة المعهودة وعندها يشعر المسيحي ان علاقته بالسني كماعلاقته بالدرزي والشيعي علاقة ندية وفيها حضور ووقار وليست علاقة استلحاق واستتباع ومعها النواب مجرد حاملي مباخر لأولياء الامر.
وحذرت المرجعية المسيحية من «قبول صيغ اخرى غير صيغة اللقاء الارثوذكسي لانها ستكون مدمرة للوجود المسيحي سيما وان الهجرة والقلق الوجودي وقوانين الانتخابات التي انتجت ذمية نيابية او حلقة دونية من حلقات التواصل مع الشركاء في الوطن اشعرت المسيحيين بخوف كبير على مستقبل الشراكة في السلطة وصياغة علائق تحفظ كرامتهم ووجودهم».
وذهبت المرجعية الى حد «تكفير من يساوم على هذا الطرح لانه الامثل اي الطرح الارثوذكسي فهو صالح مسيحياً واسلامياً» والدعوة مفتوحة للكتائب والقوات وكل القوى الحية في الشارع المسيحي لتلقف الفكرة والتجاوب معها كما تلقفها وتجاوب معها العماد عون وهو قوة اساسية في الساحة المسيحية، لذا فاخذ الامور الى دائرة المصالح الشخصية سيضيع حقوق المسيحيين ولتكن الانتخابات داخل الطوائف محضة لاعادة صياغة علاقات مع الاخر وفقا لما ستنتجه هذه الانتخابات القاتمة على النسبية وعندها تتشكل كتل نيابية وتحالفات سواء مع السنة او الشيعة وفق منطوق مواز في الحضور والتخاطب والعلاقة بينما اعادة تحويل المسيحيين الى ديكورات في الطوائف الاخرى حيث لا حجم لهم ولا رأي بل فقط من اجل تفخيم قضية العيش المشترك او بالاحرى اعادة تفخيخها «لان ما بني على باطل فهو باطل».
مقالات أخرى :

Thursday, November 8, 2012


تقرير من موسكو وبيروت
بطريـرك موسـكو فـي القـدس اليـوم:عــودة روســيا الأرثـوذكســية

البطريرك كيريل (عن «الأنترنت»)
< 
وسام متى

«موسكو والقدس كالمحور القطبي ثابتتان في الوعي القومي الروسي، وعلى هذا المحور تسير السياسة الروسية». تلك مقولة لأحد المستشرقين الروس تؤكد إلى حد بعيد أهمية الزيارة التي سيقوم بها بطريرك موسكو وعموم روسيا كيريل إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة ابتداءً من اليوم.
بطريرك الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية الروسية، الضامن الأول للأرثوذكسية في العالم، يصل اليوم إلى القدس، في زيارة تاريخية تكتسب دلالات كبيرة، بالنظر إلى طابعها الروحي الذي يجدد حضور الكنيسة الروسية في المشرق العربي، بعدما أفل نجمها في الديار المقدسة منذ اندلاع الحرب العالمية الأولى وانتصار الثورة البولشفية في العقد الثاني من القرن العشرين، وبالنظر أيضاً إلى رمزيتها السياسية في الوقت الذي تسعى فيه «روسيا – بوتين» إلى تعزيز حضورها السياسي في المنطقة العربية بشكل عام.
وسيحل البطريرك كيريل في هذه الزيارة ضيفاً على بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية في القدس ثيوفيلس الثالث، الذي يمثل اكبر جماعة مسيحية في الأراضي المقدسة. وخلال إقامته سيزور البطريرك كيريل المواقع المسيحية الرئيسية في القدس وبيت لحم والناصرة وطبرية.
وفي حديث إلى «السفير»، قال رئيس المكتب الإعلامي للكنيسة الروسية ألكسندر فولكوف إن «زيارة بطريرك روسيا كيريل لفلسطين مخطط لها منذ فترة طويلة، وهي تندرج في إطار التقاليد التي تشمل زيارة رئيس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية للكنائس الأرثوذكسية في العالم».
وأوضح فولكوف انه «استناداً إلى هذه التقاليد، زار البطريرك كيريل القسطنطينية في العام 2009، والإسكندرية في العام 2010، وأنطاكية في العام 2011، والكنيسة الأرثوذكسية البلغارية والبولندية والقبرصية خلال العام الحالي».
ويقدر عدد أتباع الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في فلسطين المحتلة اليوم بما بين 250 و300 ألف شخص، من بين حوالى 150 مليون شخص ينتمون إلى هذه الكنيسة، التي تعتبر أكبر كنيسة أرثوذكسية شرقية في العالم.
وبحسب فولكوف فإن «الحدث الأهم خلال هذه الزيارة هو عبور البطريرك درب السيد المسيح وصولا إلى نهر الأردن، وزيارته إلى الأماكن المقدسة»، مشدداً على أن «هذا ما يشكل الهدف الأساسي والرئيسي من الزيارة».
المتحدث الكنسي أشار إلى أنّ «جدول أعمال البطريرك ولقاءاته خلال هذه الزيارة غني بالمحطات الدينية والسياسية». وعلى المستوى الرسمي، أوضح المتحدث أن البطريرك كيريل سيلتقي الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز والرئيس الفلسطيني محمود عباس.
ولم يحدد فولكوف ما إذا كان اللقاء مع السلطات الفلسطينية والإسرائيلية سيتناول مسألة النزاع في الشرق الأوسط والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل اكتفى بالقول إن «أجندة اللقاءات كبيرة وتفتح المجال أمام أي موضوع يطرح».
ولعل الحديث عن «جدول أعمال غني» يتجاوز الديني إلى السياسي، يعكس الأهمية التاريخية للزيارة البطريركية، خصوصاً ان هذه الزيارة تأتي في سياق تحرّك جديد من قبل موسكو باتجاه المشرق العربي على المستويين السياسي والكنسي.
ومن الثابت تاريخياً، أن العامل الديني كان المحرك الأول للسياسة الخارجية الروسية، خصوصاً تجاه المشرق العربي، إذا ما استثنينا الحقبة السوفياتية، التي تراجع فيها العامل الديني لمصلحة العامل الأيديولوجي الماركسي ـ اللينيني وتوازن القوى في إطار الحرب الباردة.
ولعلّ من أبرز الدلالات على هذا الترابط بين الديني والسياسي، انه عقب اعتناق روسيا رسمياً الدين المسيحي بمذهبه الأرثوذكسي قبل ألف عام، كانت أول بعثة دبلوماسية يرسلها الأمير القديس فلاديمير هي بعثة العاصمة القديمة كييف إلى الديار المقدسة.
وبعد ذلك بنحو قرن، زار كبير الرهبان دانيال فلسطين برفقة مجموعة مع الرهبان الروس، لتبدأ منذ ذلك الحين رحلات الحج إلى الديار المقدسة، التي كانت تحتل أولوية مطلقة في السياسة الخارجية الروسية، وهو ما تبدّى خصوصاً في عدد من اتفاقيات السلام التي أبرمتها روسيا القيصرية مع السلطنة العثمانية.
لكن الحج لم يكن الاهتمام الوحيد للأرثوذكس الروس في مقاربتهم للوضع في المشرق العربي، إذ غالباً ما كانت الكنيسة الروسية تقدم العون للكنائس الأرثوذكسية القديمة، وهو ما حدث على سبيل المثال في القرن السادس عشر، وتحديداً في عهد القيصرين إيفان الثالث وإيفان الرابع (الرهيب)، حيث كانت ترسل إلى القدس تبرعات ضخمة لدعم البطريركيات الأرثوذكسية في الأراضي المقدسة.
هذا التوجه بلغ ذروته في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين بلغ الوجود الروسي في فلسطين ذروة ازدهاره، حتى أن بعض المؤرخين يؤكدون أن اللغة الروسية كانت اللغة الثالثة في الأراضي الفلسطينية بعد العربية والتركية.
العصر الذهبي للحضور الروسي في الأراضي الفلسطينية توّج بقرار أصدره القيصر نيقولا الأول في العام 1847 بإنشاء البعثة الروحية الأرثوذكسية إلى القدس (وقد أصدر المجمع المقدس مرسوماً بتشكيل هذه البعثة التي وصلت إلى القدس في شباط العام 1848)، ومن ثم بتأسيس الجمعية الفلسطينية الأرثوذكسية الإمبراطورية (1882) بدعم مباشر من العائلة المالكة، والتي كان من مهامها تعزيز الحضور الروسي في المشرق العربي وتطوير العلاقات بين روسيا وشعوب المنطقة في سائر المجالات الدبلوماسية والدينية والعلمية والثقافية والاجتماعية.
وفي الداخل الروسي، شرعت الجمعية الإمبراطورية في الترويج لزيارة الأراضي المقدسة، وتسهيل أمور الحجاج، حيث عمدت لهذا الغرض إلى القيام بحركة بناء واسعة النطاق، فشيدت العديد من الأديرة والكنائس والفنادق، وامتد نشاطها إلى حقلي التعليم والصحة حيث أنشأت عشرات المستشفيات والمدارس، حتى بلغ مجموع ممتلكات البعثة الروحية والجمعية الإمبراطورية من أراض ومبان ما نسبته 1،5ـ 2 في المئة من مساحة فلسطين.
وبحسب مصدر كنسي أرثوذكسي مطلع، فإن زيارة البطريرك كيريل إلى فلسطين تأتي في سياق توجه الكنيسة الأرثوذكسية الروسية لاستعادة هذه المكانة التاريخية في فلسطين المحتلة.
وقال المصدر لـ«السفير» إن أهمية الزيارة، التي سبقتها زيارتان للمنطقة، تكمن في أن الكنيسة الروسية تسعى لأن تفتح جسراً واسعاً على الأرثوذكس في فلسطين، وذلك ضمن إطار رؤية واضحة تنسجم مع رؤية المسيحيين العرب في الأراضي المقدسة.
ويوضح المصدر أن ثمة قضية حساسة تزيد من أهمية هذه الزيارة، وهي هيمنة البطريركية اليونانية على بطريركية القدس، وهو أمر يثير امتعاضاً واسعاً من قبل الأرثوذكس في فلسطين، الذين يطالبون بـ«تعريب» هذه البطريركية.
ومن المعروف أن بطريركية القدس الأرثوذكسية تأسست سنة 451، وعندها أصبح للكنيسة الأرثوذكسية أربع بطريركيات إلى جانب القسطنطينية، والإسكندرية، وإنطاكية. ولأسباب تاريخية فإن بطريرك القدس يعين من اليونان، ما يجعله رؤيته لقضايا المنطقة – وتحديداً قضية فلسطين – تنطلق من أثينا وليس من القدس.
وتثير سياسات بطريركية القدس حفيظة المؤمنين في فلسطين، خصوصاً بعدما عمدت البطريركية إلى عقد صفقات بملايين الدولارات مع دولة الاحتلال للتنازل عن أراض ومبان تملكها الكنيسة.
ولذلك، فإن كثراً من الفلسطينيين الأرثوذكس يتطلعون إلى كسر هذه الهيمنة من خلال التقارب مع بطريركية موسكو، خصوصاً أن بطريركية القدس اليوم في وضع لا تحسد عليه، بعدما عمدت شركتان إسرائيليتان إلى الحجز على ممتلكاتها بسبب تخلفها عن دفع ضرائب المياه والكهرباء لكنيسة القيامة (مع العلم بأن هذه الكنيسة ظلت معفاة من الضرائب منذ ما قبل الفتح الإسلامي).
ولعل ما يعزز تعلق الفلسطينيين بموسكو يعود إلى عاملين: ديني وسياسي. فأواصر الصداقة بين الكنيسة الأرثوذكسية والفلسطينيين تعود إلى قرون طويلة، حيث يروي مؤرخون أن لقب «رئيس فلسطين» منح للمرة الأولى إلى رئيس الجمعية الفلسطينية الأرثوذكسية الإمبراطورية، التي كان علمها يسمّى أيضاً «علم فلسطين».
وعلى المستوى السياسي، فإن كثراً يراهنون على روسيا التي استعادت مكانتها على الساحة الدولية في ما يوحي بانتقال النظام العالمي إلى «نظام متعدد الأقطاب» أو «نظام متعدد المصالح».
ويبدو أن ثمة قراراً سياسياً في روسيا باستعادة الدور المفقود في المنطقة العربية، ولعل زيارة كيريل للأراضي المحتلة تندرج في إطار مباركة الكنيسة الارثوذكسية الروسية لهذا القرار.